ماذا تبقّى من البيت الكبير؟ (حلقة خامسة وأخيرة)
لم أكن أتصور أن تأتي اللحظة التي أتوقف فيها عن حكايات "البيت الكبير"، ولا أن أجد نفسي أبحث عما تبقّى منه فلا أجد سوى الذكريات. كثيرون كتبوا لي يطلبون الاستمرار، وربما كانوا محقين؛ فهذه الحكايات لا تخصني وحدي، بل تشبه بيوتًا كثيرة عاش فيها أصحابها نفس الدفء ونفس التفاصيل. لكن الحقيقة التي لا يمكن إنكارها أن ما كان يحدث هناك لم يعد يحدث الآن، وأن البيت كما عرفناه لم يعد موجودًا لنحكي عنه بنفس الطريقة.
لم يعد هناك باب نطرقه فنجد خلفه هذا الامتلاء بالحياة، ولا مائدة تمتد لتجمعنا جميعًا دون حساب، ولا سلالم نحفظ عدد درجاتها من كثرة ما صعدناها وهبطناها. ومع ذلك، لا أستطيع أن أقول إن الحكاية انتهت تمامًا؛ لأن "البيت الكبير" لم يكن مجرد جدران، بل كان طريقة حياة كاملة، طريقة في أن نكون معًا دون تكلف، وأن نشعر ببعضنا دون حاجة للكثير من الكلام.
كنا نعيش ببساطة شديدة، لكن هذه البساطة كانت تحمل معنى عميقًا. لم نكن نفكر في الحدود بيننا، لأن الحياة نفسها كانت مشتركة. نستيقظ فنجد من حولنا، نأكل فلا نجلس وحدنا، نذهب إلى المدرسة أو الجامعة معًا، ونعود فنذاكر معًا. كان الكبير يساعد الصغير، لا لأنه مطالب بذلك، بل لأن هذا هو الطبيعي الذي تربينا عليه. وحتى خلافاتنا كانت قصيرة، لا تعيش طويلًا في مكان مزدحم بالوجوه والقلوب.
ولم يكن البيت الكبير يخصنا نحن فقط، بل كان مفتوحًا لكل من يقصده. أقاربنا من القرية كانوا يعرفون أن رحلتهم إلى القاهرة لا تكتمل دون المرور علينا؛ من يأتي للعلاج، أو لدخول الجيش، أو للسفر للحج أو العمرة، كان يجد مكانه بيننا دون سؤال. حتى من تضيق بها الحياة أو تختلف مع زوجها أو أبنائها، كانت تلجأ إلى هذا البيت، وكأن فيه طمأنينة تعرف طريقها إلى القلوب قبل أن تُقال.
ومع مرور السنوات، تغيّرت ملامح الحياة. صار لكل منا بيته، ومسؤولياته، وإيقاعه الخاص. لم يكن في ذلك خطأ، بل هو ما يحدث طبيعيًا مع الزمن، لكن ما تغيّر لم يكن قليلًا. لم تعد اللقاءات بنفس الكثرة، ولم يعد الجمع كاملًا كما كان. أصبح لكل واحد منا عالمه الذي يشغله، وأيامه التي تمضي به بعيدًا، حتى دون أن يقصد.
ومع ذلك، بقي شيء لا يتغير بسهولة. بقي ذلك الشعور الخفي بأننا، رغم كل المسافات، ننتمي إلى نفس البداية. لم يعد "البيت الكبير" مكانًا نجتمع فيه، لكنه ظل حاضرًا فينا بشكل آخر؛ في طريقة سؤالنا عن بعضنا، في لهفتنا حين نشتاق، في إحساسنا أن هناك جذورًا مشتركة لا يمكن اقتلاعها.
أما الجيل الجديد، فلا يعرف هذا كله كما عرفناه نحن. حين أحكي لبناتي وابني عن البيت الكبير، أرى في عيونهم دهشة حقيقية؛ فكرة أن هذا العدد الكبير كان يعيش معًا ويتقاسم كل شيء تبدو لهم بعيدة. لكنني لا أتوقف عن الحكي، كأنني أحاول أن أنقل إليهم شيئًا من هذا العالم، ليعرفوا أن هناك زمنًا كانت فيه الحياة أبسط… وربما أدفأ.
