عبدالراضي عبدالمحسن بين الأصالة والمعاصرة !
أؤكد أنه لا يكفي مقالٌ واحدٌ للحديث عن دار العلوم الصرح والعمادة، أيا كان العميد، فكلّهم خيارٌ من خيار، وحيث إنه سبق لنا الحديثُ عن دار العلوم كصرحٍ ضمَّ بين جنباته أعلاما ومفكرين ملأوا الدنيا وشغلوا الناس في شتي جوانب الفكر وسائر صنوف المعرفة، فإنّ المقام الآن، يقتضي الحديث عن ربانِ من ربابنة ذلك الصرح، والذي قاد دفة سفينته في فترة عصيبة؛ للوصول بها إلى برّ الأمان، وتفادي أعاصير مدمرة وأمواج فتّاكة بحرفية واقتدار يثبتان أن العظائم كفؤها العظماء.
أثبتت جهودُ ودأب أ. د عبد الراضي عبد المحسن عميد كلية دار العلوم بالقاهرة السابق أنّ عمادته للدار كانت ذا هدف ورسالة، وأنها لم تكن مجرد دورة أو دورتين، يسير فيهما علي نهج أسلافه وفقط دون ابتكار، بل إنه حمل همَّا هو بالنسبة له قضيةُ حياة أو موت، وهو (استعادة الوعي)، التي تمزج بين الأصالة والمعاصرة، وهي قضيةٌ رنا إليها أ. د عبد الراضي بناظريه، وانطلق نحوها يُوسع الخطى، مبتدئا من حيث انتهي الآخرون من عمداء الدار الأفذاذ، مُستحضرا في ذلك قول المتوكل الكناني :
نبنـــــــــــي كما كانت أوائلُنا ... تبنــــــــــي ونفعل مثلما فعلوا .
لم يكن تطلع عبد الراضي عبد المحسن للمعاصرة من فراغ، بل استلهم ذلك من التراث والواقع المعاصر أيضا.
أما التراث، فيعلم الرجلُ علمَ اليقين بوصفه أحد رموز الفكر الإسلامي المعاصر أنّ ديننا دينٌ عالمي يحضُ علي الانفتاح علي الآخر، وإعطائه والأخذ منه، مادام المسلمُ مُحافظا علي هويته مُستمسكا بدينه وعقيدته، وهذا ما يُبين لنا كيف انتشر الإسلامُ كالنار في الهشيم في شتي بقاع الأرض، وكيف انخرط المسلمون مع تلك الشعوب المفتوحة مع حفاظهم علي عقيدتهم ودينهم.
وفيما يتعلق بالواقع المعاصر، فقد رأي الرجلُ كيف صار العالم؛ بفضل وسائل التواصل أشبه بقرية واحدة يتحتمُ علي سكانها التعاون والتعايش بشتى صوره وأشكاله: من فكري ومعرفي واقتصادي واجتماعي وخلافه.
والمتأملُ في سيرة الرجل، يري كيف مدَّ الرجلُ بصره للمعاصرة دون أن يغوص في أوحالها بفضل مرجعيته الدينية، التي حالت بينه وبين الشطط، فرغم معايشته المجتمع الألماني أثناء دراسته للدكتوراه، إلا أنه جنى العسل دون أن يكسر الخلية، وأخذ من المجتمع الأوروبي ما يُفيده، وأغمض عينيه عن كل ما يخالف عقيدته ودينه.
حصل أ. د عبد الراضي علي الدكتوراه من جامعتي بامبرج والقاهرة، وتدرج في السلم الوظيفي، ليعتلي ذروة سنام صرح دار العلوم العريق؛ بفضل همته العالية، تلك الهمة التي أظنه يستحضرُ فيها قولَ المتنبي:
إِذا غامَرتَ في شَرَفٍ مَرومٍ … فَلا تَقنَـــع بِما دونَ النُجـــــومِ
فَطَعمُ المَوتِ في أَمرٍ صَغيرٍ … كَطَعمِ المَوتِ في أَمر عَظيمِ
والمدهشُ – وهذا يعرفه كلّ من عامل د. عبد الراضي عبد المحسن – أنه جمع إلي غزارة العلم شدة الحلم، وإلي حزم العمادة رحمة الأبوة، فما أغلق بابه في وجه طالب، وما وضع حواجز بينه وبين سائل، يهتمُ لجلائل الأمور، دون أن ينسي صغيرها، ويهش للقاء الصغير قبل الكبير، ومواقفه مشهودةٌ ومعلومة للقاصي والداني.
