لماذا تعمل آلية تسعير المواد البترولية في اتجاه واحد في مصر؟
أعادت تصريحات رئيس الوزراء الدكتور مصطفى مدبولي بشأن أسعار الوقود فتح النقاش حول سياسة تسعير المواد البترولية، بعد أن أوضح أن الزيادة الأخيرة في أسعار الوقود جاءت نتيجة ارتفاع أسعار النفط العالمية إلى مستويات قاربت 90 و95 دولارا للبرميل خلال بعض الفترات بسبب التطورات الجيوسياسية، في حين أن الموازنة العامة للدولة كانت قد أُعدت على أساس سعر مرجعي للنفط يقارب 75 دولارا للبرميل. كما أشار إلى أن الدولة تحملت خلال فترات سابقة جزء من الزيادة في تكلفة الطاقة دون تحميلها بالكامل للمستهلكين.
طبيعة آليه التسعير
لا خلاف على أن ارتفاع أسعار النفط العالمية يؤدي إلى زيادة تكلفة توفير المنتجات البترولية، خاصة بالنسبة لدولة تعتمد على الاستيراد لتغطية جزء من احتياجاتها من النفط الخام والمنتجات البترولية والغاز الطبيعة، لكن السؤال الذي يفرض نفسه هو، ما إذا كان هذا العامل وحده يفسر الزيادات التي شهدتها أسعار الوقود في مصر خلال السنوات الأخيرة؟ ولماذا لا يؤدي انخفاض أسعار النفط العالمية بالضرورة إلى خفض مماثل في الأسعار المحلية؟ للإجابة عن هذا السؤال يجب أولا فهم طبيعة آلية تسعير المواد البترولية في مصر، فمنذ تطبيق آلية التسعير التلقائي لم تتحول مصر إلى نظام تسعير حر وإنما احتفظت الدولة بالدور الحاسم في تحديد الأسعار، وتعتمد الحكومة على مفهوم "تكلفة الإتاحة" وهي التكلفة اللازمة لتوفير المنتجات البترولية للسوق المحلية، سواء كانت منتجة محليا أو مستوردة وتشمل تكلفة الإتاحة أسعار النفط العالمية وسعر صرف الدولار مقابل الجنيه وتكاليف التكرير والنقل والتخزين والتوزيع وتكلفة استيراد المنتجات البترولية والغاز الطبيعي، بالإضافة إلى الالتزامات المالية للهيئة المصرية العامة للبترول، ويعني ذلك أن سعر بيع البنزين أو السولار في مصر لا يتحدد وفقا لسعر النفط العالمي وحده وإنما يتأثر بمجموعة من العوامل التي قد يكون بعضها أكثر تأثير من سعر النفط نفسه.
التفسير المحاسبي لخطاب مدبولي
يأتي سعر الصرف في مقدمة هذه العوامل، فالمنتجات البترولية يتم تسعيرها عالميا بالدولار، ولذلك فإن أي انخفاض في قيمة الجنيه يؤدي بشكل تلقائي إلى ارتفاع تكلفة توفير الطاقة بالعملة المحلية، حتى في الحالات التي لا تشهد فيها أسعار النفط العالمية زيادات كبيرة وقد شهد الاقتصاد المصري منذ عام 2022 انخفاضات متتالية في قيمة العملة المحلية وهو ما أدى إلى زيادة كبيرة في تكلفة استيراد الطاقة.
ومن هذا المنطلق فإن تفسير رئيس الوزراء للزيادة الأخيرة في أسعار الوقود استند إلى ارتفاع أسعار النفط العالمية هو تفسير صحيح من الناحية المحاسبية فارتفاع سعر النفط يؤدي بالفعل إلى زيادة تكلفة الإتاحة ويزيد الضغوط على الموازنة العامة وعلى الهيئة المصرية العامة للبترول، لكن هذا التفسير لا يقدم الصورة الكاملة للقرار فالزيادة الأخيرة في أسعار الوقود جاءت أيضت في إطار سياسة اقتصادية ومالية تستهدف تقليص الفجوة بين تكلفة توفير المنتجات البترولية وأسعار بيعها للمستهلكين وهي السياسة التي تعرف باسم "استرداد التكلفة".
وقد أصبح هذا التوجه أكثر وضوحا خلال السنوات الأخيرة مع ارتفاع أعباء الدين العام وزيادة تكلفة خدمة الدين واتساع الضغوط التمويلية على الموازنة العامة وارتفاع تكلفة استيراد الطاقة وأصبحت أسعار الوقود تمثل أحد الملفات المرتبطة مباشرة بإدارة أوضاع المالية العامة وليس فقط بتسعير الطاقة.
التسعير والسياسات المالية وصندوق النقد
توضح بيانات الموازنة العامة هذا التحول نحو استرداد التكلفة، فقد خصصت الحكومة نحو 75.033 مليار جنيه لدعم المواد البترولية في موازنة العام المالي 2025/2026 مقابل نحو 154.5 مليار جنيه في موازنة العام المالي السابق بانخفاض يزيد على 51% كما استهدفت الموازنة تحقيق فائض أولي يعادل 4% من الناتج المحلي الإجمالي وخفض نسبة الدين العام إلى نحو 82.9% من الناتج المحلي.
