لم الإصرار على البقاء في الإخفاق!
نحن مطالبون بثورة داخل الثورة بغية الخروج العاجل من الوضع المأزوم الراهن. كما المجلس العسكري يشكل فريق التفاوض بإسم قوى الحرية والتغيير عقبة كأداء أمام الحراك الجماهيري. الرهان على التعايش مع جنرالات المجلس رهان خاسر. هم ليسوا فقط تروساً في ماكينة الإنقاذ الدائرة بعد، أو حاجزاً أمام حركة التقدم حالياً، بل قوة معطلة غداً لأماني الثوار. االفريق المفاوض أوحلنا في رمال لزجة متحركة يستوجب الإنفكاك منها بذل طاقة مهولة. تلك كانت – لا تزال – خطيئة قادة قوى الحرية والتغيير الكبرى. من عند التفاوض خرجنا من جنة الأحلام الثورية إلى جحيم الإشتباك مع قوى الثورة المضادة.
كثيراً ماحذرنا من مغبة الانجراف مع العاطفة. الغاية الأساسية من ذلك التشديد على الفرز بين صناع الثورة وبناة الدولة. الهدف لم يكن التقليل من قدر المفاوضين بل التشديد على تباين طبيعة المهمتين. قضية الثورة والدولة تشكل إحدى أكثر القضايا تعقيداً في تجارب الشعوب. إذا كان إشعال ثورة شعبية ضد نظام باطش مستبد مهمة عسيرة فإن الإنتقال بالثورة إلى مرحلة الدولة تمثل عملية شاقة. تلك هي مرحلة تحويل الأحلام إلى الواقع. كما قال الفرنسي الكسيس دوتوكفيل: الثورة رواية النهاية فيها هي الجزء الأكثر صعوبة.
أكثر من ذلكما مشقة قدرة القادة على الإحتفاظ وهج الثورة ومبادئها. قليل من القادة أفلح في إستكمال المهام الثورية من إشعال فتيل الثورة إلى بناء الدولة، انتهاء بالمحافظة على وهج الثورة وتحويل أحلام الثوار واقعاً. ربما لا يستغرقنا الجدل مليّاً في التوافق على إحلال شعارات الثورة الثلاثية؛ حرية، مساواة، عدالة؛ تشكل قوام أيديولوجية ثورية متكاملة.على النسق نفسه يمكن التلاقي دونما عناء على غياب شخصية القائد صاحب الكاريزما المجسم فيه فلسفة الثورة وروحها. الغالبية من إن لم يكن جميعنا هللنا في البدايات لروح الشباب الجماعية مشعلة الثورة وضابطة إيقاعاتها. فالثورة ليست هدفاً قي حد ذاتها حسبما قال الإقتصادي البلجيكي أرنست ماندل.
فقدان القائد لا يقتضي بالضرورة البحث عن شخصية نمطية من طراز ماوتسي تونغ، لينين، هوشي منه، غاندي كاسترو أو مانديلا. لدينا من الوعي ما يقنعنا بتغيرالزمان كما المكان. الحاجة لا تزال ماسة إلى من يجسد أحلام الثورة وضميرها. هو يملك من نفاذ الرؤية وصلابة الإرادة ما يضعه فوق النكوص والمساومة وفوق التصنيم. "لا يمكن وجود ثورة في غياب الضمير" هذه إحدى مسكوكات الثورة الطلابية في فرنسا إبان ستينيات القرن الأخير.
قليل منا انتبه في البدايات إلى عظم الفقد. ربما شجعنا على التغافل سيّر الساسة المتسكعين على خشبة المسرح العتيق. حتماً أدرك عدد منا عبء الفقد منذ إستسلام القادة متصدري الحراك لوهم مفاوضة العسكر. كلما توغلنا في الوهم إزداد الإحساس بالحاجة الملحة للقائد المحنك ذي الكاريزما. بعض من خارج الحراك الشبابي حاول ملء الفراغ. بعض من داخل قمرة القيادة سعى إلى تقمص الدور. ما من أحد نجح في المحاولة.
اندلاع الحراك الجماهيري العارم لم يتح لنا فرصة بلورة رأي موحد عما إذا كان لقيادة قوى الحرية والتغيير اليد العليا في صناعة الثورة أم هي قوة الإندفاع الجماهيري ظلت حاملة القيادة لجهة الإنجاز. الإندفاع النوعي نفسه غيّب عنا الإلتفات إلى مثلث تقليدي أخر في أدبيات الساسة. ذلك هو مثلث الحزب، الثورة والسلطة. من يمن الطالع إنبثاق ثورتنا من خارج أطر حزب بعينه. فالثورة دوماً أوسع من مظلات الحزب. ثورتنا أنموذج فريد في هذا السياق. غير أن قياداتها ألغت مناقب ذلك الأنموذج إذ هي خليط غير متجانس الرؤى. تلك القيادة أمست بتعدد رؤاها – ليسس تنوعها – عبئاً ثقيلاًعلى الحراك، الثورة والمرحلة.