تبنّى أ. د عبد الراضي مشروع (استعادة الوعي)، الذي ينشد بناء جيلٍ وطنيٍ قادر علي المشاركة الفعالة في إنجاز مشروع النهضة، واللحاق بعصر الثورة الصناعية الحديثة.
ونشد فيما نشد تعريفَ العقول بوسطية الإسلام، وسماحة الأديان؛ لتفريخ أجيال ترفض التعصب، وتمقت التطرف من خلال ما يدرسونه من علوم تدعو إلي الوسطية والاعتدال، ومن خلال الأنشطة والفعاليات التي يدعى إليها ذوو الرأي والخبرة في كلّ الميادين؛ ليساهموا في تعليم طلاب الدار وتثقيفهم؛ ليخرجوا أكثر وعيا وقدرة علي حمل راية مصر الجديدة، التي هي شغلُ القيادة السياسية الشاغل، وإحياءٌ لفكرة محمد علي باشا باني مصر الحديثة.
----------------------
بقلم: صبري الموجي
* مدير تحرير الأهرام
الطقس
إقرأ أيضا
هاكان فيدان يشيد بموقف مصر المسؤول عقب استهداف سفينتي طاقة في دمياط
ثمن وزير الخارجية التركي هاكان فيدان، الموقف المصري المتزن والمسؤول الذي اتخذته مصر عقب الهجوم...
نبيل فهمي يبحث أمين عام مجلس التعاون الخليجي تطورات القضايا العربية والإقليمية
استقبل نبيل فهمي، الأمين العام لجامعة الدول العربية، اليوم الخميس، جاسم محمد البديوي، الأمين العام ل...
رئيس حزب الوفد يوجّه بالاستعانة بالكوادر القبطية والشباب في تشكيلات الحزب بالمحافظات
وجّه الدكتور السيد البدوي شحاتة رئيس حزب الوفد دعوة عاجلة لجميع الأعضاء واللجان المكلفة بتشكيل اللجا...
نقيب الإعلاميين: ملتزمون بميثاق الشرف الإعلامي وبقرار المحكمة بحظر النشر في قضية التجمع الخامس
أصدرت نقابة الإعلاميين، برئاسة الإعلامي الدكتور طارق سعده، نقيب الإعلاميين، بيانًا بشأن الخطاب الوار...
الاكثر قراءة
120 عاما على ميلاد محمد عبدالوهاب .. امتزج بالوجدان فاستعصى على الغياب
كعادة كل الأشياء العظيمة ، وجودها صعب، نادر.. وملفت ، كنبتة تزهر في الصخر أو نجم الثريا وسط سماء واس...
في الجزء الثاني من حوار مطول.. مدحت الزاهد: قتل السياسة يفضي إلى انفجار
- الحياة السياسية، بعد أن تعرضت لحالة خنق، أشبه بعربة غرست فى الوحل.- مجتمع الصوت الواحد الذي يدار ب...
حوار مع رضا المكي "المنظر والمنظم": إعادة اكتشاف الرئيس قيس سعيد
هذه أسرار نجاح قيس سعيد يرويها زميل دراسته أقرب معاونيه خلال حملته الانتخابيةيضع رفض برلمان تونس الل...
رسالة مفتوحة إلى فخامة الرئيس
سيدي الرئيس: "إنَّ الوصيةَ لو تُرِكَتْ لفضلِ أدبٍ، تُرِكَتْ لذلك منكم"، وإنَّ النصيحة لو ح...
أسعار الذهب اليوم
السعر بالجنيه المصري