أحكي لهم عن "جيهان"، ابنة عمي وصديقة عمري، كيف كنا لا نفترق، وكيف كانت تفاصيل أيامنا متشابكة. أحكي عن سفرها، وعن الفراغ الذي تركه غيابها، حتى إنني اصطحبت إحدى بناتي لزيارتها، كأنني أبحث عن جزء من هذا الزمن الذي ما زال يعيش بداخلي.
ومع الوقت، أدركت أن حكاية "البيت الكبير" ليست استثناءً، بل هي حكاية جيل كامل. كثير من أصدقائي حين يتحدثون عن بيوتهم القديمة، أجد في كلامهم نفس الملامح، ونفس الدفء، ونفس الفقد الهادئ. كأننا جميعًا مررنا بالتجربة نفسها، ثم وجدنا أنفسنا نعيش في زمن مختلف، بإيقاع أسرع، ومسافات أوسع، وحياة لم تعد تتشابه كما كانت.
وربما لهذا السبب، لا أستطيع أن أقول إن البيت الكبير انتهى. هو لم يعد قائمًا بجدرانه، لكنه لم يختفِ. بقي فينا… في طريقتنا، في ذاكرتنا، في الحنين الذي يظهر فجأة دون موعد.
بقي في الحكايات التي نحكيها، وفي الرغبة التي لا تختفي في أن نعيد، ولو قليلًا، هذا الإحساس بأننا معًا.
وربما هذا هو ما تبقّى حقًا…
أننا، مهما ابتعدنا، ما زال داخل كل واحد منا بيت كبير لا يغلق بابه أبدًا.
------------------------------
بقلم: سحر الببلاوي
الطقس
إقرأ أيضا
هاكان فيدان يشيد بموقف مصر المسؤول عقب استهداف سفينتي طاقة في دمياط
ثمن وزير الخارجية التركي هاكان فيدان، الموقف المصري المتزن والمسؤول الذي اتخذته مصر عقب الهجوم...
نبيل فهمي يبحث أمين عام مجلس التعاون الخليجي تطورات القضايا العربية والإقليمية
استقبل نبيل فهمي، الأمين العام لجامعة الدول العربية، اليوم الخميس، جاسم محمد البديوي، الأمين العام ل...
رئيس حزب الوفد يوجّه بالاستعانة بالكوادر القبطية والشباب في تشكيلات الحزب بالمحافظات
وجّه الدكتور السيد البدوي شحاتة رئيس حزب الوفد دعوة عاجلة لجميع الأعضاء واللجان المكلفة بتشكيل اللجا...
نقيب الإعلاميين: ملتزمون بميثاق الشرف الإعلامي وبقرار المحكمة بحظر النشر في قضية التجمع الخامس
أصدرت نقابة الإعلاميين، برئاسة الإعلامي الدكتور طارق سعده، نقيب الإعلاميين، بيانًا بشأن الخطاب الوار...
الاكثر قراءة
ميتشو: غياب شيكابالا عن مواجهة بطل السنغال مؤثر للغاية
كشف الصربي ميتشو المدير الفني لفريق الكرة الأول بنادي الزمالك عن أنه لا يشعر بأي ضغوط قبل مواج...
حكم الإفرازات البيضاء التي يميل لونها إلى الصفرة
السؤال:كنت قد سألتكم منذ مدة طويلة عن هذا الموضوع، والآن أسال في نفس الموضوع، ولكن بعد بحث طويل فيه...
هل يقبل محمد الباز التحدي؟
في حلقة 6 أغسطس 2019 من برنامج 90 دقيقة على قناة المحور دعا الزميل محمد الباز مقدم البرنامج 3 من أعض...
تحت شعار "الدواء دون أضرار".. الاعتماد والرقابة الصحية تحتفل باليوم العالمي لسلامة المرضى
تنطلق غدا السبت فعاليات اليوم العالمي لسلامة المرضى، التي تنظمها الهيئة العامة للاعتماد والرقابة الص...
أسعار الذهب اليوم
السعر بالجنيه المصري