وتشير هذه الأرقام إلى أن سياسة الطاقة أصبحت مرتبطة بصورة مباشرة بأهداف الضبط المالي وتقليص عجز الموازنة، فكل خفض في دعم الطاقة ينعكس على حجم الإنفاق العام وعلى الاحتياجات التمويلية للدولة وعلى قدرتها على تحقيق مستهدفاتها المالية.
كما لا يمكن فهم السياسة الحالية لتسعير الوقود بمعزل عن برنامج الإصلاح الاقتصادي، الذي تنفذه الحكومة بالتعاون مع صندوق النقد الدولي ولا يعني ذلك أن الصندوق يحدد أسعار البنزين أو السولار بصورة مباشرة، لكنه يدعم استمرار إصلاح دعم الطاقة والوصول التدريجي إلى مستويات استرداد التكلفة باعتبار ذلك أحد عناصر تحقيق الاستدامة المالية.
وقد أدى هذا التحول إلى تغير طبيعة العلاقة بين الأسعار المحلية والعالمية، فعندما ترتفع أسعار النفط العالمية ترتفع تكلفة توفير الطاقة، ويصبح رفع الأسعار المحلية أحد الخيارات المطروحة لتقليص الفجوة بين التكلفة وسعر البيع، لكن عندما تنخفض الأسعار العالمية لا يؤدي ذلك بالضرورة إلى خفض الأسعار المحلية، لأن الحكومة تفضل استخدام هذا الانخفاض لتقليل أعباء الدعم أو زيادة مستويات استرداد التكلفة.
آلية التسعير أداة إدارة مالية
إن العلاقة بين أسعار الوقود المحلية وأسعار النفط العالمية، لم تعد علاقة مباشرة أو متماثلة فالأسعار المحلية ترتفع عادة مع ارتفاع الأسعار العالمية، لكنها لا تنخفض بالضرورة بنفس الدرجة عند تراجعها.
وهذا يعني أن أسعار الوقود في مصر أصبحت تؤدي وظيفة تتجاوز تسعير الطاقة لتصبح أيضا أداة من أدوات إدارة السياسة المالية، فالإيرادات الإضافية الناتجة عن تقليص الدعم تساعد في تخفيف الضغوط على الموازنة العامة وتقليل الاحتياجات التمويلية للدولة، وتحسين مؤشرات المالية العامة، ولا يعني ذلك أن أسعار الوقود تحولت إلى ضريبة بالمعنى القانوني لكنها أصبحت تؤدي عمليا دور مالي يتجاوز مجرد تغطية تكلفة الطاقة، وهو ما يفسر استمرار الجدل حول طبيعة آلية التسعير ومدى ارتباطها الفعلي بالأسعار العالمية.
وبالتالي فإن السؤال المتعلق بمستقبل أسعار الوقود في مصر، لم يعد يقتصر على معرفة اتجاه أسعار النفط العالمية، وإنما أصبح يتعلق أيضا بقدرة الموازنة العامة على تحمل الدعم وبالسياسات التي ستتبعها الدولة لإدارة الدين العام وسعر الصرف والإنفاق العام خلال السنوات المقبلة.
---------------------------
بقلم: حسن البربري
الطقس
إقرأ أيضا
هاكان فيدان يشيد بموقف مصر المسؤول عقب استهداف سفينتي طاقة في دمياط
ثمن وزير الخارجية التركي هاكان فيدان، الموقف المصري المتزن والمسؤول الذي اتخذته مصر عقب الهجوم...
نبيل فهمي يبحث أمين عام مجلس التعاون الخليجي تطورات القضايا العربية والإقليمية
استقبل نبيل فهمي، الأمين العام لجامعة الدول العربية، اليوم الخميس، جاسم محمد البديوي، الأمين العام ل...
رئيس حزب الوفد يوجّه بالاستعانة بالكوادر القبطية والشباب في تشكيلات الحزب بالمحافظات
وجّه الدكتور السيد البدوي شحاتة رئيس حزب الوفد دعوة عاجلة لجميع الأعضاء واللجان المكلفة بتشكيل اللجا...
نقيب الإعلاميين: ملتزمون بميثاق الشرف الإعلامي وبقرار المحكمة بحظر النشر في قضية التجمع الخامس
أصدرت نقابة الإعلاميين، برئاسة الإعلامي الدكتور طارق سعده، نقيب الإعلاميين، بيانًا بشأن الخطاب الوار...
الاكثر قراءة
مهام البناء على المتاح
من الخطل التهليل فخراً بتحقيق حلم شعار الثورة في مدنية السلطة واقعاً. ذلك إنجاز لن يتحقق مالم يتحرر...
الصبي والبلطجي!!
قبل عدة عقود ظهرت ألغام بحرية في البحر الأحمر هددت مسارات الملاحة الدولية.. واضطرت شركات كثيرة لتوجي...
بالفيديو .. د. فادي نصر يشرح الجدول الزمني للإجراءات التجميلية
شرح الدكتور فادي نصر، مدير مركز غلامور الطبي بالرياض، الجدول الزمني للإجراءات التجميلية. حيث أكد أن...
درجة قصة الذي تعلم لغة القطط من نبي الله سليمان
السؤال:ما صحة هذه الرسالة؟ قصة حلوة جدا ومؤثرة، كان من معجزات نبي الله سليمان أنه يكلم الطير والريح...
أسعار الذهب اليوم
السعر بالجنيه المصري