الثلاثاء، 03 نوفمبر 2026 القاهرة 21°C
رئيس التحرير مجدي شندي
عبدالغفار شكر

عبدالغفار شكر

ربما لا يكون لهذا المقال من مناسبة ، سوى أن المعنى به لايزال يعيش بيننا* ، وندعو الله أن يمد فى عمره ، وأن يظل يضئ حياتنا ، فهو كيان إنسانى عظيم التفرد ، يصعب أن نعطى له لقبا ونكتفى به ، وقد فكرت أن أكتب عنوانا لمقالى عنه ، وخطرت فى ذهنى ألقاب بينها "مفتى اليسار" و"معلم الأجيال" و"الرجل الذهبى" ، ثم وجدت عسرا  فى أن أكتفى بأى لقب أو عنوان ، ووجدت الكفاية كلها فى ذكر اسمه الجليل "عبدالغفار شكر" .  

  هو رجل البسالة الإنسانية بلا ضجيج ، وبوسعه أن يضفى حتى على الأشياء الجامدة حيوية متدفقة ، تأمل ـ مثلا ـ مقاله الموسوم "مجتمع الكراسى المتحركة" ، وقد نشرته له "الأهرام" فى 14 نوفمبر 2015 ، مع اكتمال عام بالضبط على اكتشافه إصابته بجلطة فى المخ ، وهو يصحبك من غرفة نومه التى فوجئ فيها بما جرى فجرا ، إلى عيادات الأطباء ، وإلى صالة العلاج الطبيعى ، فقد أصبح من ذوى الكراسى المتحركة على مدى شهور طويلة ، لا تلحظ فيها أنه يشكو من ألم ، أو يتخوف من عجز ، بل تصحبك وجوه أطبائه ، ويرسم لهم صورا مؤثرة ، تجعلهم من أصدقائه وأصدقائك ، مع أقسام العلاج بالماء والعلاج بالعمل فى مركز عسكرى يضج بالمدنيين والمجندين ، وهيئة التمريض من العقيد "سهير" إلى الصول "جيهان" والنقيب "رشا" ، ولا ينسى بطله مساعد التمريض المتفائل "وجيه" ، الذى كان صوت غنائه الصباحى من آخر الممر ينشر الارتياح  فى النفوس الحالمة بالشفاء ، وبينها نفس "راقصة الباليه" التى أصابها فيروس فتخشب جسمها ، وفى نهاية مقطوعة التعاطف الإنسانى العذبة ، يقول لك عبدالغفار شكر خلاصته ببساطة ، ويلخص العبرة والعظة بقوله نصا "ما أعيشه الآن هو تجربة إنسانية . لم أشعر خلالها باليأس أو بالإحباط . ولكنى أتمسك بالأمل فى الشفاء . وعلى استعداد لترتيب أولوياتى وحياتى على ضوء الوضع الطبى الجديد" .

  أعدت قراءة المقال مرات ، وتذكرت أننى جبنت وتراجعت ، ولم أكن من الأصدقاء الذين زاروا عبدالغفار شكر فى رحلة العلاج ، واكتفيت بالاطمئنان عبر هاتف ابنته الوحيدة "أميمة" ، فلم أكن أجرؤ على رؤيته فى وضع الضعف ، وهو الرجل الذى عرفته أكبر من كل ضعف ، كنت طالبا فى جامعة المنصورة ، وانضممت لحزب التجمع أواخر سبعينيات القرن العشرين ، وكنت أسيرا لشخصية عبدالغفار شكر بالذات ، لم يكن الرجل وقتها من الأسماء الرنانة التى تتداولها الصحف والإذاعات ، لكنه كان حزبا فى رجل ، كان طاقة عمل ديناميكى معجزة ، وذهنا مرتبا صافيا ، كان ينطق الكلمات فى سلاسة كأنه يتلوها من اللوح المحفوظ ، وكانت أغلب وثائق التجمع ولوائحه وتقاريره الأساسية من صناعة يده ، لا تلحظ اهتزازا ولا شطبا فى كلماته الناصعة المنسابة فوق ورق مسطر بعناية ، وكان بوسعه أن يكتب بيانا سياسيا ضافيا بليغا دقيقا فى ثلاث دقائق ، كان الرجل فى نصف عمره الآن ، وكان مثالا مبهرا يشدنى إليه ، وسرعان ما وجدت نفسى زائرا مرحبا به فى بيته ، لم يكن بيتا مما تتوقع لابن عمدة قرية "تيرة" الذى مات فى حربه مع الإقطاع ، بل مجرد شقة متواضعة فى المساكن الشعبية المطلة على نيل "طلخا" المواجهة لأضواء "المنصورة" ، كنت أناقش الرجل فى حدة أحيانا ، وكان يرد بوضوحه وهدوئه الذى غلبنى ، وجعلنى معتادا على المشى معه عبر "الكوبرى" العتيق فوق النيل ، وإلى حيث مقر ندوة "الأربعاء" فى حزب التجمع أعلى مقهى "أندريا" الشهير ، كان شكر هو مؤسس الندوة، وقد أسس مثلها فى المقر الرئيسى لحزب التجمع وسط القاهرة ، كان الرجل يقضى نصف يومه هنا والنصف الآخر هناك، ولم ألحظ تعبا على الرجل الأربعينى وقتها ، وإلى أن أصابنى الفزع على السلم متسع الدرجات فى المبنى "الباشاواتى" العريق ، كان شكر يصعد فى تؤدة ظاهرة إلى حيث مقر "التجمع" بالمنصورة ، كانت تؤدة الرجل منضبطة كانتظامه العملى الفائق ، وكنت نادرا ما أعبر عن فضولى ، لكنى تورطت فسألته ، وكان الجواب مفاجأة ، فقد أخبرنى الرجل بهدوء عن السبب فى تؤدته بصعود السلم المضاء ، وقال أنه أصيب بأول ذبحة صدرية فى الثلاثين من عمره ، ولم يكن أمامى سوى أن أصدق الصادق ، برغم أن أحدا كان لا يمكنه أن يتوقع ، فقد كان الرجل يبذل نشاطا لا يستطيعه أشد الأصحاء ، وهو الذى تولى تربية وتثقيف قرابة النصف مليون مصرى بمنظمة الشباب الاشتراكى فى الستينيات ، بدأ الرحلة الشاقة وعمره أقل من الثلاثين ، ولم تمنعه الذبحات الصدرية المتوالية من مواصلة أشواط تثقيف الأجيال وراء الأجيال، وبصورة مكثفة لا تصدق معها أنه يكاد يناهز الثمانين الآن .

