الأربعاء، 28 أكتوبر 2026 القاهرة 28.9°C
رئيس التحرير مجدي شندي
لماذا يتعثر مسار اليوم التالي في غزة؟!

لماذا يتعثر مسار اليوم التالي في غزة؟!

لم تعد أزمة غزة تدور فقط حول وقف إطلاق النار أو إدخال المساعدات الإنسانية، بل باتت تتمحور بصورة متزايدة حول سؤال أكثر تعقيدًا: كيف يمكن الانتقال من الحرب إلى نظام سياسي وأمني جديد دون حسم مصير سلاح الفصائل الفلسطينية؟ فمع مرور أشهر على إعلان "خطة ترامب" لوقف الحرب وإعادة ترتيب المشهد في القطاع، تبدو الخطة أقرب إلى التعثر التدريجي، في ظل اتساع الفجوة بين الرؤية الأمريكية – الإسرائيلية، وبين حسابات حركة حماس والفصائل المسلحة الأخرى.

ومنذ اللحظة الأولى، لم تكن الخطة مجرد مبادرة لوقف القتال، بل مشروعًا لإعادة هندسة غزة سياسيًا وأمنيًا. فقد طُرحت بوصفها مسارًا متعدد المراحل يبدأ بوقف العمليات العسكرية وتبادل الأسرى، ثم ينتقل إلى إعادة الإعمار وترتيبات الحكم، وصولًا إلى نقل إدارة القطاع إلى السلطة الفلسطينية ضمن مسار يُفترض أن يقود لاحقًا إلى تسوية سياسية أوسع. لكن خلف هذه الصيغة بدا واضحًا أن جوهر المشروع يتمثل في إنهاء الدور العسكري والسياسي لحماس بصورة تدريجية، وإعادة صياغة معادلة القوة داخل القطاع.

غير أن ما بدا على الورق كخطة انتقال سياسي منظم، اصطدم سريعًا بواقع أكثر تعقيدًا على الأرض. فإسرائيل والولايات المتحدة تعاملتا مع قضية نزع سلاح حماس باعتبارها الشرط المركزي للانتقال إلى المرحلة التالية، بينما رأت الحركة أن أي حديث عن التخلي عن السلاح قبل تنفيذ الالتزامات الإسرائيلية ووجود أفق سياسي واضح يعني عمليًا تسليم أوراق القوة دون ضمانات حقيقية. ومن هنا تحولت قضية "نزع السلاح" من بند ضمن الخطة إلى العقدة الأساسية التي تهدد بانهيارها بالكامل.

وتزداد هذه المعضلة تعقيدًا في ظل استمرار العمليات العسكرية الإسرائيلية داخل القطاع، وغياب أي تحسن جذري في الواقع الإنساني، فضلًا عن تعثر إعادة الإعمار وعدم دخول المؤسسات البديلة التي يفترض أن تدير غزة بعد الحرب حيّز التنفيذ الفعلي. فبالنسبة لحماس، لا يبدو المشهد وكأنه انتقال نحو تسوية سياسية، بل محاولة لفرض واقع أمني جديد تحت ضغط القوة العسكرية والاقتصادية.

وفي العمق، تدرك الحركة أن السلاح بالنسبة لها ليس مجرد أداة قتالية، بل عنصر أساسي في معادلة النفوذ والشرعية داخل النظام السياسي الفلسطيني. فمنذ سنوات، ارتبطت مكانة الفصائل الفلسطينية تاريخيًا بقدرتها على الجمع بين العمل السياسي والقدرة المسلحة، وهو ما يجعل التخلي الكامل عن السلاح قبل الوصول إلى تسوية نهائية أمرًا شديد الحساسية داخل البنية التنظيمية والعقائدية للحركة.

