الخميس، 05 نوفمبر 2026 القاهرة 26.9°C
رئيس التحرير مجدي شندي

ما وراء نزول السودانيين إلى الشوارع غاضبين

 الأغلبية الكاسحة لأهل السودان من أطيب وأنبل وأوعى العرب، يحبون الحياة، وتنطوي جوانحهم على تسامح، وينصرف سلوكهم دوما إلى تعاون وتراحم بينهم، عاشرتهم في الغربة حيث منافيهم، وخالطتهم في بلدهم، وسمعت شكواهم من سلطات فاسدة مستبدة تعاقبت عليهم، وحرمتهم من خيرات بلدهم المنهوبة والمنسية.

في هذه الأيام، يكافح السودانيون في عزلة واكتفاء واستغناء عن العالمين، يواجهون، كشعراء حالمين، آلة قمع رهيبة بنيت على أكتاف التحالف الذي كان بين التيار الديني والعسكريين هناك، وانتهى بتصارعهم لكنه لم ينه عند السلطة الحاكمة الشعور الزائف بالاستعلاء، والنهم الدائم إلى التوحش والاستئثار بكل شيء، والبقاء في السلطة إلى الأبد.

فبعد ما يقرب من ثلاثين سنة في الحكم أوعز البشير لحزبه بأن يبدأ مسار تعديل الدستور ليرشح نفسه لفترة رئاسية أخرى في انتخابات 2020، فانطلقت دعوة إلى جمع مليون توقيع لمنع هذه الخطوة، فصنعت نواة للثورة الحالية، التي كان رفع الأسعار شرارتها، لكن حطبها تراكم في سنوات الاستبداد والفساد الطويلة. 

( 2 )

مع نزول أهلنا فى السودان الشقيق محتجين على نظام البشير، مطالبين بإسقاط النظام تحت لافتة "الثورة خيار الشعب" رحت أستعيد صور النساء المتراصات على شاطئ النيل فى الخرطوم، وكل منهن قد جلست أمام "نصبة شاى" بسيطة، وحولها مقاعد بلاستيكية ذات ألوان متنوعة، تغرف من المياه المنسابة فى وداعة، وتحبس ما غرفت فى براد كبير يتأرجح فوق وشيش "وابور الجاز" ثم ترمى ملاعق الشاى فى جوف الأكواب وتصب الماء المغلى على مهل حتى يمور ويحمر ويسود ويروق، فتعطيه للجالسين، ظهورهم إليها ووجوههم إلى نهر بكر ينساب فى وداعة نحو الشمال.

كل واحدة من هؤلاء النسوة تحمل فى السودان اسم "ست الشاى"، وهن أرامل الرجال الذين أرسلهم البشير إلى الحرب فى الجنوب فعادوا جثثا هامدة، ووزع النظام فجيعتهم على نسائهم الباكيات، فسمح لهن ببيع الشاى للعابرين والمتنزهين من فتية وفتيات هاربين من حياة مقبضة وقوانين مقهرة ومزاعم فارغة، إلى براح النهر.

كل شىء فى زمن البشير جالس مثل تلك النسوة، لكنه يفتقد وداعتهن وطيبتهن ورضاهن بالقليل، كما يفتقد صراحتهن ووضوحهن واستقامتهن وكدحهن بشرف واقتدار، وإن كان لا يخلو من تحايل مثل ذلك الذى تنسجه أمامك "ست الشاى" وهى تحاول أن ترضى زبائنها. فالنظام يرفع فى العلن شعارات "إسلامية"، تجلت بوضوح في خطاب البشير الأخير، وفى السر يمارس كل ما يجافى الشريعة، من ظلم وقهر وبطش وتقييد وتدخل سافر فى حياة الناس واستعمال من لا جدارة لهم، وتفريغ البلد من مثقفيه وكُتابه ومن كل وميض لنور المعرفة والفن، يصقل العقل، ويشبع الوجدان.

فعقل السودان الجميل حوصر من سنين فانفرط عقده فى بلاد الناس وجعا وغربة، فالبشير ورجاله كانوا حريصين على التخلص من كل الذين ينبهون الناس، ويرفعون الالتباس، ويقولون غير ما تطلقه أبواق النظام. وقلب السودان، حيث التدين الوسطى المعتدل الذى يمزج الفقه بالتصوف والرواية بالدراية ومقتضى الشرع بالموروث الشعبى المفعم بالقيم الإنسانية والأخلاقية، تم الاعتداء عليه من خلال خطاب زاعق ناعق يجنح إلى التطرف، وتغشيه قطع الليل المظلمة، والرغبة الجامحة فى إيقاف عجلة التاريخ، واصطياد أفئدة الناس وحبسها فى صندوق عبأته السلطة بكل أصناف التجارة بالدين. وساعِد السودان انكسر فى حرب أهلية ونزاعات جهوية معلنة وصراعات طبقية مكتومة وإخفاق اقتصادى واجتماعى جارح وعسس يعد على الناس أنفاسهم، فلم يعد قادرا على أن يهش عن جسد البلاد العريض تلك الأيدى التى تتخطف لحمه، فانفصل جزء وتصدعت أجزاء، ولا تنشغل السلطة إلا بما جمعته من ثروات وقيود، ولا يشغل الأرض التى تنحسر من تحت عجيزتها، فالمهم أن يبقى رجالها فوق الكراسى أطول فترة من الزمن.