  وقد تأثرت بمئات الكتب التى قرأتها ، وبعشرات الكتاب والمفكرين والسياسيين ، منهم من أحب ومن أكره ، لكنى لم أعترف بالأستاذية لأحد سوى لعبدالغفار شكر الذى خالفته مرات ، وقد كتبت ممتنا لأستاذيته قبل عشرين سنة من الآن ، وقبل أن تلهج الألسنة بذكر اسمه ، وتعرف كتبه التى تأخر صدورها باسمه طويلا ، فقد كان الرجل يكتب ويكتب دون أن يضع اسمه ، وكانت كتبه ـ بدون اسمه ـ أشبه بالمقررات الدراسية الأساسية لأحزاب ومنظمات اليسار المصرى العلنية والسرية ، ولم يضع الرجل اسمه سوى فى مرحلة متقدمة من عمره ، وعلى الكتب التى لا يتصور أحد أن تصدر سوى عن عبد الغفار شكر ، ومن أول "التحالفات السياسية" و"تجديد الحركة التقدمية" فى سنوات التسعينيات ، وإلى تجربة "منظمة الشباب" و"الطليعة العربية" فى السنوات والشهور الأخيرة ، فالرجل لا يدبج مقالات ، ولا يؤلف كتبا يبحث لها عن مصادر ، بل يكتب نفسه باقتصاد ودقة ، فهو من أغزر المفكرين والمثقفين إنتاجا وتأثيرا ، لكن أحدا لا يجاريه فى دور المثقف (بكسر القاف) ، وهو الوحيد الذى أنشأ "مدرسة تثقيف" سياسية مصرية بالغة الكمال والامتياز ، لا تغلق أبوابها أبدا فى وجوه الطالبين .

* (سبق نشر هذا المقال في 1/12/2015 ونعيد نشره تحية لروح الراحل الكريم) 

---------------------

عبدالحليم قنديل

[email protected]

استمع إلى المقال حوّل المقال إلى تجربة صوتية
مدة القراءة06:06
تعليقات


الطقس
القاهرة مصر
21.0°C
توقعات الساعات القادمة
21.0°C
20.4°C
19.8°C
19.3°C
18.9°C
19.0°C
إقرأ أيضا
هاكان فيدان يشيد بموقف مصر المسؤول عقب استهداف سفينتي طاقة في دمياط

ثمن وزير الخارجية التركي هاكان فيدان، الموقف المصري المتزن والمسؤول الذي اتخذته مصر عقب الهجوم...

نبيل فهمي يبحث أمين عام مجلس التعاون الخليجي تطورات القضايا العربية والإقليمية

استقبل نبيل فهمي، الأمين العام لجامعة الدول العربية، اليوم الخميس، جاسم محمد البديوي، الأمين العام ل...

رئيس حزب الوفد يوجّه بالاستعانة بالكوادر القبطية والشباب في تشكيلات الحزب بالمحافظات

وجّه الدكتور السيد البدوي شحاتة رئيس حزب الوفد دعوة عاجلة لجميع الأعضاء واللجان المكلفة بتشكيل اللجا...

نقيب الإعلاميين: ملتزمون بميثاق الشرف الإعلامي وبقرار المحكمة بحظر النشر في قضية التجمع الخامس

أصدرت نقابة الإعلاميين، برئاسة الإعلامي الدكتور طارق سعده، نقيب الإعلاميين، بيانًا بشأن الخطاب الوار...

الاكثر قراءة
لماذا ينظر الرجل إلى شفتي المرأة أثناء حديثها إليه؟

إذا كانت فتاة او سيدة قد لاحظت أن الرجل ينظر إلى شفتيها عندما تتحدث معه، فربما تتساءل عن السبب وماذا...

إبراهيم فتحي ...مؤسس العناوين الكبرى

رحل عن عالمنا منذ أيام، المثقف، المناضل اليساري، المترجم، الناقد الادبي، والمفكر ابراهيم فتحي،...

الذبح لمن استطاع سبيلا

بعد سيطرة ضباط يوليو1952على مصر..وبعد انتشار(شعارات العروبة) والقومية العربية.. وتوأمتها الوحدة العر...

البحث عن «أمل» في "جمهورية الخوف"

لم يخطر ببال الشاعر الراحل سيد حجاب عندما صاغ ديباجة دستور 2014، أن مجرد التفكير في المشاركة السياسي...

أسعار الذهب اليوم

السعر بالجنيه المصري

عيار 24
6,988ج.م
عيار 21
6,114ج.م
عيار 18
5,241ج.م
الجنيه الذهب
48,912ج.م
عرض جميع الأسعار

تابعونا


جارٍ التحميل...