على شفا حرب
دخل جو بايدن إلى النصف الثانى من عام رئاسته الأول ، وجرى تنصيب "إبراهيم رئيسى" رئيسا جديدا لإيران قبل أيام ، ولكن من دون إشارات أكيدة على قرب التوصل لإعادة العمل بالاتفاق النووى الإيرانى ، الذى خرجت منه واشنطن زمن ترامب فى أواسط 2018 ، وبادلتها طهران خروجا بخروج ، وخرقت نصوص التقييد فى الاتفاق ، وبالذات فيما يتعلق بنسب وكميات تخصيب اليورانيوم ، وإلى أن قفزت بنسبة التخصيب إلى 20% بدلا من 3.67% الواردة باتفاق 2015 ، وزادت فى الكميات إلى 20 مثلا تقريبا ، وهو ما يجعل طريق العودة لمفاوضات فيينا شائكا ملغوما ، فقد يجرى تأجيل إضافى لجولة المفاوضات السابعة المنتظرة ، خصوصا بعد اتهام واشنطن لإيران بقصف ناقلة إسرائيلية تجارية بالطائرات المسيرة ، وقتل رجل أمن بريطانى وبحار رومانى كانا على متنها ، إضافة لمحاولات خطف سفن أخرى فى خليج عمان ، وهو ما يستدعى ردا جماعيا تعهدت به واشنطن ، إضافة لإطلاق يد إسرائيل فى الرد العسكرى الذى تريده ، وبضوء أخضر صريح معلن من جانب إدارة بايدن هذه المرة .
والمعنى ببساطة ، أن علاقات واشنطن بإيران ، قد تنقلب موازينها ، سواء جرى الرد عبر هجمات إلكترونية واستخباراتية على منشآت إيران العسكرية والنووية ، أو عبر توجيه ضربات انتقائية مؤثرة على جماعات إيران فى العراق وسوريا ، وبما يستثير سلاسل ردود من إيران ، تبدو متحفزة إليها ، مع تولى "إبراهيم رئيسى" الموصوف بالتشدد ، وخطابه الحماسى فى حفل التنصيب ، وتأكيد طاعته لتعليمات المرشد الإيرانى على خامنئى ، وتعهده بعدم ترك مصير إيران رهنا لقرارات الأجانب ، فى إشارة ظاهرة لاحتمالات مضافة لتعثر العودة للاتفاق النووى ، واستمرار فرض الحظر على تصدير البترول الإيرانى ، وربما لجوء إيران إلى رفع نسبة التخصيب مجددا إلى نحو ستين بالمئة ، والاتجاه أكثر لتوثيق الصلات التحالفية مع بكين وموسكو ، والمضى قدما فى برنامج تصنيع القنبلة الذرية ، خصوصا بعد اعتذار الرئيس السابق حسن روحانى للشعب الإيرانى ، وإشهار ما يشبه النعى لجهود رفع العقوبات عن إيران ، وتأكيده على عجز الإعلام الإيرانى فى مواجهة الحرب النفسية ، التى يشنها أعداء طهران بحسب تعبيره ، وهو ما بدا معه روحانى الموصوف بالاعتدال ، وكأنه يتوقع مزيدا من إظلام الصورة الإيرانية ، مع عودة الانتفاضات والقلاقل الاجتماعية والعرقية إلى الداخل الإيرانى ، ومع عودة "التشدد" لحكم إيران ، وهو ما وصفه روحانى بأنه لا يفيد ، وكأنه يلقى بكرة النار إلى ملعب خلفه "رئيسى" ، وربما ضمنيا إلى ملعب المرشد خامنئى نفسه ، وكأن روحانى يغسل يده من متاعب ثقيلة تنتظر بلاده فى قابل الأيام .
