الاثنين، 02 نوفمبر 2026 القاهرة 23.5°C
رئيس التحرير مجدي شندي
مؤشرات | موازنة تفتقر إلى العدالة الضريبية

مؤشرات | موازنة تفتقر إلى العدالة الضريبية

لا أنكر إعجابي بالتقارير والدراسات التي تصدر عن مركز السياسات البديلة بالجامعة الأمريكية وعمقها وتقديمها لرؤى معمقة للعديد من القضايا التي تهم الوطن والأمة على المستوى المحلي و القومي ، كما تقدم رؤية لمتخذي القرار للعديد من الأبعاد التي قد تحقق حالة توازن مجتمعي.

وتذكرني بالدراسات التي كانت تصدرها الجامعة في ثمانينيات وتسعينيات القرن الماضي والتي كنا نعتبرها كنزا بحثيا معلوماتيا للصحافة أو كمصدر للدراسات. وكنا نحصل عليها ورقية من مصادرنا بالجامعة.. ونتسابق في نشرها.. واليوم اختلف الوضع في عصر التكنولوجيا، فالدراسات والتقارير متاحة وأسهل مما كنا نعانيه ..

وللأمانة فإن أهمية دراسات مركز السياسات البديلة تتمتع بحرية أعلى في طرح الرؤي..مما يحفز القارئ لها على متابعتها... وانطلاقا من هذا قررت أن أطرح بعضها للتحليل والنقاش في الزوايا التي أكتبها في وسائل إعلام مختلفة لتعميم الفائدة.

في قراءة مبدئية لمشروع موازنة الدولة لعام 2025/2024، بين تقرير إقتصادي مهم أن البيان المالي للموازنة يشير إلى أن الجزء الأكبر منها تموله ضرائب محدودي الدخل والجهات السيادية، فيما غاب عن الموازنة أي دور مؤثر لضرائب الثروة والمهن الحرة التجارية وغير التجارية والأرباح الرأسمالية للشخصيات الاعتبارية في تحمل العبء الضريبي، وهو ما يجعل الموازنة تفتقر إلى العدالة.

أرقام البيان المالي توضح أن مشروع الموازنة - التي ىدأ البرلمان في مناقشته - أن الضرائب بنسبة 77% من الإيرادات العامة، وهي تمثل زيادة 32.2% عن المتوقع في موازنة العام الجاري.

التقرير التحليلي الذي أعده فريق (عدسة) بمركز "حلول للسياسات البديلة" التابع للجامعة الأمريكية، ووفقا لحساباته، فإن إجمالي الإيرادات الضريبية المتوقعة للعام المالي الحالي نحو 1.5 تريليون جنيه بينما يستهدف مشروع الموازنة الجديد نحو 2 تريليون جنيه (11.8% من الناتج الإجمالي المحلي)، فيما تمثل ضريبتا "القيمة المضافة" و"الدخل على المرتبات والضرائب السيادية لقناة السويس والبنوك" نحو 67% من إجمالي الإيرادات الضريبية.

ولو نظرنا إلى تفاصيل مساهمة ضريبة القيمة المضافة والتي يمثل الفقراء النسبة الأكبر في تمويلها، نجد أنها المول الرئيسي الحصيلة الضرائب، بنسبة 36% من إجمالي الإيرادات الضريبية في مشروع موازنة العام المالي القادم، وهذا يؤكد أن تلك الضريبة غير المباشرة تأاتي من جيوب فقراء المجتمع وليست من كبار الممولين أو الأغنياء والقادرين.

وذكر أن ضريبة القيمة المضافة عبارة عن نسبة مقطوعة من سعر السلعة فهي من نوع الضرائب غير العادلة التي لا تأخذ بعين الاعتبار الفروقات في مستوى الدخول، وهنا يأتي تفسير التقرير بالقول أن المستهلك الأقل دخلًا يدفع ضريبة على الاستهلاك أكثر من التي يدفعها ذوو الدخول المرتفعة نظرا لأنهم ينفقون الحصة الأكبر على احتياجاتهم الأساسية، ويدخرون الجزء الأقل، وإن كان هذا الإدخار مشكوكا فيه.

الأهمية في هذا التحليل أنه وإلى جانب العبء الضريبي للقيمة المضافة، تؤكد نسبة الضريبة على الدخول من التوظيف أي المرتبات، ووفقًا لمشروع الموازنة، تحمل أصحاب الدرجات الوظيفية الأقل (الثانية والثالثة وما تحتها) الذين يمثلون القاعدة العمالية للأجهزة الإدارية والمنشآت المختلفة تمويل الموازنة.

والأرقام التي أوردها التقرير مزعجة، ومثيرة للضغينة بسبب غياب عنصر العدالة، حيث تساهم ضريبة المرتبات نحو 55% من إجمالي ضرائب الدخل المفروضة على الأشخاص الطبيعيين ولا تتجاوز ضريبة الدخل على أصحاب المهن الحرة (الأطباء و المهندسين والمحامين، وغير ذلك 16 مليار جنيه، ما يعادل 5% فقط من نفس البند.

