الثلاثاء، 03 نوفمبر 2026 القاهرة 22.5°C
رئيس التحرير مجدي شندي
عندما يتحول تشفير المباريات إلى احتكار للذاكرة الرياضية (1-3)

عندما يتحول تشفير المباريات إلى احتكار للذاكرة الرياضية (1-3)

لا أحد يختلف على أن حقوق البث التلفزيوني أصبحت اليوم أحد أهم مصادر تمويل كرة القدم في العالم. فالاتحادات القارية والدولية، والدوريات الكبرى، وحتى الأندية، تعتمد بدرجة كبيرة على العوائد المالية الناتجة عن بيع حقوق نقل المباريات. ومن الطبيعي أن تحرص الشركات التي تدفع مليارات الدولارات للحصول على هذه الحقوق على حماية استثماراتها ومنع أي اعتداء عليها. هذه قاعدة اقتصادية وقانونية لا جدال فيها.

لكن المشكلة تبدأ عندما تتجاوز حقوق البث حدودها الطبيعية، وتتحول من حماية النقل المباشر للمباراة إلى السيطرة على التاريخ الرياضي نفسه. هنا يصبح السؤال مشروعًا: هل يظل من حق الجهة المالكة للبث أن تمنع استخدام لقطات المباراة أو أهدافها أو حتى ملخصاتها بعد انتهاء الحدث؟ وهل يمكن أن يبقى تاريخ منتخب وطني أو نادٍ كبير حبيسًا لدى جهة واحدة لسنوات طويلة؟

الفارق بين "حق البث" و"حق التاريخ" يجب أن يكون واضحًا. فالبث المباشر منتج تجاري له مالكه، أما المباراة بعد انتهائها فهي جزء من ذاكرة رياضية وجماعية تخص ملايين الجماهير، وتخص أيضًا الاتحاد الوطني والمنتخب والأجيال التي صنعت تلك اللحظات.

المفارقة التي نعيشها اليوم أن كثيرًا من البرامج الرياضية تجد نفسها عاجزة عن عرض لقطة واحدة لتحليل أداء منتخبها الوطني، أو هدف تاريخي لفريق يمثل بلادها في بطولة قارية أو عالمية، خوفًا من الوقوع تحت طائلة حقوق الملكية. بل إن بعض المؤسسات الإعلامية تكتفي بالحديث عن المباراة دون أن تتمكن من عرض ثانية واحدة منها، وكأنها تتحدث عن حدث لم يره أحد.

هل هذا هو الهدف الحقيقي من حقوق البث؟ بالتأكيد لا. الهدف كان دائمًا حماية الاستثمار ومنع القرصنة أثناء النقل المباشر، وليس حرمان الجماهير والإعلام من أرشيف رياضي يمثل جزءًا من تاريخ الوطن.

تخيل طفلًا يريد بعد عشر سنوات أن يشاهد المباراة التي فاز فيها منتخب بلاده ببطولة قارية، أو باحثًا يعد فيلمًا وثائقيًا عن تطور الكرة الوطنية، أو برنامجًا تحليليًا يناقش أداء المنتخب عبر السنوات. لماذا تصبح كل هذه الاستخدامات معقدة إلى هذا الحد؟ ولماذا تبدو الذاكرة الرياضية وكأنها مؤجرة بعقد طويل الأجل؟

المشكلة لا تتعلق بالإعلام وحده، بل تمتد إلى الأندية والاتحادات نفسها. فمن غير المنطقي أن يجد منتخب وطني صعوبة في استخدام لقطات من مبارياته التاريخية في إنتاج فيلم وثائقي أو حملة جماهيرية أو مادة تعليمية للاعبين الصغار، بينما تلك المباريات تمثل جزءًا من تاريخه وهويته.

في كثير من المجالات، توازن القوانين بين حقوق المستثمر والمصلحة العامة. فهناك مدد زمنية تنتهي بعدها بعض الحقوق أو تتسع خلالها الاستثناءات للأغراض التعليمية والإخبارية والتوثيقية. أما في الرياضة، فيبدو أحيانًا أن هذه الموازنة غائبة، وأن الكفة تميل بالكامل لصالح الاحتكار.

المطلوب ليس مصادرة حقوق الشركات أو التقليل من قيمة استثماراتها، بل إعادة تعريف العلاقة بين حق البث وحق المجتمع في الوصول إلى ذاكرته الرياضية. فمن الممكن أن تظل حقوق النقل المباشر حصرية، وأن تظل الحقوق التجارية محفوظة، وفي الوقت نفسه يُسمح بعد فترة زمنية محددة باستخدام الملخصات والأهداف واللقطات في البرامج التحليلية، والأعمال الوثائقية، والمحتوى التعليمي، والمواد الأرشيفية.

