كيف تغيّر الخطاب السعودي تجاه إسرائيل؟
في لحظات التحوّل الكبرى، لا تحتاج السياسة إلى بيانات رسمية بقدر ما تحتاج إلى إشارة. أحيانًا تكون الإشارة خطبة جمعة، وأحيانًا افتتاحية صحيفة، وأحيانًا صمت مقصود. المشهد الذي أثار الجدل مؤخرًا، مع دعاء الشيخ صالح بن حميد ضد اليهود في خطبة الحرم المكي، لم يكن مجرد موقف ديني عابر، بل رسالة سياسية مكتملة الأركان، تقول إن سقف الخطاب تغيّر، وإن ما كان يُقال همسًا أصبح يُقال علنًا.
الخطبة، بصرف النظر عن تفاصيلها، فتحت الباب لتأويل واحد واضح: الحديث الآن عن إسرائيل كخصم، لا كشريك محتمل في “سلام دافيء” جرى تسويقه لسنوات. حين يصل هذا الخطاب إلى منبر الحرم، فالأمر يتجاوز العاطفة الدينية إلى حسابات الدولة، ويعكس أن الضوء الأخضر قد أُعطي لإعادة ترتيب الأولويات، وأن لغة التفاهم لم تعد مطروحة على الطاولة، على الأقل في هذه المرحلة.
هذا التحوّل لم يقف عند حدود المنبر. الصحافة السعودية، التي تُجيد قراءة اتجاه الريح، دخلت المعركة بلا تردّد. افتتاحيات حادة، توصيفات قاسية، وإصرار على ربط السياسات الإسرائيلية بالخراب والدمار، واتهامات مباشرة بارتكاب جرائم حرب بلا محاسبة. الأقلام هنا لا تكتب من فراغ، بل تتحرك داخل مساحة محسوبة، ما يعني أن الرسالة لم تعد فردية، بل ممنهجة.
في الجهة الأخرى، بدا القلق الإسرائيلي واضحًا. تصريحات نتنياهو عن “مراقبة ما يحدث في السعودية” ليست مجرد متابعة إعلامية، بل اعتراف ضمني بأن معادلة التطبيع السريع، التي راهن عليها بدعم أمريكي، تتآكل أمام غضب الشارع، وتتعثر أمام تبدّل المزاج الإقليمي. إسرائيل اعتادت إدارة الخلافات خلف الكواليس، لكن حين تصبح في صدارة الخطاب العام، فهذه معركة مختلفة تمامًا.
غير أن أخطر ما في المشهد لا يخص إسرائيل وحدها، بل يتعلّق بالبيت الخليجي نفسه. السجال السعودي – الإماراتي، الذي كان مكتومًا، خرج إلى العلن عبر مقالات تتهم أبوظبي بلعب دور “حصان طروادة” للمصالح الإسرائيلية في المنطقة. الحديث عن طموحات إماراتية لإدارة غزة مدنيًا فجّر حساسية قديمة، لأن غزة هنا ليست ملفًا إنسانيًا فقط، بل ورقة نفوذ إقليمي.
الرد السعودي جاء حاسمًا: إغلاق هذا المسار تمامًا، والبحث عن توازنات جديدة عبر التقارب مع تركيا وقطر. هذه ليست عودة عاطفية لمحاور قديمة، بل براغماتية باردة، عنوانها أن الرياض تريد الاحتفاظ بمفتاح القضية الفلسطينية، لا تسليمه لأي وسيط إقليمي آخر.
ختامًا، نحن أمام مشهد إقليمي يُعاد تشكيله. السعودية تغيّر نبرة خطابها، الصحافة تعكس هذا التغيّر بوضوح، إسرائيل تشعر بأن الأرض تهتز تحت أقدامها، والخلافات الخليجية تخرج من الظل إلى الضوء. السؤال ليس هل هذا التصعيد سيستمر، بل إلى أي مدى. لأن ما كُسر هنا ليس مجرد لهجة، بل وهم الاستقرار السريع، ووصفة التطبيع بلا ثمن.
------------------------------
بقلم: إبراهيم خالد
الطقس
إقرأ أيضا
هاكان فيدان يشيد بموقف مصر المسؤول عقب استهداف سفينتي طاقة في دمياط
ثمن وزير الخارجية التركي هاكان فيدان، الموقف المصري المتزن والمسؤول الذي اتخذته مصر عقب الهجوم...
نبيل فهمي يبحث أمين عام مجلس التعاون الخليجي تطورات القضايا العربية والإقليمية
استقبل نبيل فهمي، الأمين العام لجامعة الدول العربية، اليوم الخميس، جاسم محمد البديوي، الأمين العام ل...
رئيس حزب الوفد يوجّه بالاستعانة بالكوادر القبطية والشباب في تشكيلات الحزب بالمحافظات
وجّه الدكتور السيد البدوي شحاتة رئيس حزب الوفد دعوة عاجلة لجميع الأعضاء واللجان المكلفة بتشكيل اللجا...
نقيب الإعلاميين: ملتزمون بميثاق الشرف الإعلامي وبقرار المحكمة بحظر النشر في قضية التجمع الخامس
أصدرت نقابة الإعلاميين، برئاسة الإعلامي الدكتور طارق سعده، نقيب الإعلاميين، بيانًا بشأن الخطاب الوار...
الاكثر قراءة
د. فادي نصر: هذه طرق الوقاية من أضرار الشمس
أكد الدكتور فادي نصر أن هناك طرقا للوقاية من أضرار الشمس ومنها اسمرار البشرة وحروق الجلد وكذلك سرطان...
لماذا ينظر الرجل إلى شفتي المرأة أثناء حديثها إليه؟
إذا كانت فتاة او سيدة قد لاحظت أن الرجل ينظر إلى شفتيها عندما تتحدث معه، فربما تتساءل عن السبب وماذا...
حديث الإفك وكلاب السكك!
كان عم شمس ضابط شرف برتبة نقيب عندما كنت في مدرسة الصاعقة ، كان يشغل منصب قائد سرية كلاب حرب، وكنا ج...
بالفيديو .. د. فادي نصر يشرح الجدول الزمني للإجراءات التجميلية
شرح الدكتور فادي نصر، مدير مركز غلامور الطبي بالرياض، الجدول الزمني للإجراءات التجميلية. حيث أكد أن...
أسعار الذهب اليوم
السعر بالجنيه المصري