وعلى جانب واشنطن ، تظل القصة أكثر تعقيدا ، فالرئيس بايدن يبدو راغبا فى العودة لإتفاق 2015 ، الذى عقده رئيسه السابق باراك أوباما ، وحجته التى لا يفتأ يرددها ، أن نصوص الاتفاق أفضل طريقة متاحة لكسب الهدف ، وهو تعطيل اندفاع البرنامج النووى الإيرانى ، لكن بايدن يبدو مترددا فى دفع العجلات على طريق التفاوض ، الذى يجرى مع إيران على نحو غير مباشر ، وعبر شركاء الاتفاق الآخرين بريطانيا وفرنسا وألمانيا وروسيا والصين ، وقد جرى مرارا حديث عن تقدم فى المفاوضات ، وعن قرب الوصول لنهاية الشوط ، ولكن مع عقبات مزادة تتضافر تباعا ، تأتى غالبا من أطراف اللوبى الإسرائيلى عظيم النفوذ فى واشنطن ، ومن أنصار الرئيس السابق دونالد ترامب فى الحزب الجمهورى ، الذين لا تفتر همتهم فى مطاردة بايدن وحزبه الديمقراطى ، خصوصا مع بدء العد التنازلى لمواعيد انتخابات التجديد النصفى لمجلسى الكونجرس فى نوفمبر من العام المقبل ، وعودة دعاية ترامب للانتعاش مع إنشاء منصته الإلكترونية الخاصة ، وخلو ساحة الحزب الجمهورى من قيادة تطمح لخلافة ترامب ، الذى يخوض ويواصل معركته الثأرية مع بايدن ، وهو ما يؤثر بشدة على تصرفات الرئيس وقراراته ، وبالذات فى الموضوع الإيرانى ، ويجعل إرث ترامب ضاغطا عليه ، ويعوق فرص الإدارة الأمريكية الحالية فى استعادة اتفاق الصفقة مع طهران ، على نحو ما أشرنا إليه ، حتى قبل تنصيب رئاسة بايدن فى حفل البيت الأبيض يوم 20 يناير الماضى ، فقد نشرنا مقالا فى نفس هذا المكان بتاريخ 9 يناير 2021 ، كان عنوانه "لعنة ترامب الإيرانية" ، وقلنا فيه بالنص "صحيح أن بايدن أعرب عن استعداده المبدئى للعودة إلى الاتفاق النووى الإيرانى ، وصحيح أن إيران تستبشر خيرا بالإدارة الأمريكية الجديدة ، لكن لعنة ترامب التى أصابت اتفاق 2015 ، وانسحابه منه أواسط 2018 ، وفرضه لعقوبات الضغط الأقصى ، كلها مآزق مستحكمة ، تجعل العودة للاتفاق الأصلى احتمالا غير قريب ولا أكيد" ، وهو عين ماجرى فى المحصلة حتى اليوم ، وقد لا نضيف جديدا ، إذا توقعنا تدحرج فرص الوصول لاتفاق مع طهران ، ربما إلى نهاية عام بايدن الأول فى الرئاسة ، هذا إذا لم تنزلق التطورات الجارية إلى الاتجاه المعاكس ، وتزيد نذر التهديد بنشوب حروب جديدة ، تضع المنطقة كلها على شفا جرف مستعر .
وبرغم غياب بنيامين نتنياهو عن المشهد الأمامى فى كيان الاحتلال الإسرائيلى ، وما بدا من ترحيب واشنطن الضمنى ، وتولى "نفتالى بينيت" رئاسة وزراء إسرائيل بأغلبية حرجة صنعت على عجل ، وإرهاب نتنياهو لرجله السابق "بينيت" ، وإشهار تحديه بمعارضة سعى واشنطن لتجديد الاتفاق مع إيران ، وهو التحدى الذى قبله "بينيت" علنا ، وبتواصل حثيث خفيض الصوت مع واشنطن ، ومضاعفة تفاهم وزير حربه "بينى جانتس" مع جنرالات واشنطن ، والحصول على "ضوء أخضر" من البيت الأبيض ، مفاده إطلاق يد "تل أبيب" فى مواجهة طهران ، ومواصلة التعاون الاستخبارى ، وتزويد واشنطن لإسرائيل بصفقات سلاح متطور جديدة ، وبالذات مع لجوء طهران إلى دفع جماعاتها لمطاردة الوجود الأمريكى بالعراق ، ثم خروج خطط واشنطن وتل أبيب إلى العلن ، بعد حادث الناقلة الإسرائيلية الأخير ، وبرغم إنكار طهران رسميا لمسئوليتها عن الحادث ، إلا أن تقارير المخابرات الإسرائيلية والأمريكية والبريطانية بدت متطابقة ، وكلها توصى بضرورة الرد المؤلم لطهرن ، ربما فى داخل إيران نفسها ، وهو ما تعهدت به واشنطن رسميا فى تصريحات وزير خارجيتها "أنتونى بلينكن" ، وقد تخرج لعبة التضاغط الخشن عن حدودها الحمراء ، خصوصا مع التهاب أعصاب صناع القرار بطهران ، وتهديدهم بإشعال حدائق النار ، من البحر المتوسط حتى ضفاف الخليج ، وبطول وعرض أقطار المشرق العربى من لبنان إلى سوريا فالعراق ، وهم الضحايا المفضلون المختارون لحروب التطاحن المحتملة ، ومن دون وجود كوابح فرملة أكيدة الأثر ، فاهتمامات الصين بالمنطقة تجارية واقتصادية غالبا ، واهتمامات روسيا محصورة فى حماية مناطق نفوذها بسوريا ، وموسكو ليست مستعدة للدخول فى صدام حربى دفاعا عن إيران ، والأخيرة تحظى بنفورشعبى ظاهر فى أغلب أقطار المشرق والخليج العربيين ، فالعرب هم وقود لحرب ، وليسوا صناعها ، وإن كانت بلادهم ملاعب مفتوحة لمبارزات حربية جرت أو تجئ ، والرءوس الحامية فى طهران محشورة فى مأزق ، قد لا تجد مخرجا قريبا منه ، سوى فى ألعاب نار ، قد يرون أنها تغير الموازين ، وتحسن فرص التوصل اللاحق لتسوية نووية .
