الاثنين، 02 نوفمبر 2026 القاهرة 19.8°C
رئيس التحرير مجدي شندي
ما دام القلب ينبض.. فهناك موعد مع السعادة وإن تأخر

ما دام القلب ينبض.. فهناك موعد مع السعادة وإن تأخر

في طريق عودتي إلى المنزل، وبين وجوه أنهكتها مشاغل الحياة وضجيج المواصلات المعتاد، جلست إلى جواري سيدة شعرت منذ اللحظة الأولى أن ملامحها مألوفة ، احتجت إلى دقائق حتى استحضرتها من ذاكرة غابت عنها أكثر من أربعين عامًا.

كانت جارتنا القديمة؛ الفتاة المرحة التي لم تكن الابتسامة تفارق وجهها يومًا، ما إن تبادلنا التحية حتى انساب الحديث بيننا، وكأنها كانت تبحث منذ سنوات عمن يسمع حكايتها.

قالت إنها تزوجت في شبابها بعد قصة حب، لكن زواجها انتهى ولم يشفع لها هذا الحب، طلقت لأنها لم تُرزق بأطفال، لم يكن الطلاق نتيجة خلاف أو سوء عشرة، بل لأن زوجها لم يتوقف عن معايرتها بعدم الإنجاب حتى جعلها تشعر أن قيمتها كلها اختُزلت في أمر لم يكن لها يد فيه.

ثم تزوجت رجلًا أرملًا لديه أبناء وبنات يريد أما لهم، احتضنتهم كما لو كانوا أبناءها، وربتهم، وسهرت على تعليمهم، حتى زوجت البنات، وظنت أن الله عوضها بأسرة حرمت منها، لكن القدر كان يخفي لها امتحانًا آخر؛ فما إن توفي زوجها حتى تنكر لها الأبناء، وأداروا ظهورهم لها، لتجد نفسها وحيدة بعد سنوات طويلة من العطاء.

توقعت أن تنتهي الحكاية عند هذا الحد، لكنها ابتسمت وقالت: "بعد أن تجاوزت الستين، طرق بابي رجل طيب يطلب الزواج، رفض إخوتي جميعًا، وقالوا: ماذا ستفعلين بالزواج في هذا العمر؟ لكنني وافقت خوفا من الوحدة و لأن كلا منهم مشغول بحياته، و رغم غضبهم ومقاطعتهم لي أتممت الزواج.

"ثم أضافت، وعيناها تلمعان بامتنان: "مر على زواجنا ثلاث سنوات... والله ما عرفت معنى الراحة إلا معه، يحترمني، ويخاف عليّ، ويجبر خاطري كل يوم." لم تكن كلماتها وحدها هي التي تروي الحكاية، بل كانت ملامحها أيضًا.

رأيت امرأة تجاوزت الستين، لكن الحياة بدت وكأنها بدأت معها من جديد، كان في وجهها صفاء لا تصنعه الأيام السهلة، بل تصنعه الطمأنينة بعد طول انتظار. عندها أيقنت أن العمر لا يقاس بعدد السنوات، بل بعدد اللحظات التي نشعر فيها أننا وجدنا مكاننا في الحياة.

غادرتها وأنا أفكر في ذلك الخطأ الذي يقع فيه كثيرون، حين يظنون أن للسعادة موعدًا واحدًا، فإذا ضاع ضاعت معه كل الفرص، وكأن الحياة تمنح الإنسان محاولة واحدة، فإذا أخفق فيها، لم يبق له سوى اجترار الذكريات.

لكن الحياة رغم صعوبتها  أكثر رحمة من ذلك، فالإنسان لا يعيش تجربة واحدة، ولا يختبر حبًا واحدًا، ولا تُغلق في وجهه جميع الأبواب إذا أُغلق باب واحد. وما نسميه أحيانًا نهاية، قد يكون بداية لا نراها إلا بعد أن تهدأ عاصفة الألم.

الخسارة ليست نهاية الطريق، بل جزء من الرحلة. والخذلان لا يعني أن العالم خلا من الأوفياء، كما أن الفشل لا يعني أن النجاح أصبح مستحيلًا ، يقول الفيلسوف الروماني سينيكا: "ما دمنا أحياء، فعلينا أن نتعلم كيف نحيا." .

أما جلال الدين الرومي فيلخص الأمر بقوله: "الجُرح هو المكان الذي يدخل منه النور إليك " .

المشكلة ليست في التجارب القاسية، بل في أن نسمح لها بأن تتحول إلى سجن نخاف داخله من كل بداية جديدة، فكم من إنسان أغلق قلبه بعد خذلان، أو تراجع عن فرصة، خوفًا من الفشل، فخسر ما كان يمكن أن يكون أجمل ما في حياته.

الخوف قد يحمينا من ألم محتمل، لكنه يحرمنا أيضًا من سعادة محتملة، لذلك، من حق كل إنسان أن يمنح نفسه فرصة ثانية وثالثة ورابعة للسعادة، ومن واجبه ألا يسمح للخوف أن يشل إرادته، فالسعادة المشروعة تستحق أن نسعى إليها، بعد أن نحسن الاختيار، ونأخذ بالأسباب، ثم نترك النتائج لله.

