غزة.. تبحثُ عن عُزيرٍ جديد
مضى العُزير في طريقه إلى أورشليم، يحمل في صدره أثقالاً تنوء بها نفسه، مهمومًا كأنه لم يعرف السرور قط، حزينًا كأنه لم يختبره من قبل.. ما أثقل أن تمضي وحيدًا في طريقٍ كلُّ ما فيه موات، وما أقسى أن تقف وحدك وسط الدمار، فتكتشف أنك أنتَ الكائن الحيّ الوحيد الذي يسمع صدى أنفاسه في فراغ الموت والهلاك، زادُه طعامٌ فقير وشرابٌ يروي الظمأ، لكن من يطفئ نار الأسى؟ ومن يملأ خواء الروح؟
لا شيء يؤنسه في سفره الطويل سوى صدى وقع حوافر دابَّته، هذا ما يُثبت له أن هناك كائنًا حيًّا آخر غيره..
وما أن اقترب من زمام أورشليم حتى انقبض صدره أكثر وأحس أنه بالكاد يتنفس، عزَّى نفسه وهمس بصوت شبه مسموع، علّْه يُذهب عنه رهبةَ ملامسة عتبة مدينة، يعلم من قبل قدومه أنها أصبحت أثرًا بعد عين، بعد ما اجتاحها نبوخذنَصّر، ملك بابل، فسواها بالأرض وقتل كل ما فيه نبض حياة؛ بشرًا كان أو حيوانًا.
تناول العُزير صُرة طعامه وأوى إلى الظل يمضغ لقيمات جافة على مهل استعدادًا للعمل الشاق، فيما تحرك حماره بحرية في المساحة القريبة، ثم ألقى بنفسه على الأرض يتمرّغ في ترابٍ مشبعٍ بدماء الضحايا الأبرياء، ثم أطلق نهيقًا طويلاً، كأنما ينعي من قُتلوا غيلة، ويبرأ بنفسه من صنيع طغاة بني البشر الذي لم يجد لهم ندًا في عالم الحيوان..
شرع العُزير في البناء بما تيسر من حجارةٍ وملاطٍ حتى إذا ما أنهكه التعب، وشارفت الشمس على المغيب، حمل صُرة طعامه وشرابه وسحب حماره خلفه وصعد تله وأوى إلى كهف في أعلاها، ثم حانت منه التفاته فتراءى له مشهد المدينة أشد مأساوية، باستثناء الجدار الذي شرع في بنائه وترك إلى جواره أدوات البناء، بدت المدينة حطامًا، كانت (خَاوِيَةٌ عَلَىٰ عُرُوشِهَا)، كأنها بيتُ عنكبوتٍ عصفت به الريح، أو جحر أرنبٍ داستهُ أقدامُ فيلٍ عملاق.
أطلق زفرة طويلة وتساءل: (أَنَّىٰ يُحْيِي هَٰذِهِ اللَّهُ بَعْدَ مَوْتِهَا)، ثم هز رأسه في أسى، وعاد أدراجه إلى الكهف وتمدد في مكان مستوٍ، وحماره، غير بعيد منه، ممددٌ أيضًا، وسرعان ما خلد إلى النوم.
فتح العُزيرُ عينيه في تثاقل، وتململ في مكانه، ثم داهمه شعور مفاجيء بالتعب أحس معه بخلايا جسده منهكة أشد ما يكون الإنهاك، ثم سمع هاتفًا يسأله، بصوت مُحَقِق ملأ فراغ الكهف، (كَمْ لَبِثْتَ؟)؛ فتلفت حوله كأنما يبحث عنه، ثم تذكر أنه نفس الصوت الذي دعاه للخروج إلى أورشليم، فرد عليه في وجل: (لَبِثْتُ يَوْمًا أَوْ بَعْضَ يَوْمٍ)، فأجابه بصوت كله تقرير: (بَل لَّبِثْتَ مِائَةَ عَامٍ)، ثم أردف وكأنه يشير بإصبع خفي إلى ما يتحدث عنه، (فَانظُرْ إِلَىٰ طَعَامِكَ وَشَرَابِكَ لَمْ يَتَسَنَّهْ ۖ وَانظُرْ إِلَىٰ حِمَارِكَ وَلِنَجْعَلَكَ آيَةً لِّلنَّاسِ ۖ وَانظُرْ إِلَى الْعِظَامِ كَيْفَ نُنشِزُهَا ثُمَّ نَكْسُوهَا لَحْمًا). رأى العُزير بأم عينيه آيات الله تتحقق أمامه، فعلم أنها إجابة سؤاله قبل نومه/موته الطويل، وسرعان ما استغفر وأناب، وبادر متوسلاً: (أَعْلَمُ أَنَّ اللَّهَ عَلَىٰ كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ).
