الجمعة، 06 نوفمبر 2026 القاهرة 20.1°C
رئيس التحرير مجدي شندي
كوميديا "ترامب" فى حرب أوكرانيا

كوميديا "ترامب" فى حرب أوكرانيا

يبدو أن الرئيس الأمريكى "دونالد ترامب" اكتفى فى حرب أوكرانيا بلعب دور هامشى كوميدى الطابع ، فقد صعد موخرا إلى سطح مبنى البيت الأبيض ، وكان الصحفيون يخاطبونه ويرقبونه من أسفل ، وسألوه عما إذا كان ينوى تجديد وبناء قاعة للرقص هناك ، ومازحهم قائلا فى نبرة عالية الصوت ، أنه ينوى بناء  صواريخ نووية ! ، وتدفقت الأسئلة المذعورة ، مع استفسارات قلقة عن ما يقصده الرئيس ، وبالذات بعد قرار "ترامب" المعروف بنشر غواصتين نوويتين أمريكيتين بالقرب من سواحل روسيا ، ولم يفاجأ عاقل ولا مجنون بجواب "ترامب" لاحقا ، حين أعلن أنه ينوى سحب الولايات المتحدة بالكامل من حرب أوكرانيا ، وقال فى لهجة مسرحية "هذه ليست حربى" ، وأضاف "إنها حرب جو بايدن" ، جريا على عادته فى تحميل الأوزار كلها للرئيس الأمريكى السابق ، وإن كان لا ضير عنده من توزيع الشتائم والبلاوى على آخرين أحيانا ، وعلى الرئيس الأمريكى الأسبق "باراك أوباما" بالذات .