وقد علمني الإسلام أن السعي مسؤوليتنا، أما التوفيق فمن عند الله ، قال تعالى: ﴿وَعَسَىٰ أَن تَكْرَهُوا شَيْئًا وَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ﴾، وقال سبحانه: ﴿وَمَن يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَل لَهُ مَخْرَجًا  وَيَرْزُقْهُ مِنْ حَيْثُ لَا يَحْتَسِبُ﴾.

كم من باب أُغلق فكان وراءه خير لم نره إلا بعد سنوات، وكم من أمنية تأخرت حتى جاء معها النضج الذي يجعلنا أقدر على الاحتفاظ بها. إن الزمن ليس عدوًا للإنسان، ولا العمر حاجزًا أمام الفرح.

ففي كل يوم فرصة لم تكن موجودة بالأمس، وشخص لم نلتقه بعد، وخير يدخره الله في الوقت الذي يراه أصلح لنا.

ليس المطلوب أن ننسى آلامنا، بل ألا نجعلها تحكم مستقبلنا. فالحياة لا تطلب منا ضمان النتائج، وإنما شجاعة المحاولة، وحسن السعي، والرضا بما يختاره الله لنا.

وطالما أن في العمر بقية، فهناك دائمًا صفحة لم تُكتب، ودعاء لم يُستجب بعد، وفرصة جديدة يسوقها الله إلينا في الوقت الذي يختاره بحكمته.

فالشمس قد تغيب عن يوم، لكنها لا تغيب عن الحياة. وكذلك السعادة؛ قد تتأخر، وقد تأتي من باب لم نتوقعه، لكنها تظل ممكنة ما دام القلب ينبض، وما دام الأمل معلقًا بالله. وربما يكون أجمل ما ينتظرنا ليس ما فقدناه، بل ما ادخره الله لنا حتى يحين موعده.
---------------------------------------
بقلم: سحر الببلاوي


استمع إلى المقال حوّل المقال إلى تجربة صوتية
مدة القراءة04:45
تعليقات


الطقس
القاهرة مصر
19.8°C
توقعات الساعات القادمة
19.8°C
19.5°C
19.1°C
19.1°C
19.1°C
19.6°C
إقرأ أيضا
هاكان فيدان يشيد بموقف مصر المسؤول عقب استهداف سفينتي طاقة في دمياط

ثمن وزير الخارجية التركي هاكان فيدان، الموقف المصري المتزن والمسؤول الذي اتخذته مصر عقب الهجوم...

نبيل فهمي يبحث أمين عام مجلس التعاون الخليجي تطورات القضايا العربية والإقليمية

استقبل نبيل فهمي، الأمين العام لجامعة الدول العربية، اليوم الخميس، جاسم محمد البديوي، الأمين العام ل...

رئيس حزب الوفد يوجّه بالاستعانة بالكوادر القبطية والشباب في تشكيلات الحزب بالمحافظات

وجّه الدكتور السيد البدوي شحاتة رئيس حزب الوفد دعوة عاجلة لجميع الأعضاء واللجان المكلفة بتشكيل اللجا...

نقيب الإعلاميين: ملتزمون بميثاق الشرف الإعلامي وبقرار المحكمة بحظر النشر في قضية التجمع الخامس

أصدرت نقابة الإعلاميين، برئاسة الإعلامي الدكتور طارق سعده، نقيب الإعلاميين، بيانًا بشأن الخطاب الوار...

الاكثر قراءة
ميتشو: غياب شيكابالا عن مواجهة بطل السنغال مؤثر للغاية

 كشف الصربي ميتشو المدير الفني لفريق الكرة الأول بنادي الزمالك عن أنه لا يشعر بأي ضغوط قبل مواج...

حكم رسم الأنمي وكيفية التخلص من إثمه

السؤال:أشكركم على هذا الموقع‎.‎ ‏ سؤالي‎:‎‏ أنا أحب رسم الأنمي كثيرا، ‏فقد مضت سنة على رسمي له، لك...

رسالة مفتوحة إلى فخامة الرئيس

سيدي الرئيس: "إنَّ الوصيةَ لو تُرِكَتْ لفضلِ أدبٍ، تُرِكَتْ لذلك منكم"، وإنَّ النصيحة لو ح...

حريق بسفينة في ميناء دمياط وجاري حاليا التعامل معه والسيطرة عليه عن طريق الحماية المدنية

صرح المركز الإعلامي لهيئة ميناء دمياط أنه بتاريخ اليوم الخميس، الموافق وفي تمام الساعة الواحدة والنص...

أسعار الذهب اليوم

السعر بالجنيه المصري

عيار 24
6,977ج.م
عيار 21
6,105ج.م
عيار 18
5,233ج.م
الجنيه الذهب
48,840ج.م
عرض جميع الأسعار

تابعونا


جارٍ التحميل...