ومن أرقام عدم العدالة، وتحميل فقراء المجتمع أكثر من طاقتهم، ومجمل إمكانيااتهم، فإن ضريبة الدخل من النشاط التجاري والصناعي تساهم بمبلغ 111 مليار جنيه، بما يعادل 37%، بينما تسجل الضريبة على الإيراد من الثروة العقارية نسبة 0.9% من ضريبة الدخل على الأشخاص الطبيعيين

وغياب العدالة يتضح أكثر وأكثر، فيما يتعلق بتوزيع العبء الضريبي بشكل أوضح حين نقارن ضريبة الدخل على المرتبات بأحد أنواع ضرائب الثروة وهي ضريبة الأراضي والمباني (الضريبة العقارية) حيث بلغت قيمتها المستهدفة نحو 8 مليارات جنيه، وهو رقم هزيل إذا قورن بقيمة ثروة عقارية تصل إلى 10 تريليونات جنيه على أقل تقدير لها.

والنقد لايكفي وحده لبناء العدالة في مشروع الموانة الجديدة للعام 2024- 2025، فمن المهم أيضا وضع واقتراح حلول، وفي هذا الإطار، يأتي السؤال (كيف يمكن للحكومة أن تصل إلى موازنة أكثر عدالة؟).

والإجابة السليمة والمقبولة تتمثل في أهمية إعادة النظر في تفعيل ضرائب الثروة، فمكافحة التجنب والتهرب الضريبي، التي تقدر بمتوسط  43.46% بسبب استخدام تعليمات مطاطية للتحصيل الضريبي ووجود عديد من الثغرات في التشريع يؤدي إلى زيادة معدلات التهرب.

وأيضا من المهم إقرار قانون الرقم القومي الموحد للعقارات لحل مشكلات حصر وتسجيل العقارات في السجل العيني وميكنة عمليات التقييم العقاري لتسجيل القيم السوقية للعقارات وقت الحصر واستخدامها في إعادة التقييم الخَمسي (كل 5 سنوات)، بخلاف ضرورة حساب معدل الزيادة وفقًا لمعدلات التضخم، وتوفير خرائط مُحدَّثة لتسهيل حصر التوسعات.

والسؤال الأهم والمهم، إلى متى يظل الفقراء هم الأضعف في الحلقة الجهنمية للإقتصاد وأزماته، وهم من يدفعون ثمن الفشل، وآخر من يحصدون ثمار النجاح، وأيضا الفقراء هم من يسددون الفاتورة لتسيير الإقتصاد، وأيضا هم من يقتطعون من جيوبهم الجنيهات المتبقية بالرضا وبالقوة لسداد ما تستطيع به الدولة تسيير أمورها المالية؟..

السؤال ليس وليد اليوم، بل هو سؤال الأمس واليوم وسيظل مطروحا، حتى يشعر الناس البسطاء أنهم في عدالة بكل شئ، خدمة ودخلاً ورواتب .. وضرائب .. وغير ذلك..
--------------------------
بقلم: محمود الحضري

استمع إلى المقال حوّل المقال إلى تجربة صوتية
مدة القراءة05:06
تعليقات


الطقس
القاهرة مصر
23.5°C
توقعات الساعات القادمة
23.5°C
22.6°C
21.2°C
20.8°C
20.3°C
19.8°C
إقرأ أيضا
هاكان فيدان يشيد بموقف مصر المسؤول عقب استهداف سفينتي طاقة في دمياط

ثمن وزير الخارجية التركي هاكان فيدان، الموقف المصري المتزن والمسؤول الذي اتخذته مصر عقب الهجوم...

نبيل فهمي يبحث أمين عام مجلس التعاون الخليجي تطورات القضايا العربية والإقليمية

استقبل نبيل فهمي، الأمين العام لجامعة الدول العربية، اليوم الخميس، جاسم محمد البديوي، الأمين العام ل...

رئيس حزب الوفد يوجّه بالاستعانة بالكوادر القبطية والشباب في تشكيلات الحزب بالمحافظات

وجّه الدكتور السيد البدوي شحاتة رئيس حزب الوفد دعوة عاجلة لجميع الأعضاء واللجان المكلفة بتشكيل اللجا...

نقيب الإعلاميين: ملتزمون بميثاق الشرف الإعلامي وبقرار المحكمة بحظر النشر في قضية التجمع الخامس

أصدرت نقابة الإعلاميين، برئاسة الإعلامي الدكتور طارق سعده، نقيب الإعلاميين، بيانًا بشأن الخطاب الوار...

الاكثر قراءة
هل يقبل محمد الباز التحدي؟

في حلقة 6 أغسطس 2019 من برنامج 90 دقيقة على قناة المحور دعا الزميل محمد الباز مقدم البرنامج 3 من أعض...

الذبح لمن استطاع سبيلا

بعد سيطرة ضباط يوليو1952على مصر..وبعد انتشار(شعارات العروبة) والقومية العربية.. وتوأمتها الوحدة العر...

في انتظار رد اﻷمن.. عن عوائق سفر أعضاء هيئة التدريس (دراسة خطيرة)

تحاول الدولة منذ سنوات فرض سيطرتها على الجامعات المصرية باستخدام قوانين وقرارات عدة أصدرتها خلال الس...

حديث الإفك وكلاب السكك!

كان عم شمس ضابط شرف برتبة نقيب عندما كنت في مدرسة الصاعقة ، كان يشغل منصب قائد سرية كلاب حرب، وكنا ج...

أسعار الذهب اليوم

السعر بالجنيه المصري

عيار 24
7,017ج.م
عيار 21
6,140ج.م
عيار 18
5,263ج.م
الجنيه الذهب
49,120ج.م
عرض جميع الأسعار

تابعونا


جارٍ التحميل...