وعلى سبيل إكمال دوره الكوميدى البائس ، قرر "ترامب" أن يرسل صديقه ومبعوثه المقاول الصهيونى اليهودى "ستيف ويتكوف" إلى موسكو سعيا للقاء الرئيس الروسى "فلاديمير بوتين" ، الذى سبق لترامب أن أنذره وهدده إن لم يوقف حرب أوكرانيا ، ومنحه مهلة لخمسين يوما ، قرر اختصارها فيما بعد إلى عشرة أيام ، ومن دون أن يرمش جفن "بوتين" ، فكان قرار "ترامب" أن يرسل "ويتكوف" لاستمالة عطف "بوتين" ، الذى لم يغير حرفا فى شروطه لتسوية النزاع الأوكرانى ، وهكذا بدا مشهد إرسال "ويتكوف" فى نهاية مهلة أيام "ترامب" ، وكأن الأخير كان يعطى مهلة وإنذارا لنفسه لا للرئيس الروسى ، ولكى يوحى بأن هناك تقدما ما فى سعيه للحصول على جائزة وقف حرب أوكرانيا ، وكان "ترامب" إدعى أن بوسعه وقف حرب أوكرانيا فى 24 ساعة ، ثم تداعت الأيام والشهور إلى اليوم ، ومن دون أن يحدث شئ ، اللهم إلا اشتداد وطأة الحرب ، واتساع خرائط التقدم والتمدد العسكرى الروسى فى الأراضى الأوكرانية ، وكان "ترامب" عبر مرارا عن ضيقه من مراوغات "بوتين" ، رغم أنه ـ أى "ترامب" ـ أنفق ساعات طويلة فى ست مكالمات هاتفية طويلة مع سيد الكرملين ، وفى ذروة ضيق "ترامب" المعلن من استخفاف "بوتين" به ، هدد روسيا بفرض عقوبات أمريكية إضافية ، وفرض رسوم جمركية إضافية بنسبة مئة بالمئة على صادرات روسيا وشركائها التجاريين فى الهند والصين بالذات ، وجاءت النسبة أقل بكثير من نصوص مشروع قانون فى الكونجرس ، أعده السيناتور "لينزى جراهام" الصهيونى اليهودى ، ورفع فيه نسبة الرسوم المفترضة عقابا لروسيا والشركاء إلى 500% ، ورغم تواضع عقوبات "ترامب" قياسا لما أراده "جراهام" ، فقد عاد "ترامب" إلى التشكك فى جدوى أى عقوبات على روسيا ، وقال فى تصريحات لاحقة ما نصه أن الروس "ماكرون وبارعون جدا فى تجنب (أثر) العقوبات" ، وهكذا بدا "ترامب" كأنه يريد التراجع عن قصة التهديد بالعقوبات على روسيا ، ويسعى لإخراج التراجع بقرار إرسال "ويتكوف" للقاء "بوتين" لمدة ثلاث ساعات ، خرج بعدها "يورى أوشاكوف" مستشار الرئيس الروسى ، ووصف المحادثات بالبناءة الحافلة بإشارات متبادلة بين موسكو وواشنطن ، وهو ما اعتادت موسكو على قوله كل يوم تقريبا ، ولكن بمفهومها لخاص ، الذى يريد تصريف مباحثات "اسطنبول" وغيرها فى جوانب إنسانية ، من نوع تبادل الأسرى وتسليم جثث آلاف القتلى الأوكران ، أو حتى وقف إطلاق نار نوعى عابر ، أما وقف الحرب فمشروط بقبول الشروط الروسية الكاملة ، وإعلان "كييف" عن الاستسلام الكامل ، وهو ما عبر عنه الناطق باسم الكرملين "ديمترى بيسكوف" ، حين قال للصحفيين "أن العملية طويلة ، وتتطلب جهدا ، (...) وعلى الأرجح يتزايد فهم هذا الأمر فى واشنطن" ، فيما لا تعبر موسكو عن شبهة جزع من فرض عقوبات جديدة عليها ، فاقتصاد روسيا ينمو بمعدلات كبيرة ، رغم أو بفضل فرض 24 ألف عقوبة اقتصادية على موسكو ، ومعدل نمو الاقتصاد الروسى بلغ 4.3% فى العام الأخير ، والعملة الروسية "الروبل" تبدى ثباتا مدهشا ، فقد كان الدولار الأمريكى يساوى 75 روبل قبل حرب أوكرانيا ، وبعد نحو ثلاث سنوات ونصف السنة من الحرب الضروس ، لا يزال سعر الدولار عند مستوى 78 روبل روسى ، وهكذا تبددت أوهام الغرب كله عن إمكانية خنق روسيا بسلاسل العقوبات الغليظة ، وفرض أسعار تحكمية مخفضة للبترول الروسى إلى 43 دولار للبرميل ، على نحو ما فعله الاتحاد الأوروبى فى حزمة عقوباته الأخيرة المضافة ، وهو ما تهزأ به روسيا صاحبة الاحتياطات المهولة من البترول والغاز الطبيعى ، وصاحبة "أسطول الظل" ، والمكانة المميزة فى "أوبك بلس" ومنظمة "بريكس" وتحالف "شنجهاى" وغيرها ، ولا يضيرها أن تبيع بترولها لأصدقائها بأسعار تفضيلية مخفضة .

