فلتصغ أحزابنا إلى نواقيس تونس
على أحزابنا إدراك قصر المرحلة الإنتقاللية في ظل أعباء المهام الملقاة على عواتقها لبلوغ عتبة تجربة ديمقراطية "راسخة راجحة ". التجربة الرابعة لا يمكن الدخول إليها أو إنجازها بالآليات الصدئة نفسها إبان المراحل الثلاث السابقة. النجاح إلى تجربتنا المرتقبة والإنجاز فيها يتطلبان عملاً سياسياً دءؤباً غداة الأمس. الحملات الإرتجالية المحمومة قبيل الذهاب إلى مراكز الإقتراع لن تحقق في ضوء حراك ديسمبر مكاسب. الجهد السياسي المبعثر ضيق الأفق قصير الحيلة لن يكتب نسخة ديمقراطية ذات ظل ظليل دائم .
كل الأحزاب مطالبة الآن وليس غداً بالإبتكار في العمل التنظيمي كما الإبداع في الطرح السياسي. آفة أحزابنا أنها تشتغل – حين تفعل – بالسياسة لكنها لا تشتغل البتة على السياسة. أداؤها – حين ينشط – ليس أكثر من جهد موسمي عارض مرتجل. كلها خالية الوفاض من الأدبيات والبرامج السياسية. جميع الأحزاب مسكونة بالإنشطار حد التشرزم الفسيفائي. أحايين كثيرة يشقُ على المرء إحصاء الأشلاء المبعثرة تحت مظلة حزبية واحدة. للنظام البائد باع في تفكيك أحزابنا غير أن إلقاء كل اللوم على الإنقاذ يفصح عن نفاذ الرؤى. إحدى أبرز قسمات تلك الظاهرة تتبدى في خواء تلك الأحزاب من العمل الديمقراطي وبؤس النادي السياسي.
ما لم تستوعب الطبقات العليا والوسيطة من هياكل الأحزاب الدروس الناصعة من الحراك الجماهيري صانع الثورة المبهرة، لن تنهض بما ينبغي عليها إنجازه بغية الفوز بما تطمح إليه وبه من بطاقات إنتخابية. الحراك الشبابي الأبي لم يثبت فقط ديناميكيته على رسم خارطة مستقبل الشعب والوطن، بل أكد كذلك براعة لا تجارى في الحرص على تأمين المسار االسياسي وفق رؤاه.
كتلة قوى الحرية والتغيير كرّست مفهوم العمل المشترك تحت قيادة واحدةِ موحّدة. كما رسّختحتمية رصَ الصفوف من أجل تجاوز العقبات والمطبات الماثلة والطارئة. الحراك الجماهيري اليقظ العارم كسر – وإلى الأبد – الحلقة الجهنمية السودانية المألوفة. تجربة ديمقراطية هشة فاشلة، إنقلاب عسكري، فانتفاضة شعبية ثم تجربة ديمقراطية قصيرة البصيرة والعمر. هذا الحراك قادر مقتدر على إبتداع مواعينه التنظيمية في حال إخفاق الأُطر الحزبية االتقليدية في مواكبة أمانيه الجديدة المكتسبة بعرقه، دموعه ودمه. ربما يجدرهنا إستدعاء تجربة نقابة "تضامن" البولونية عندما ربحت كل مقاعد البرلمان إلا واحداً من المقاعد المبذولة للتنافس في إنتخابات شبة حرة في العام 1989.
النسخة الدمقراطية المرتجاة لن تتم كتابتها في غياب رؤى سياسية فكرية وقيادات ملهمة محرِّضة لها الإقتدارعلى صوغ المستقبل. عوضاً عن القيادات العاجزة فاقدة بريق الكريزما يتطلب المشهد قادة مثقفين متسمين بالصلابة، النقاء، الشفافية والإستقامة الوطنية إلى جانب مواهب في استنهاض الجماهير واستباق الأحداث.
لعل كل ذلك يفتح أبصار القيادات الحزبية على حتمية العمل من أجل إعادة بناء هياكلها، كتابة أدبياتها وإعداد برامج حداثية عبر مؤتمرات تستهدف في المقام الأول توحيد بُناها التنظيمية على نحو عاجل وواسع. متابعة هموم المرحلة الإنتقالية ينبغي ألا تشغل أحزابنا عن مهام إعادة بناء أطرها الذاتية. الفترة الإنتقالية أقصر مما يتوهم هؤلاء وأؤلئك. أبعد من ذلك أنه لم تعد القواعد الشعبية لعبة في أيدي ساسة يتوكأون على سند صدئ، عسكريين متقاعدين ورجال مال نهمين.هناك شباب يملكون وفرة في شروط الوعي ويبدعون كل أدوات التغيير الجذري.