أزمة قيادات الحراك المفصلية تتمثل في عدم قدرتها على التحرر من العقلية التقلييدية. بينما إخترقت الجماهير المطالبة بتغيير سياسي اقتصادي إجتماعي شامل ذلك الحاجز، ظلت القيادات أسيرة تلك الخرافة المتمثلة في إنحياز الجيش إلى الشعب. القراءة الثاقبة في التاريخ تعري ذلك الوهم. تلك فرية إستيلاء سوار الدهب-عطر الله ثرى قبره – عندما قطع الطريق أمام الثوران الشعبي. هي نفسها أكذوبة جعفر نميري حينما قمع التغول على الدستور بمصادرة الدستور نفسه. لا انتهيا إلى نظامين توتاليتاريين
على الرغم من نجاحنا في صناعة حالة ثورية بغية إزاحة ركام من الأثقال الساسية، الإقتصادية والإجتماعية، إلاأننا أخفقنا في بناء نظام سياسي يضطلع بمهام تحقيق أحلامنا المشروعة في الحرية، المسواة والعدالة. عوضا عن ذلك سقطنا في مرحلة يكتنفها الغموض، الإرتباك والتردد عندما استبدلنا التفاوض بالحسم. الخطيئة الكبرى في رهن إرادتنا غلى ثلة من الجنرالات. بدلاً من ممارسة حقنا المشروع في القبض على زمام السلطة آثرنا إستجداء السلطة من جنرالات لا يتمتعون بحق إحتكار السلطة.
المفاوضون لم يغفلوا هذه الحقيقة وحدها بل تناسوا إنه لا يمكن تحقيق أيِ من أحلام الثورة ما لم يتم الإستيلاء على السلطة. فالسلطة ليست غاية في حد ذاتها بل وسيلة لإشباع تطلعات الجماهير. هؤلاء الكوكبة تحملوا فوق قدراتهم ما لا طاقة لهم به. كما ساهموا في صناعة الثورة يكون رائعاً صناعتهم ثورة داخل الثورة عبر ممارسة النقد الذاتي ثم ترك مقاعد التفاوض إلى كوكبة مغايرة ربما ترى حتمية تحقيق الأحلام العالقة عبر طي ملفات التفاوض. النقد الذاتي فضيلة ثورية يتسم ممارسوها بقدر من الأمانة، الطهارة والإستقامة الوطنية. تلك فروض ليست بمنأى عن شخصيات أكدت غير مرة زهدها في المناصب. هذه أبسط أشكال الثورة داخل الثورة غير المكلفة وربما الأكثرجدوى للخروج الآمن من مأزقنا اللزج المأزوم.
----------------------
بقلم: عمـر العمـر
الطقس
إقرأ أيضا
هاكان فيدان يشيد بموقف مصر المسؤول عقب استهداف سفينتي طاقة في دمياط
ثمن وزير الخارجية التركي هاكان فيدان، الموقف المصري المتزن والمسؤول الذي اتخذته مصر عقب الهجوم...
نبيل فهمي يبحث أمين عام مجلس التعاون الخليجي تطورات القضايا العربية والإقليمية
استقبل نبيل فهمي، الأمين العام لجامعة الدول العربية، اليوم الخميس، جاسم محمد البديوي، الأمين العام ل...
رئيس حزب الوفد يوجّه بالاستعانة بالكوادر القبطية والشباب في تشكيلات الحزب بالمحافظات
وجّه الدكتور السيد البدوي شحاتة رئيس حزب الوفد دعوة عاجلة لجميع الأعضاء واللجان المكلفة بتشكيل اللجا...
نقيب الإعلاميين: ملتزمون بميثاق الشرف الإعلامي وبقرار المحكمة بحظر النشر في قضية التجمع الخامس
أصدرت نقابة الإعلاميين، برئاسة الإعلامي الدكتور طارق سعده، نقيب الإعلاميين، بيانًا بشأن الخطاب الوار...
الاكثر قراءة
حوار مع رضا المكي "المنظر والمنظم": إعادة اكتشاف الرئيس قيس سعيد
هذه أسرار نجاح قيس سعيد يرويها زميل دراسته أقرب معاونيه خلال حملته الانتخابيةيضع رفض برلمان تونس الل...
بالفيديو .. د. فادي نصر يشرح الجدول الزمني للإجراءات التجميلية
شرح الدكتور فادي نصر، مدير مركز غلامور الطبي بالرياض، الجدول الزمني للإجراءات التجميلية. حيث أكد أن...
درجة قصة الذي تعلم لغة القطط من نبي الله سليمان
السؤال:ما صحة هذه الرسالة؟ قصة حلوة جدا ومؤثرة، كان من معجزات نبي الله سليمان أنه يكلم الطير والريح...
فيديو .. د. فادي نصر خبير التجميل: 9 أشياء يجب معرفتها قبل الفيلر
أكد الدكتور فادي نصر خبير التجميل ومديرمركز غلامور الطبي بالرياض أن هناك 9 أشياء يجيب معرفتها قبل عم...
أسعار الذهب اليوم
السعر بالجنيه المصري