وفى الميدان العسكرى الملتهب ، تواصل روسيا امتيازها وتفوقها الميدانى ، وحرب أوكرانيا كما هو معروف ، كانت من بدايتها حربا ذات طابع عالمى جارية فى الميدان الأوكرانى ، وواجهت فيها روسيا وتواجه تحالفا من 54 دولة معادية على رأسها أمريكا ، وأدار الرئيس الروسى حربه على نحو مدروس متدرج دون إعلان التعبئة العامة ، ولجأ إلى بناء وتطوير مجمع عسكرى صناعى هائل ، تزيد إنتاجيته اليوم بأربعة أمثال قياسا إلى ما ينتجه الغرب الأمريكى الأوروبى كله ، وثبت بحقائق الميدان المرئية ، أن ما أسماه "بوتين" بالعملية العسكرية الخاصة ، تحرز تقدما يوميا مطردا على الأرض ، يتجاوز المقاطعات الأوكرانية الأربع التى أعلنت روسيا ضمها رسميا فى أواخر سبتمبر 2022 (لوجانسك ودونيتسك وزاباروجيا وخيرسون) ، ففى كل يوم ، تسيطر روسيا على بلدة أو بلدتين مما تبقى من المقاطعات الأربع تحت اليد الأوكرانية ، وتضيف إليها تقدما محسوسا فى ثلاث مقاطعات أخرى هى "سومى" و"خاركيف" و"دنيبرو بتروفسك" ، وتخطط لعبور نهر "دنيبرو" ، الذى تريد موسكو جعله حاجزا طبيعيا يفصل أراضيها الجديدة عن ما تبقى من أوكرانيا ، إضافة للسيطرة مع "القرم" على حزام من المناطق الآمنة شمال وغرب ما تسميه روسيا الجديدة ، مع توجيه ضرباتها الصاروخية شبه اليومية إلى مخازن وخطوط الإمداد والتدريب بالسلاح الغربى ، وتسعى لاستنزاف متصل لأسلحة الغرب ومئات مليارات دولاراته جميعا فى الميدان ، وتمتص الضربات المتفرقة لأراضيها بأسراب الطائرات المسيرة المنطلقة من أراضى أوكرانيا ، وقد لا يمكن لأحد عاقل ، أن يتصور حدودا بعينها للتوسع الروسى الدءوب فى غير تعجل ، فأهداف روسيا أبعد من إخضاع أوكرانيا ونزع سلاحها ، أو منعها من الانضمام لحلف "الناتو" والاتحاد الأوروبى ، والجيش الأوكرانى غادر مربع الإنهاك إلى هاوية الهلاك الفعلى ، وإلى حد أن الرئيس الأوكرانى اليائس "فلوديمير زيلينسكى" ، قرر مؤخرا جواز تجنيد الرجال فوق سن الستين (!) ، وبما آثار سخرية الرئيس الأمريكى نفسه ، رغم أن الأخير قرر استئناف توريد المعدات العسكرية للميدان الأوكرانى ، وبشرط أن يدفع الحلفاء الأوروبيون الثمن مقدما ، فهو يدرك قبل غيره ، أن هزيمة الغرب فى أوكرانيا صارت أمرا مقضيا ، ولا يلتفت كثيرا إلى أقوال ساذجة تصدر أحيانا عن مسئولين أوروبيين ، بينها ـ مثلا ـ تصريح عبثى صدر عن وزير الخارجية الألمانى الجديد "يوهان فاديفول" ، الذى قال قبل أسابيع ، أن "أوكرانيا لا تخسر" (!) ، وأشاد بالتحول فى موقف "ترامب" إلى مواجهة "بوتين"  ، فيما لا تصدر عن الرئيس الروسى غير أقواله المحسوبة بعناية ، وقبلها أفعاله بقرار فك القيود عن نشر شبكات الصواريخ القصيرة والمتوسطة المدى باتجاه أوروبا وآسيا وعبر المحيط الهادى ، ثم فاجأ "بوتين " الغرب بإعلانه عن دخول صواريخ "أوريشنيك" إلى الخدمة على أراضى "بيلاروسيا" المجاورة الشقيقة المتحالفة مع موسكو ، كان الإعلان صادما لأوروبا المتخوفة من جيش روسيا ، الذى يستعيد سمعة "الجيش الأحمر" فى الحرب العالمية الثانية ، وصواريخ "أوريشنيك" متعددة الرءوس كمعناها فى اللغة الروسية "شجرة البندق" ، وتستطيع حمل رءوس تقليدية ونووية معا ، ويصل مداها إلى 5500 كيلومتر ، وليس بوسع أى نظام دفاع جوى فى العالم اعتراضها ، وتزيد سرعتها عن عشرة أضعاف سرعة الصوت ، وتقطع 1200 كيلومترا فى الدقيقة الواحدة ، وجرت تجربتها النهائية قبل شهور على أراضى أوكرانيا نفسها ، وأتى إعلان "أوريشنيك" المفزع للغرب عقب إعلان "ترامب" عن نشر غواصتين نوويتين بالقرب من روسيا ، وعقب المجادلة العنيفة لفظيا بين "ترامب" و"ديمترى ميدفيديف" نائب رئيس مجلس الأمن القومى الروسى ، والتى هدد فيها "ميدفديف" بنظام "اليد الميتة" الموروث عن الاتحاد السوفيتى السابق ، وهو نظام آلى للرد تلقائيا على أى هجوم نووى يستهدف روسيا .