كما أن استمرار إسرائيل في استهداف قيادات حماس، بمن فيهم شخصيات وُصفت داخل الحركة بأنها أكثر براجماتية، عزّز من حضور التيارات الأكثر تشددًا، التي ترى أن أي تنازل مبكر بشأن السلاح لن يؤدي إلى السلام، بل إلى إضعاف الحركة وفتح الباب أمام ترتيبات تُفرض عليها بالقوة.

وفي المقابل، تبدو إسرائيل أكثر تمسكًا بمنطق "الحسم الأمني الكامل". فتل أبيب تنظر إلى أي صيغة تُبقي على جزء من القدرات العسكرية للفصائل باعتبارها إعادة إنتاج لتهديد مؤجل، حتى لو جرى تجميده مرحليًا. ولذلك دفعت باتجاه تفسير بنود الخطة بصورة تجعل نزع السلاح الكامل والفوري شرطًا مسبقًا لأي انسحاب أو إعادة إعمار أو انتقال سياسي لاحق.

لكن هذا التشدد الإسرائيلي يحمل في طياته مفارقة واضحة؛ فكلما زاد الضغط لنزع السلاح دون مقابل سياسي حقيقي، زادت قناعة الفصائل بأن السلاح هو الضمانة الوحيدة المتبقية لها. وهنا تبدو الأزمة أبعد من مجرد خلاف حول الترتيبات الأمنية، لتتحول إلى أزمة ثقة كاملة بين الأطراف المعنية.

ولذلك، ظهرت داخل بعض الأوساط الفلسطينية أفكار تتحدث عن "التفكيك المرحلي" للسلاح، عبر وضع الأسلحة الثقيلة تحت رقابة دولية ومنع استخدامها، بالتوازي مع انسحاب إسرائيلي تدريجي وبدء إعادة الإعمار وفتح أفق سياسي أوسع. وتعكس هذه المقاربة إدراكًا متزايدًا بأن أي محاولة لفرض نزع كامل وفوري للسلاح قد تؤدي ببساطة إلى انهيار الهدنة وعودة الحرب، خاصة في ظل الواقع الميداني المعقد داخل القطاع، ووجود فصائل أكثر تشددًا قد ترفض أي تسوية من هذا النوع.

وفي هذا السياق، تبدو بعض الأطراف الإقليمية، وعلى رأسها مصر وقطر وتركيا، أكثر ميلًا إلى مقاربة تدريجية تقوم على "احتواء السلاح" بدلًا من محاولة تصفيته دفعة واحدة. كما بدأت بعض الدوائر الأوروبية تُبدي قناعة متزايدة بأن استقرار غزة لا يمكن تحقيقه عبر المقاربة الأمنية وحدها، بل يحتاج إلى مسار سياسي حقيقي يعالج جذور الأزمة الفلسطينية– الإسرائيلية.

غير أن المشكلة الأساسية ما تزال تتمثل في غياب تصور دولي واضح لـ"اليوم التالي" في غزة. فإسرائيل تريد قطاعًا منزوع السلاح وخاضعًا لترتيبات أمنية صارمة، بينما تسعى حماس إلى الحفاظ على الحد الأدنى من قدرتها العسكرية والسياسية، في حين تحاول الولايات المتحدة منع انهيار الاتفاق دون ممارسة ضغط حقيقي على إسرائيل لتقديم تنازلات سياسية جوهرية. وفي ظل هذا التناقض، تبدو غزة مرشحة للدخول في مرحلة طويلة من النزاع، حيث تستمر الهدن المؤقتة، وإعادة الإعمار المحدودة، والتفاهمات الأمنية الجزئية، دون الوصول إلى تسوية نهائية تعالج جذور الصراع.

وبطبيعة الحال، فإن هذا السيناريو يحمل مخاطر كبيرة، لأنه يبقي أسباب الانفجار قائمة، ويجعل أي حادث أمني أو انهيار سياسي كفيلًا بإعادة إشعال الحرب من جديد. كما أنه يرسخ واقعًا تصبح فيه غزة منطقة معلقة بين الحرب والسلام، لا هي مستقرة بالكامل ولا هي خارجة من دائرة الصراع.