كل هذا يدور بين المنازل وينزلق إلى الحارات والشوارع ثم يندفع إلى شاطئ النيل، وراءه البيوت الخفيضة الهادئة وأمامه المدى الأخضر الرائق، ليقف هنا عند أطراف أصابع "ستات الشاى"، الساكنات الجالسات على قارعة الزمن، يتابعن المسيرات الحاشدة التى تمر فى صخب وتهتف: "الشعب يريد إسقاط النظام". وقد يجد بعض المتظاهرين فرصة سانحة ليجلسوا قليلا، يرتشفون الشاى الساخن، ثم ينهضون من جديد لينضموا إلى الحشود الزاحفة نحو الحرية والعدل، وكل منهم يساوره سؤال حائر عن مصيره، فمن يدرى أن يستشهد بعد قليل برصاص غادر لتأتى أرملته وتصبح "ست شاى" هنا، على الضفة اليسرى للنهر العظيم؟

( 3 )

ما يلفت الانتباه أن جماعة الإخوان سارعت إلى غسل يدها من البشير، رغم أن أحد أجنحتها الذي كان يقوده حسن الترابي، هو من أتى به إلى السلطة وتحالف معه وساعده على تشكيل ميليشيات هي التي تضرب السودانيين العزل السلميين الآن. ويتنادى الآن الإخوان وأتباعهم لإدارة حراك الشارع في ظل ضعف الأحزاب، وانطلاق الناس إلى الشوارع غاضبين بلا قيادة، ليصبحوا أحد المآلات التي قد ينتهي إليها ما يجري، ومنها أن يزيح الجيش البشير ويقدم أحد قادته، أو يسانده إلى النهاية في قمع لن يجدي فيذهبان سويا عن السياسة، أو تستعيد الأحزاب المدنية زمام الأمر بعد طول تراخ وإهمال، أو يثأر التيار الديني ويسترد السلطة الحقيقية من البشير الذي صعد على أكتافه ثم أزاحه، والأفضل من كل هذا أن تصنع الثورة قياداتها ولا تنفك حتى تسند الأمور إليهم. في كل الأحوال عودتنا أحداث السودان أن نتريث وندقق ولا نستبق الأمور.

استمع إلى المقال حوّل المقال إلى تجربة صوتية
مدة القراءة05:04
تعليقات


الطقس
القاهرة مصر
26.9°C
توقعات الساعات القادمة
26.9°C
26.9°C
26.6°C
26.0°C
25.2°C
24.2°C
إقرأ أيضا
هاكان فيدان يشيد بموقف مصر المسؤول عقب استهداف سفينتي طاقة في دمياط

ثمن وزير الخارجية التركي هاكان فيدان، الموقف المصري المتزن والمسؤول الذي اتخذته مصر عقب الهجوم...

نبيل فهمي يبحث أمين عام مجلس التعاون الخليجي تطورات القضايا العربية والإقليمية

استقبل نبيل فهمي، الأمين العام لجامعة الدول العربية، اليوم الخميس، جاسم محمد البديوي، الأمين العام ل...

رئيس حزب الوفد يوجّه بالاستعانة بالكوادر القبطية والشباب في تشكيلات الحزب بالمحافظات

وجّه الدكتور السيد البدوي شحاتة رئيس حزب الوفد دعوة عاجلة لجميع الأعضاء واللجان المكلفة بتشكيل اللجا...

نقيب الإعلاميين: ملتزمون بميثاق الشرف الإعلامي وبقرار المحكمة بحظر النشر في قضية التجمع الخامس

أصدرت نقابة الإعلاميين، برئاسة الإعلامي الدكتور طارق سعده، نقيب الإعلاميين، بيانًا بشأن الخطاب الوار...

الاكثر قراءة
حوار مع رضا المكي "المنظر والمنظم": إعادة اكتشاف الرئيس قيس سعيد

هذه أسرار نجاح قيس سعيد يرويها زميل دراسته أقرب معاونيه خلال حملته الانتخابيةيضع رفض برلمان تونس الل...

إبراهيم فتحي ...مؤسس العناوين الكبرى

رحل عن عالمنا منذ أيام، المثقف، المناضل اليساري، المترجم، الناقد الادبي، والمفكر ابراهيم فتحي،...

120 عاما على ميلاد محمد عبدالوهاب .. امتزج بالوجدان فاستعصى على الغياب

كعادة كل الأشياء العظيمة ، وجودها صعب، نادر.. وملفت ، كنبتة تزهر في الصخر أو نجم الثريا وسط سماء واس...

حكم الإفرازات البيضاء التي يميل لونها إلى الصفرة

السؤال:كنت قد سألتكم منذ مدة طويلة عن هذا الموضوع، والآن أسال في نفس الموضوع، ولكن بعد بحث طويل فيه...

أسعار الذهب اليوم

السعر بالجنيه المصري

عيار 24
7,114ج.م
عيار 21
6,225ج.م
عيار 18
5,336ج.م
الجنيه الذهب
49,800ج.م
عرض جميع الأسعار

تابعونا


جارٍ التحميل...