وباختصار ، دفعت روسيا الوضع كله إلى حافة الحرب النووية ، وتركت "ترامب" لمقاطعه الكوميدية المصورة تليفزيونيا .
------------------------------------
بقلم: عبدالحليم قنديل
[email protected]

استمع إلى المقال حوّل المقال إلى تجربة صوتية
مدة القراءة08:39
تعليقات


الطقس
القاهرة مصر
20.1°C
توقعات الساعات القادمة
20.1°C
19.7°C
19.4°C
19.2°C
18.9°C
18.3°C
إقرأ أيضا
هاكان فيدان يشيد بموقف مصر المسؤول عقب استهداف سفينتي طاقة في دمياط

ثمن وزير الخارجية التركي هاكان فيدان، الموقف المصري المتزن والمسؤول الذي اتخذته مصر عقب الهجوم...

نبيل فهمي يبحث أمين عام مجلس التعاون الخليجي تطورات القضايا العربية والإقليمية

استقبل نبيل فهمي، الأمين العام لجامعة الدول العربية، اليوم الخميس، جاسم محمد البديوي، الأمين العام ل...

رئيس حزب الوفد يوجّه بالاستعانة بالكوادر القبطية والشباب في تشكيلات الحزب بالمحافظات

وجّه الدكتور السيد البدوي شحاتة رئيس حزب الوفد دعوة عاجلة لجميع الأعضاء واللجان المكلفة بتشكيل اللجا...

نقيب الإعلاميين: ملتزمون بميثاق الشرف الإعلامي وبقرار المحكمة بحظر النشر في قضية التجمع الخامس

أصدرت نقابة الإعلاميين، برئاسة الإعلامي الدكتور طارق سعده، نقيب الإعلاميين، بيانًا بشأن الخطاب الوار...

الاكثر قراءة
تحت شعار "الدواء دون أضرار".. الاعتماد والرقابة الصحية تحتفل باليوم العالمي لسلامة المرضى

تنطلق غدا السبت فعاليات اليوم العالمي لسلامة المرضى، التي تنظمها الهيئة العامة للاعتماد والرقابة الص...

مقاول يوهم المسؤولين في قنا بالتبرع لإعادة بناء 3 مدارس ثم يهرب بعد هدمها والاستيلاء على مخلفاتها

شهدت مدينة نجع حمادى بشمال قنا واقعة غريبة، كشفتها تقارير رقابية، حيث تعرضت مديرية التربيه والتعليم...

درجة قصة الذي تعلم لغة القطط من نبي الله سليمان

السؤال:ما صحة هذه الرسالة؟ قصة حلوة جدا ومؤثرة، كان من معجزات نبي الله سليمان أنه يكلم الطير والريح...

فيديو .. د. فادي نصر خبير التجميل: 9 أشياء يجب معرفتها قبل الفيلر

أكد الدكتور فادي نصر خبير التجميل ومديرمركز غلامور الطبي بالرياض أن هناك 9 أشياء يجيب معرفتها قبل عم...

أسعار الذهب اليوم

السعر بالجنيه المصري

عيار 24
7,068ج.م
عيار 21
6,184ج.م
عيار 18
5,301ج.م
الجنيه الذهب
49,472ج.م
عرض جميع الأسعار

تابعونا


جارٍ التحميل...