وفي النهاية، تكشف أزمة نزع السلاح في غزة أن السؤال الحقيقي لم يعد متعلقًا فقط بمستقبل حماس، بل بمستقبل المشروع السياسي الفلسطيني نفسه. فالتجارب التاريخية تشير إلى أن نزع السلاح لا يمكن أن ينجح باعتباره مقدمة للسلام، بل بوصفه نتيجة لمسار سياسي يمنح الأطراف المختلفة شعورًا بالأمان والاعتراف والقدرة على المشاركة في نظام سياسي مستقر. ولهذا، فإن أي محاولة لبناء استقرار طويل الأمد في غزة ستظل رهينة بقدرة الأطراف الدولية والإقليمية على الانتقال من منطق "إدارة الأزمة" إلى منطق "معالجة جذور الصراع"، بحيث يصبح الأمن نتيجة للسلام، لا بديلًا عنه.
------------------------------------
بقلم: د. طه علي أحمد


استمع إلى المقال حوّل المقال إلى تجربة صوتية
مدة القراءة05:38
تعليقات


الطقس
القاهرة مصر
28.9°C
توقعات الساعات القادمة
28.9°C
28.4°C
27.6°C
26.3°C
25.0°C
24.2°C
إقرأ أيضا
هاكان فيدان يشيد بموقف مصر المسؤول عقب استهداف سفينتي طاقة في دمياط

ثمن وزير الخارجية التركي هاكان فيدان، الموقف المصري المتزن والمسؤول الذي اتخذته مصر عقب الهجوم...

نبيل فهمي يبحث أمين عام مجلس التعاون الخليجي تطورات القضايا العربية والإقليمية

استقبل نبيل فهمي، الأمين العام لجامعة الدول العربية، اليوم الخميس، جاسم محمد البديوي، الأمين العام ل...

رئيس حزب الوفد يوجّه بالاستعانة بالكوادر القبطية والشباب في تشكيلات الحزب بالمحافظات

وجّه الدكتور السيد البدوي شحاتة رئيس حزب الوفد دعوة عاجلة لجميع الأعضاء واللجان المكلفة بتشكيل اللجا...

نقيب الإعلاميين: ملتزمون بميثاق الشرف الإعلامي وبقرار المحكمة بحظر النشر في قضية التجمع الخامس

أصدرت نقابة الإعلاميين، برئاسة الإعلامي الدكتور طارق سعده، نقيب الإعلاميين، بيانًا بشأن الخطاب الوار...

الاكثر قراءة
حكم رسم الأنمي وكيفية التخلص من إثمه

السؤال:أشكركم على هذا الموقع‎.‎ ‏ سؤالي‎:‎‏ أنا أحب رسم الأنمي كثيرا، ‏فقد مضت سنة على رسمي له، لك...

وسط البلد الباهر!

وسط البلد مش حاجة واحدة.. ولا ينفع اختزاله في وجهة نظر فردية.. ولا مقولة تتقال مرة وخلصنا.. لا يجوز....

بالفيديو .. د. فادي نصر يشرح الجدول الزمني للإجراءات التجميلية

شرح الدكتور فادي نصر، مدير مركز غلامور الطبي بالرياض، الجدول الزمني للإجراءات التجميلية. حيث أكد أن...

الصبي والبلطجي!!

قبل عدة عقود ظهرت ألغام بحرية في البحر الأحمر هددت مسارات الملاحة الدولية.. واضطرت شركات كثيرة لتوجي...

أسعار الذهب اليوم

السعر بالجنيه المصري

عيار 24
7,274ج.م
عيار 21
6,365ج.م
عيار 18
5,456ج.م
الجنيه الذهب
50,920ج.م
عرض جميع الأسعار

تابعونا


جارٍ التحميل...