الثلاثاء، 27 أكتوبر 2026 القاهرة 20.8°C
رئيس التحرير مجدي شندي
كَبْش العاصور، والمستوطنين!

كَبْش العاصور، والمستوطنين!

***

كلّ ما في الأمر أنّ الكبشَ قد هرب من الزريبة، وعاد إلى صاحبه.

والقصة من أوّلها؛ أنّ المستوطن ذا السوالف المتدلية من أُذنيه، ويعتمر "الكيباه" على رأسه، بلحيته الشقراء، اقتحم البلدة، برشّاشه الأتوماتيكيّ، عند الخامسة فجراً، وكان معه اثنان من المستوطنين المسلّحين، ودفعوا بعشرات الأغنام، وساقوها، على مرأى من صاحبها، الذي كان يرقبهم من خلف بوابة داره، وفضّل أن يخسر القطيع بدل أن يخسر حياته.

سيأتي الجيران، بين متعاطف مع مالك القطيع المنهوب، وبين لائم على أنه لم يتصدّ للمستوطنين..وإنْ دفع حياته دفاعا عن ماله وحُرْمة زريبته.

وسيردّد أهل البلدة القصةَ، ويقولون إن هذه ليست أوّل مرّة يَدْهَم المستوطنون حظائر الفلسطينيين وأحواشهم، ويسرقون البقر والحمير والأغنام، ففي شمال الضفة الغربية وجنوبها وقعت المئات من الحوادث المشابهة! وإن المزارعين لم يعودوا قادرين على حماية أعراضهم وبيوتهم وحقولهم، وباتوا مغلوبين على أمْرِهم. بل إن خطيب الجمعة لن يجرؤ على التفوّه بما وقع، حتى لا يستدعيه ضابط الأمْن الإسرائيلي، ويزجّه في زنازينه، بعد أن ينتف لحيته الحمراء. وسيرفع رئيس المجلس البلدي عريضة احتجاج واسترحام لمكتب الارتباط الفلسطيني، الذي يتواصل مع الجهات الاسرائيلية، لعلّه يتدخّل ويُعاد القطيع المسروق إلى أصحابه.

وبالطبع؛ لن يحدث أيّ شيء. وسيرى الناسُ المستوطنين، بأغنامهم المسلوبة وهي تنفش في مزارع القرى والبلدات، دون أن يجرؤ أحدٌ على الاحتجاج! وسيسمعون أجراس القطيع وهي تتصادى عائدة إلى المستوطنة، التي تربض على تلّة "العاصور" شمال البلدة.

ووقع ما لم يكن بالحسبان! إذ هرب الكبشُ الكبير من المستوطنة، وعاد أدراجه إلى زريبة صاحبه الأوّل..وما هي إلا ساعات حتى هبّت دوريات الجيش، فأغلقت الطرق المؤدية إلى القرى، وطوّقوا البلدةَ، ونصبوا الحواجز، وأشهر الجنود بنادقهم المذعورة، فيما ترجّل العشرات منهم واقتحموا الشارع الرئيس والأزقّة والبوّابات، والضابط الذي يتقدّمهم يحمل صورةً للكبش، فيضعها أمام عيني مَن يلقاه ويسأله إن كان رأى هذا الكبش؟

ولم يتركوا زاوية أو ساحة أو خربوشة إلا وفتّشوها، وأعلنوا أن البلدة منطقة عسكرية مُغلقة حتى إشعارٍ آخر..أي إلى حين العثور على الكبش. وحذّروا كلّ القرى المجاورة، وأمروهم أن يعثروا على الكبش، وإلا فإن الجيش لن يستطيع منع المستوطنين من الهيجان وحَرْق الأشجار والمركبات والبيوت، كما حدث مؤخرا! ولهذا؛ توجّه وفدٌ من وجهاء البلدة إلى بيت صاحب الأغنام، وتمنّوا عليه أن يعيد الكبش إلى أصحابه، حتى يُسقطوا ذرائع المستوطنين الذين سيقتحمون المنطقة، ويعيثون حَرْقا وتهويشا وخلْعا ورصاصا طائشا مجنونا..ولن يوقف انفلاتهم أحد!

ونصحوا الارتباط الفلسطيني لأن يتعاون معهم لإيجاد الكبش اليهودي!

وبالتأكيد فإنهم لن يجدوا الكبش، لأن صاحبه، وفور أن رآه قادماً، قد استلّ سكّينه وحزّ رأسه، وسلخ فروته، وذهب إلى لحّام البلدة ليبيعه الكبش المذبوح، لكنّه خاف، ورفض، بل وأغلق ملحمته ذلك اليوم.

وعاد إلى زريبته الفارغة، وحفر جورة كبيرة وسطها، ودفن الكبش المسلوخ بحواياه الدامية، وطمره بالطين والقشّ والبقايا..وكانت عيناه تسحّان دمعا أحمر.

بعد ليلتين؛ كان الجيش قد تسلّل إلى بيت اللّحام لاعتقاله، وفي الليلة التالية اعتقلوا صاحب الكبش، بعد أن حطّموا بيته بأثاثه ومقتنياته، وساقوه مقيّدا إلى المجهول.

بعد أسبوع حضرت ثلّةٌ بلباسها العسكريّ ومعهم أجهزة غامضة، إلى محيط بيت صاحب الزريبة المُعتقَل، وأبلغوا أهله بأنهم سيهدمون البيت، وعليهم الإخلاء فوراً! لأنهم سيقيمون مكانه نصبا تذكاريا للكبش الأزرق المُكحّل، الذي قضى غدْرا على أيدي الأغيار "الغوييم" أعداء الحياة!