أسرع العُزيرُ وأطلّ من الكهف، فرأى صورة مغايرة تمام المغايرة عن تلك التي تركها قبل نومه، مدينةً عامرةً بسكّانها ودورها وأسواقها وزروعها، فنزل مسرعًا تتخاطفه عيون أهل المدينة وقد استغربوا هيئته وملابسه ولكنته، حتى إذا جلس إليهم وجلسوا إليه، فسمعوا منه وردوا عليه، أدركوا قصته، وسمع قصتهم، وكم كانت دهشتُه كبيرة، حين علم أن آثار محاولاته البسيطة للتعمير، كانت الحافز الذي نفخ الروح والعزيمة في قلوب من عاد من أهل أورشليم يتفقد بيته وأهله بعد الاجتياح، فشرعوا يستكملون ما بدأه، وشيئًا فشيئًا، عادت المدينة إلى سابق عهدها، زاهرة، عامرة.. أو كما قال الأخوين رحباني وشدت فيروز "زهرة المدائن"..
(لأجلك يا مدينة الصلاة أصلّي
لأجلك يا بهيّة المساكن يا زهرة المدائن
يا قدس يا مدينة الصلاة أصلّي
عيوننا إليك ترحل كل يوم ...)
وبين أورشليم التي عادت بعد مائة عامٍ من الموات، وغزّة التي تتنفّس بين أنقاضها، وترفع رأسها من تحت الركام، تتكرر الحكاية بوجوهٍ مختلفة.. المدن لا تموت حين تُهدم، بل حين يستسلم أبناؤها.
حفظ الله الوطن.
----------------------
بقلم: د. محمد مصطفى الخياط
[email protected]
الطقس
إقرأ أيضا
هاكان فيدان يشيد بموقف مصر المسؤول عقب استهداف سفينتي طاقة في دمياط
ثمن وزير الخارجية التركي هاكان فيدان، الموقف المصري المتزن والمسؤول الذي اتخذته مصر عقب الهجوم...
نبيل فهمي يبحث أمين عام مجلس التعاون الخليجي تطورات القضايا العربية والإقليمية
استقبل نبيل فهمي، الأمين العام لجامعة الدول العربية، اليوم الخميس، جاسم محمد البديوي، الأمين العام ل...
رئيس حزب الوفد يوجّه بالاستعانة بالكوادر القبطية والشباب في تشكيلات الحزب بالمحافظات
وجّه الدكتور السيد البدوي شحاتة رئيس حزب الوفد دعوة عاجلة لجميع الأعضاء واللجان المكلفة بتشكيل اللجا...
نقيب الإعلاميين: ملتزمون بميثاق الشرف الإعلامي وبقرار المحكمة بحظر النشر في قضية التجمع الخامس
أصدرت نقابة الإعلاميين، برئاسة الإعلامي الدكتور طارق سعده، نقيب الإعلاميين، بيانًا بشأن الخطاب الوار...
الاكثر قراءة
في انتظار رد اﻷمن.. عن عوائق سفر أعضاء هيئة التدريس (دراسة خطيرة)
تحاول الدولة منذ سنوات فرض سيطرتها على الجامعات المصرية باستخدام قوانين وقرارات عدة أصدرتها خلال الس...
وسط البلد الباهر!
وسط البلد مش حاجة واحدة.. ولا ينفع اختزاله في وجهة نظر فردية.. ولا مقولة تتقال مرة وخلصنا.. لا يجوز....
مسيرة لـ" النهوض بالأزهر " تطالب بدمج أجهزة الدعوة
نظم " ائتلاف النهوض بالأزهر " مظاهرة انطلقت بعد صلاة الظهر من مسجد الفتح برمسيس إلى ميد...
حكم رسم الأنمي وكيفية التخلص من إثمه
السؤال:أشكركم على هذا الموقع. سؤالي: أنا أحب رسم الأنمي كثيرا، فقد مضت سنة على رسمي له، لك...
أسعار الذهب اليوم
السعر بالجنيه المصري