فتاتان
تمسكُ بذراعٍ، تبدو أنها لشقيقها، وتحِملُ في يدها الأخرى مِلفًا شفافًا يُظهر أن به أوراق ترشيحها إلى إحدى الكليات، في إعلانٍ صريحٍ لطي صفحة الثانوية العامة وكواليسها، وتقلّبُ ناظريها حول المشروع الذي كانت تراه فقط عبر شاشات "التلفاز"، متعجبةً أو معجبةً بطريقة التشييد هذه تحت الأرض.. تتحسسُ الخطى وهي تضع إحدى قدميها على سُلم كهربائي، لتتشبث أكثر بأخيها في مشهدٍ يؤكد للوهلة الأولى قدومها من إحدى المحافظات النائية التي يغلب عليها وقاطنيها الطابع الريفي الخجول النقي..
ها هي الآن نزلت إلى رصيف إحدى محطات مترو الأنفاق المتجه إلى عدلى منصور، بعد مرورها بعدة سلالم كهربائية لتقف مُنتظرةً وصول القطار.. عيناها مملوءتان بالسعادة وهما تتقلبان يُمنة ويُسرى تتفحصان الوقوف، وعلى شفاهها ابتسامةٌ تفضحها عيناها أكثر من أسنانها، فيما يمر على مخيلتها سنون عمرها المنصرمة، مستذكرةً كم المرات التي طلبت فيها أمها أن تذاكر، وخروج أبيها ليقتات لها وإخوتها، وكم ساعة هي ذاكرت، حتى إنها قد تتذكر جل أو معظم معلميها في المراحل التعليمية الثلاث السابقة، كل ذلك في دقائقَ معدوداتٍ لا تتجاوز وقت انتظار القطار الذي وصل لتوّه، لتستقله مُتشبثةً بالذراع نفسها، وبدرجة الاندهاش والترقب والفرحة ذاتها..
في اليوم نفسه.. رجل خمسيني يرتدي جلبابًا بلديًا بفتحة صدر واسعة تُظهر "سديري" أسفله، ويلف حول عنقه "شالاً" واضعا فوق رأسه "طاقية"، في زيٍّ ينمُّ في النهاية عن هيبة ووقار، وفي اللحظة نفسها تشي خطواته بأنه لم يأتِ كثيرًا إلى المدينة.. تمسكُ بيده فتاةٌ يبدو أنها ابنته، يُرى في مشيتها شموخٌ، وتكشف ثقتها عن مستوى تعليم يوحي بأنها تسبق الفتاة الأولى التي بدأت إجراءات التقدم إلى كليتها، بخطوات، وفي ممرات محطة القطار التي تقع بحي مصر الجديدة، تسير بأبيها في فخرٍ وتباهٍ، وهو الفخور المتباهي بنجلته، حتى وصلا إلى السُلَّم الكهربائي، وسرعان ما مسكت بكلتا يديه، حتى تزيل رجفته التي أظهرها توقف قدميه فجأةً قبل الصعود، وكأن لسان حالها ينطق: "لا تخف يا أبي أنا بجوارك، فأنت الذي عملت ليل نهار من أجل توفير حياة كريمة لنا، أنت ووالدتي التي سهرت علينا، أنتما قدوتنا، الآن آن دورنا أن نبرّكما ونرد شيئًا ولو يسيرا"..
ولدى وصولهما إلى ماكينة الخروج، اكتشف فرد الأمن أن قيمة التذكرة أقل من عدد المحطات التي استقلاها.. ليحمرَّ وجهُ الفتاة ويتلعثم لسانها كما أنها لم تبعد من قبل عن قريتها التي ترعرعت في شوارعها، وأبوها الذي اتضح أنه ذاهب إلى أحد المستشفيات من رده على رجل الأمن عندما قال له "أنا أول مرة أركب مترو ومكناش نعرف".. لينتهي المشهد في غرفة ناظر المحطة بالسماح لهما بالانصراف بعد أن يقطعا تذكرة أخرى تساوي فرق المحطات.
-------------------------------
بقلم: عزت سلامة العاصي
الطقس
إقرأ أيضا
هاكان فيدان يشيد بموقف مصر المسؤول عقب استهداف سفينتي طاقة في دمياط
ثمن وزير الخارجية التركي هاكان فيدان، الموقف المصري المتزن والمسؤول الذي اتخذته مصر عقب الهجوم...
نبيل فهمي يبحث أمين عام مجلس التعاون الخليجي تطورات القضايا العربية والإقليمية
استقبل نبيل فهمي، الأمين العام لجامعة الدول العربية، اليوم الخميس، جاسم محمد البديوي، الأمين العام ل...
رئيس حزب الوفد يوجّه بالاستعانة بالكوادر القبطية والشباب في تشكيلات الحزب بالمحافظات
وجّه الدكتور السيد البدوي شحاتة رئيس حزب الوفد دعوة عاجلة لجميع الأعضاء واللجان المكلفة بتشكيل اللجا...
نقيب الإعلاميين: ملتزمون بميثاق الشرف الإعلامي وبقرار المحكمة بحظر النشر في قضية التجمع الخامس
أصدرت نقابة الإعلاميين، برئاسة الإعلامي الدكتور طارق سعده، نقيب الإعلاميين، بيانًا بشأن الخطاب الوار...
الاكثر قراءة
إبراهيم فتحي ...مؤسس العناوين الكبرى
رحل عن عالمنا منذ أيام، المثقف، المناضل اليساري، المترجم، الناقد الادبي، والمفكر ابراهيم فتحي،...
حديث الإفك وكلاب السكك!
كان عم شمس ضابط شرف برتبة نقيب عندما كنت في مدرسة الصاعقة ، كان يشغل منصب قائد سرية كلاب حرب، وكنا ج...
د. فادي نصر: هذه طرق الوقاية من أضرار الشمس
أكد الدكتور فادي نصر أن هناك طرقا للوقاية من أضرار الشمس ومنها اسمرار البشرة وحروق الجلد وكذلك سرطان...
مهام البناء على المتاح
من الخطل التهليل فخراً بتحقيق حلم شعار الثورة في مدنية السلطة واقعاً. ذلك إنجاز لن يتحقق مالم يتحرر...
أسعار الذهب اليوم
السعر بالجنيه المصري