القيادات التقليدية والمستولدة من تحت العباءات القديمة عليها كذلك الإصغاء جيداً إلى نواقيس تقرعها حالياً التجربة الإنتخابية في تونس. هذا واجب لا تمليه فقط مهام الإستفادة من الجوار بل التقارب بين التجربتين الديمقراطيتين في البلدين كأنمذجين طازجين يخترقان المحاولات البائسة في المنطقة. إن لم يفعلوا ذلك يواجهون حتماً مصير قيادات تونس السياسية العتيقة البائسة.
ثمة إجماع على توصيف حصيلة إنتخابات الرئاسة في تونس بمثابة إدانة تبلغ حد العقاب على المؤسسة السياسية الحزبية. هناك تفوق إثنان من خارج الإحتمالات على جميع المتنافسين من داخل حلبة المنظومة السياسية المألوفة. الإقبال على صناديق الإقتراع جاء متدنياً على نحو بلغ سفح الإحباط. المرشحان المتأهلان إلى الدور الثاني صعدا فوق قيادات معروفة بينهم، رئيس حكومة، رئيسا وزراء، رئيس جمهورية سابقون ونائب رئيس حزب الأغلبية في البرلمان الحالي. كلاهما؛ العزوف الجماهيري والصعود الثنائي الفجائي من المجهول كتبا إدانة شعبية عريضة للنخب السياسية مقابل إخفاقها في تحقيق الرهاناتالوطنية المرتبطة بحياة الشعب والوطن .
هي رهانات تماثل رهاناتنا المائجة في صدور الشباب على امتداد ساحة البلد إذ ترتبط على نحو عضوي بالسلم الوطني، العدل ايالإجتماعي، العدالة الإنتقالية والسيادة الوطنية. النتائج التونسية تحدث قطيعة كاملة مع زبانية السياسة وزبونية الإنتخابات. واهم من يتوهم بعاد تلك التجربة عن عقل أو خيال شبابنا محرِّض الحراك الجماهيري وصانع الثورة. هذا جيل لا يؤمن باستنساخ الطبعات الفاشلة. بل هو يعكف على استخلاص العبر من التجارب السابقة. لهذا جاءت ثورتنا مغايرة لحكايا "الربيع العربي".
نواقيس تونس تقرع من أجل إيقاظ الأحزاب حين تغط في سبات عميق متوسدة التاريخ وإرثاً يتداخل فيه أو يغلب عليه الكسب الشخصي أو الأيديولوجي الأرثوزوكسي دونما شحذ الذهن أو العصب بغية استنفار الجماهير حول برامج عمل من شأنها ترقية حياة الشعب متجاوزة كل حمولات الشبكات البالية من مخلفات النظام البائد على جبهات الإقتصاد، الإجتماع والثقافة.
------------------
بقلم: عمـر العمـر
الطقس
إقرأ أيضا
هاكان فيدان يشيد بموقف مصر المسؤول عقب استهداف سفينتي طاقة في دمياط
ثمن وزير الخارجية التركي هاكان فيدان، الموقف المصري المتزن والمسؤول الذي اتخذته مصر عقب الهجوم...
نبيل فهمي يبحث أمين عام مجلس التعاون الخليجي تطورات القضايا العربية والإقليمية
استقبل نبيل فهمي، الأمين العام لجامعة الدول العربية، اليوم الخميس، جاسم محمد البديوي، الأمين العام ل...
رئيس حزب الوفد يوجّه بالاستعانة بالكوادر القبطية والشباب في تشكيلات الحزب بالمحافظات
وجّه الدكتور السيد البدوي شحاتة رئيس حزب الوفد دعوة عاجلة لجميع الأعضاء واللجان المكلفة بتشكيل اللجا...
نقيب الإعلاميين: ملتزمون بميثاق الشرف الإعلامي وبقرار المحكمة بحظر النشر في قضية التجمع الخامس
أصدرت نقابة الإعلاميين، برئاسة الإعلامي الدكتور طارق سعده، نقيب الإعلاميين، بيانًا بشأن الخطاب الوار...
الاكثر قراءة
مقاول يوهم المسؤولين في قنا بالتبرع لإعادة بناء 3 مدارس ثم يهرب بعد هدمها والاستيلاء على مخلفاتها
شهدت مدينة نجع حمادى بشمال قنا واقعة غريبة، كشفتها تقارير رقابية، حيث تعرضت مديرية التربيه والتعليم...
الصبي والبلطجي!!
قبل عدة عقود ظهرت ألغام بحرية في البحر الأحمر هددت مسارات الملاحة الدولية.. واضطرت شركات كثيرة لتوجي...
حريق بسفينة في ميناء دمياط وجاري حاليا التعامل معه والسيطرة عليه عن طريق الحماية المدنية
صرح المركز الإعلامي لهيئة ميناء دمياط أنه بتاريخ اليوم الخميس، الموافق وفي تمام الساعة الواحدة والنص...
هل يقبل محمد الباز التحدي؟
في حلقة 6 أغسطس 2019 من برنامج 90 دقيقة على قناة المحور دعا الزميل محمد الباز مقدم البرنامج 3 من أعض...
أسعار الذهب اليوم
السعر بالجنيه المصري