وما فتئ الثُّغاء يملأ الفضاء، من العاصور إلى الساحل.

لم تنته الحكاية! إذ حطّ الجنود بأعداد لا حصر لها، بعد ليال ثقيلة، وانسربوا بين الأزقة والبيوت، في قرى العاصور المحاصرة، وتعالت أضواء الدوريات وجلبة التحذيرات وطقطقة البنادق، وثمة طائرة تزنّ في سماء الليل المدجّج..وانخبطت الأبواب، فخرج المواطنون لمواجهة الجيش، الذي كان خلف مئات من المستوطنين الذين اقتحموا القرى، فهبّ الناس لردعهم، فكان ما توقّعوه؛ أرتال من الجنود بلباسهم الثقيل، بمواسير أسلحتهم الموجّهة المذعورة، تحرس المستوطنين المعتدين المسلّحين، وتترسّم خطاهم، وهم يجأرون مثل الوحوش ويعربدون ويقتحمون البيوت، ليقلبونها رأسا على عقب، ويروّعون أهلها، ويسرقون ما سيجدونه من خواتم العُرس وصولا إلى العجول..ودبّت مواجهة بين الراسخين والدّاهمين، وفهقت فوّهات النار بالموت العشوائي المجنون، وتصادى الرصاص بين السفوح، وتعالت الصرخات، وتكاثف الدخان المسيل للدموع والعار، واختنق الشيوخ والرّضّع والطيور، وتصادمت إرادة الحياة والحق مع الخفافيش الفاشية العمياء، وقارب الفجر، والاشتباكات غير المتكافئة الظالمة تنوء بالدم وعجاج الحرائق ورائحة الضباع البشرية.

طلع الصباح، أو كاد، وثمّة عشرات مضمّخين بدفق شرايينهم الشريفة، وقد سُمح لسيّارات الإسعاف بالدخول لتحملهم،بعد ساعات النزيف، فيما أُعلن عن شهداء طازجين!

والقصة لن تنته بعد؛ إذ كان في المدينة القريبة غير حفل زفاف لبعضهم، وكانت أبواق الموسيقى تغطّي على النداءات البعيدة للقرى..وثمّة مَن عاد إلى بيته وآثار رائحة كريهة حامضة في فمه، فيما كانت طعوم الميرمية المتوقّدة تضوّع الثياب المدمّاة.
------------------------------
بقلم: المتوكل طه

استمع إلى المقال حوّل المقال إلى تجربة صوتية
مدة القراءة04:34
تعليقات


الطقس
القاهرة مصر
20.8°C
توقعات الساعات القادمة
20.8°C
19.9°C
19.0°C
18.5°C
18.1°C
17.7°C
إقرأ أيضا
هاكان فيدان يشيد بموقف مصر المسؤول عقب استهداف سفينتي طاقة في دمياط

ثمن وزير الخارجية التركي هاكان فيدان، الموقف المصري المتزن والمسؤول الذي اتخذته مصر عقب الهجوم...

نبيل فهمي يبحث أمين عام مجلس التعاون الخليجي تطورات القضايا العربية والإقليمية

استقبل نبيل فهمي، الأمين العام لجامعة الدول العربية، اليوم الخميس، جاسم محمد البديوي، الأمين العام ل...

رئيس حزب الوفد يوجّه بالاستعانة بالكوادر القبطية والشباب في تشكيلات الحزب بالمحافظات

وجّه الدكتور السيد البدوي شحاتة رئيس حزب الوفد دعوة عاجلة لجميع الأعضاء واللجان المكلفة بتشكيل اللجا...

نقيب الإعلاميين: ملتزمون بميثاق الشرف الإعلامي وبقرار المحكمة بحظر النشر في قضية التجمع الخامس

أصدرت نقابة الإعلاميين، برئاسة الإعلامي الدكتور طارق سعده، نقيب الإعلاميين، بيانًا بشأن الخطاب الوار...

الاكثر قراءة
حوار مع رضا المكي "المنظر والمنظم": إعادة اكتشاف الرئيس قيس سعيد

هذه أسرار نجاح قيس سعيد يرويها زميل دراسته أقرب معاونيه خلال حملته الانتخابيةيضع رفض برلمان تونس الل...

مهام البناء على المتاح

من الخطل التهليل فخراً بتحقيق حلم شعار الثورة في مدنية السلطة واقعاً. ذلك إنجاز لن يتحقق مالم يتحرر...

وسط البلد الباهر!

وسط البلد مش حاجة واحدة.. ولا ينفع اختزاله في وجهة نظر فردية.. ولا مقولة تتقال مرة وخلصنا.. لا يجوز....

البابا تواضروس يحاول تقبيل يد الأنبا أمونيوس ورد اعتباره بعد 19 عاما من النفي

خمسة أساقفة و7 قساوسة بالأقصر ورجل اعمال شهير ورأء قرار أسبتعاده وأسقف شهير:"علي جثتي عودة الأنبا أم...

أسعار الذهب اليوم

السعر بالجنيه المصري

عيار 24
7,148ج.م
عيار 21
6,254ج.م
عيار 18
5,361ج.م
الجنيه الذهب
50,032ج.م
عرض جميع الأسعار

تابعونا


جارٍ التحميل...