"عيش" المصريين
قطاع واسع من الرأى العام فى مصر ساخط هذه الأيام ومعه حق .
السبب ـ طبعا ـ اتجاه الرئيس السيسى المعلن إلى رفع سعر رغيف الخبز المدعوم شبه المجانى ، وبهدف تمويل برنامج وجبة غذائية يومية مجانية لطلاب المدارس ، وبقيمة 8 مليارات جنيه سنويا ، وهو ما كان سهلا توفيره من موارد أخرى كثيرة ، أو بإنهاء تضخم ظاهرة المستشارين بغير لزوم فى الجهاز الحكومى المترهل .
القصة ـ إذن ـ أبعد من تدابير مالية فى موازنة بلد تريليونية الأرقام ، وفيها تفاوت ثروات مرعب ، وكتلة متسعة من المواطنين تحت خط الفقر ، تقدرها المراجع الرسمية بنحو ثلاثين مليون مصرى ، لا تكفى برامج دعم الغذاء وبطاقات التموين وكفالة الخبز والحماية الاجتماعية وغيرها ، لا تكفى كل هذه الأساليب لانتشالهم من قاع الفقر ، ولا بديل عن تنمية إنتاجية عادلة ، تعطى اهتمامها الأول للتصنيع الشامل ونقل التكنولوجيا المتطورة ، خصوصا مع توافر موارد مالية هائلة ، جرى إنفاق ستة تريليونات جنيه منها ، أى نحو 400 مليار دولار ، على مشاريع عمران وطاقة وبنية أساسية ومدن من الجيل الرابع وأبراج وفنادق ومزارع وقليل من المصانع .
الخلل ـ إذن ـ فى انحيازات الحكم الاجتماعية لا فى الإنجازات المرئية ، وفى تحميل الفقراء والطبقات الوسطى غلاء وأعباء فوق الطاقة ، ليست قصة رفع سعر رغيف " العيش " المدعوم إلا نقطة مضافة فى فيض مظالمها .
----------------
بقلم: عبد الحليم قنديل
الطقس
إقرأ أيضا
هاكان فيدان يشيد بموقف مصر المسؤول عقب استهداف سفينتي طاقة في دمياط
ثمن وزير الخارجية التركي هاكان فيدان، الموقف المصري المتزن والمسؤول الذي اتخذته مصر عقب الهجوم...
نبيل فهمي يبحث أمين عام مجلس التعاون الخليجي تطورات القضايا العربية والإقليمية
استقبل نبيل فهمي، الأمين العام لجامعة الدول العربية، اليوم الخميس، جاسم محمد البديوي، الأمين العام ل...
رئيس حزب الوفد يوجّه بالاستعانة بالكوادر القبطية والشباب في تشكيلات الحزب بالمحافظات
وجّه الدكتور السيد البدوي شحاتة رئيس حزب الوفد دعوة عاجلة لجميع الأعضاء واللجان المكلفة بتشكيل اللجا...
نقيب الإعلاميين: ملتزمون بميثاق الشرف الإعلامي وبقرار المحكمة بحظر النشر في قضية التجمع الخامس
أصدرت نقابة الإعلاميين، برئاسة الإعلامي الدكتور طارق سعده، نقيب الإعلاميين، بيانًا بشأن الخطاب الوار...
الاكثر قراءة
فيديو .. د. فادي نصر خبير التجميل: 9 أشياء يجب معرفتها قبل الفيلر
أكد الدكتور فادي نصر خبير التجميل ومديرمركز غلامور الطبي بالرياض أن هناك 9 أشياء يجيب معرفتها قبل عم...
رسالة مفتوحة إلى فخامة الرئيس
سيدي الرئيس: "إنَّ الوصيةَ لو تُرِكَتْ لفضلِ أدبٍ، تُرِكَتْ لذلك منكم"، وإنَّ النصيحة لو ح...
الصبي والبلطجي!!
قبل عدة عقود ظهرت ألغام بحرية في البحر الأحمر هددت مسارات الملاحة الدولية.. واضطرت شركات كثيرة لتوجي...
حكم الإفرازات البيضاء التي يميل لونها إلى الصفرة
السؤال:كنت قد سألتكم منذ مدة طويلة عن هذا الموضوع، والآن أسال في نفس الموضوع، ولكن بعد بحث طويل فيه...
أسعار الذهب اليوم
السعر بالجنيه المصري