لأننا شعب لا يُفرِّط
تُرى ما سر هذا الوطن؛ الذي كلما حاول أعداؤه إسقاطه، نهض صامدًا أشدَّ بأسًا وأقوى من ذي قبل؟
سرٌ لطالما تفكَّرتُ فيه؛ أننا تربينا منذ صغرنا على أن الوطن لم يكن يومًا حفنةً من تراب، ولا مسكنًا نعيش فيه، ولا شوارع نمشي فيها مطمئنين، الوطن شعورٌ محفورٌ في دواخلنا، لم تمحِه هزيمة، ولم تُضعفه نكسة؛ بل على العكس تمامًا، فكل ضعفٍ مررنا به أشعل فينا نار الغيرة عليه، ونار العداء لكل من أراد به سوءًا قديمًا كان أم حديثًا.
تعلَّمنا أن الوطن كرامة، وأن الانتماء ليس شعارًا يُرفع في أوقات الرخاء ويُطوى عند الشدائد، بل عهدٌ لا يسقط بالتقادم، وتعلَّمنا أن الدفاع عنه لا يكون بالسلاح وحده، بل بالصبر، والعمل، والإيمان العميق بأنه يستحق أن نقف لأجله مهما بلغت الكلفة.
مؤخرًا، أُثيرت دعواتٌ جوفاء، حاولت التزيُّن بلباس الحكمة وهي منها براء، تردد كلماتٍ مستهلكة لا تحمل فكرًا ولا تبني وعيًا، دعواتٌ تصدر عن أفواهٍ لم تع يومًا ثمن الأوطان، متبنّية أفكارًا سُمِّيَّة من قبيل: من قال إننا مُطالَبون بالدفاع عن الوطن؟ ومن قال إننا مُطالَبون بالوقوف إلى جانبه؟ ولماذا؟
وكأنّ الوطن خيارٌ قابلٌ للتفاوض، لا قيمة له إلا بقدر ما يمنح، لم تدرك هذه الأصوات أن ما أبقى هذا الوطن صامدًا حتى اليوم في وجه كل العواصف التي عصفت به، لم يكن إلا ذلك الشعور الجمعي العميق بالمسؤولية تجاهه، تلك "قرون الاستشعار" الكامنة في وعي الشعب، التي ما إن تلتقط أزمةً تُحدِق به، أو مؤامرةً تُحاك ضدّه، حتى تتشابك الأيدي؛ مؤيِّدها ومعارضها، في صفٍّ واحد، لا لشيء إلا لإفشال تلك المؤامرات ودحضها، وحماية الوطن من السقوط.
ولهذه الأفواه أقول: كيف كُتب التاريخ إن لم يُسطَّر بدماء من آمنوا بأن الأوطان لا تُسأل يومًا: لماذا ندافع عنها؟ بل يُسأل فقط: كيف فرَّطنا فيها؟ انظروا حولكم إلى الدول التي سقطت وتهاوت؛ أكان ينقصها الموارد أم غاب عنها الشعب؟ لقد عاشت تلك الدول السيناريو ذاته تقريبًا، غير أن الفارق الجوهري بيننا وبينهم كان ولا يزال هنا: شعب مصر. الشعب الذي لم يترك وطنه ويهاجر هربًا من محتلٍّ أو مغتصب، الشعب الذي يدرك أن قيمة الوطن وأرضه لا تقلّ أبدًا عن قيمة عِرضه وماله، ولا يساوم عليهما مهما اشتدّت المحن.
سرُّ هذا الوطن في ناسه؛ في أمهاتٍ ربَّين أبناءهن على أن الموت واقفين أشرف من الحياة منكسرين، وفي آباءٍ غرسوا فينا أن الأرض التي ارتوت بدماء الشهداء لا تُباع ولا تُهان، السرُّ في شعبٍ قد يختلف، وقد يتعب، وقد يئنّ من قسوة المعيشة والظروف، لكنه لا يُسلِّم مفاتيحه لأحد.
وإن كان لهذا الوطن سرٌّ واحد لا يُختصر، فهو أننا لا نحبه لأنه كامل، بل نحميه ونصونه لأنه وطننا… وهذا وحده كافٍ ليبقى.
-----------------------------
بقلم: إيمان جمعة

الطقس
إقرأ أيضا
هاكان فيدان يشيد بموقف مصر المسؤول عقب استهداف سفينتي طاقة في دمياط
ثمن وزير الخارجية التركي هاكان فيدان، الموقف المصري المتزن والمسؤول الذي اتخذته مصر عقب الهجوم...
نبيل فهمي يبحث أمين عام مجلس التعاون الخليجي تطورات القضايا العربية والإقليمية
استقبل نبيل فهمي، الأمين العام لجامعة الدول العربية، اليوم الخميس، جاسم محمد البديوي، الأمين العام ل...
رئيس حزب الوفد يوجّه بالاستعانة بالكوادر القبطية والشباب في تشكيلات الحزب بالمحافظات
وجّه الدكتور السيد البدوي شحاتة رئيس حزب الوفد دعوة عاجلة لجميع الأعضاء واللجان المكلفة بتشكيل اللجا...
نقيب الإعلاميين: ملتزمون بميثاق الشرف الإعلامي وبقرار المحكمة بحظر النشر في قضية التجمع الخامس
أصدرت نقابة الإعلاميين، برئاسة الإعلامي الدكتور طارق سعده، نقيب الإعلاميين، بيانًا بشأن الخطاب الوار...
الاكثر قراءة
مسيرة لـ" النهوض بالأزهر " تطالب بدمج أجهزة الدعوة
نظم " ائتلاف النهوض بالأزهر " مظاهرة انطلقت بعد صلاة الظهر من مسجد الفتح برمسيس إلى ميد...
بالفيديو .. د. فادي نصر يشرح الجدول الزمني للإجراءات التجميلية
شرح الدكتور فادي نصر، مدير مركز غلامور الطبي بالرياض، الجدول الزمني للإجراءات التجميلية. حيث أكد أن...
هل يقبل محمد الباز التحدي؟
في حلقة 6 أغسطس 2019 من برنامج 90 دقيقة على قناة المحور دعا الزميل محمد الباز مقدم البرنامج 3 من أعض...
الصبي والبلطجي!!
قبل عدة عقود ظهرت ألغام بحرية في البحر الأحمر هددت مسارات الملاحة الدولية.. واضطرت شركات كثيرة لتوجي...
أسعار الذهب اليوم
السعر بالجنيه المصري