كرة القدم ليست مجرد تسعين دقيقة على شاشة، بل سجل مفتوح لتاريخ الشعوب. والأهداف التي هزت المدرجات، والانتصارات التي وحدت الجماهير، والهزائم التي صنعت الدروس، كلها محطات لا ينبغي أن تختفي خلف جدران التشفير إلى الأبد.

قد يكون من المشروع أن تمتلك شركة حق إذاعة مباراة، لكنها لا ينبغي أن تمتلك وحدها ذاكرة أمة بأكملها. فالمنتخبات والأندية ليست علامات تجارية فقط، بل مؤسسات تحمل تاريخًا وثقافةً وهويةً، ومن حق جماهيرها أن ترى هذا التاريخ محفوظًا ومتاحًا في إطار قانوني عادل يوازن بين الاستثمار والحق في المعرفة.

إن النقاش الحقيقي لم يعد حول تشفير المباريات، بل حول حدود هذا التشفير. فحين يصبح الوصول إلى التاريخ الرياضي نفسه مقيدًا، فإننا نكون قد انتقلنا من حماية الحقوق إلى احتكار الذاكرة، وبين الأمرين فرق كبير يستحق أن يكون محل نقاش جاد بين الاتحادات الرياضية، والمؤسسات الإعلامية، والجهات التشريعية، لأن تاريخ الرياضة لا يخص جيلًا واحدًا، بل هو إرث تتوارثه الأجيال.
---------------------------------
بقلم: إبراهيم خالد


استمع إلى المقال حوّل المقال إلى تجربة صوتية
مدة القراءة04:00
تعليقات


الطقس
القاهرة مصر
22.5°C
توقعات الساعات القادمة
22.5°C
21.7°C
21.0°C
20.4°C
19.8°C
19.3°C
إقرأ أيضا
هاكان فيدان يشيد بموقف مصر المسؤول عقب استهداف سفينتي طاقة في دمياط

ثمن وزير الخارجية التركي هاكان فيدان، الموقف المصري المتزن والمسؤول الذي اتخذته مصر عقب الهجوم...

نبيل فهمي يبحث أمين عام مجلس التعاون الخليجي تطورات القضايا العربية والإقليمية

استقبل نبيل فهمي، الأمين العام لجامعة الدول العربية، اليوم الخميس، جاسم محمد البديوي، الأمين العام ل...

رئيس حزب الوفد يوجّه بالاستعانة بالكوادر القبطية والشباب في تشكيلات الحزب بالمحافظات

وجّه الدكتور السيد البدوي شحاتة رئيس حزب الوفد دعوة عاجلة لجميع الأعضاء واللجان المكلفة بتشكيل اللجا...

نقيب الإعلاميين: ملتزمون بميثاق الشرف الإعلامي وبقرار المحكمة بحظر النشر في قضية التجمع الخامس

أصدرت نقابة الإعلاميين، برئاسة الإعلامي الدكتور طارق سعده، نقيب الإعلاميين، بيانًا بشأن الخطاب الوار...

الاكثر قراءة
إبراهيم فتحي ...مؤسس العناوين الكبرى

رحل عن عالمنا منذ أيام، المثقف، المناضل اليساري، المترجم، الناقد الادبي، والمفكر ابراهيم فتحي،...

لماذا ينظر الرجل إلى شفتي المرأة أثناء حديثها إليه؟

إذا كانت فتاة او سيدة قد لاحظت أن الرجل ينظر إلى شفتيها عندما تتحدث معه، فربما تتساءل عن السبب وماذا...

حوار مع رضا المكي "المنظر والمنظم": إعادة اكتشاف الرئيس قيس سعيد

هذه أسرار نجاح قيس سعيد يرويها زميل دراسته أقرب معاونيه خلال حملته الانتخابيةيضع رفض برلمان تونس الل...

في الجزء الثاني من حوار مطول.. مدحت الزاهد: قتل السياسة يفضي إلى انفجار

- الحياة السياسية، بعد أن تعرضت لحالة خنق، أشبه بعربة غرست فى الوحل.- مجتمع الصوت الواحد الذي يدار ب...

أسعار الذهب اليوم

السعر بالجنيه المصري

عيار 24
6,994ج.م
عيار 21
6,120ج.م
عيار 18
5,246ج.م
الجنيه الذهب
48,960ج.م
عرض جميع الأسعار

تابعونا


جارٍ التحميل...