عارٌ أن نُصدّر الرحمة
في الوقت الذي تسعى فيه الأمم إلى ترسيخ قيم الإنسانية والرفق بالحيوان، فوجئنا خلال الأيام الماضية بجدل واسع حول مقترحات تتعلق بتصدير الكلاب الضالة إلى الخارج، وكأن هذه المخلوقات أصبحت عبئاً يجب التخلص منه بأي وسيلة، أو سلعة يمكن المتاجرة بها تحت أي مبرر.
الحقيقة أن القضية ليست قضية كلاب ضالة فقط، بل قضية ضمير وأخلاق وصورة دولة أمام نفسها وأمام العالم.
من حق المجتمع أن يبحث عن حلول لمشكلة الكلاب الضالة، ومن حق المواطنين أن يشعروا بالأمان في الشوارع والميادين، لكن ليس من حق أحد أن يحول مخلوقات حية إلى بضائع تُشحن عبر الحدود لمصير مجهول، خاصة مع ما يتردد عن إمكانية وصولها إلى دول تُستخدم فيها الكلاب كمصدر للغذاء. هنا لا نتحدث عن إدارة أزمة، بل عن أزمة قيم.
لقد خلق الله كل مخلوق لحكمة، وجعل الرحمة أساس التعامل مع الإنسان والحيوان على السواء. وما يميز المجتمعات المتحضرة ليس فقط حجم مشروعاتها أو قوة اقتصادها، بل قدرتها على حماية الضعفاء، حتى وإن كانوا من الحيوانات التي لا تملك صوتاً للدفاع عن نفسها.
المؤسف أن البعض يحاول تقديم تصدير الكلاب باعتباره حلاً سحرياً لمشكلة معقدة، بينما الحلول العلمية والإنسانية معروفة وواضحة في دول العالم المتقدمة. برامج التعقيم والتطعيم والإيواء والتبني وتنظيم أعداد الحيوانات الضالة أثبتت نجاحها في عشرات الدول، وحققت التوازن بين حماية المواطنين والحفاظ على حقوق الحيوان دون اللجوء إلى حلول تفتقد البعد الأخلاقي.
إن مصر، بتاريخها وحضارتها وقيمها الدينية والإنسانية، لا يمكن أن تكون جزءاً من مشهد تُعامل فيه الكائنات الحية باعتبارها شحنات للتصدير أو أرقاماً في دفاتر التجارة. فالدولة التي تحترم الإنسان لا بد أن تحترم أيضاً حق الحيوان في الحياة والمعاملة الرحيمة.
الأخطر من ذلك أن مثل هذه الأفكار ترسل رسالة سلبية للأجيال الجديدة، مفادها أن التخلص من المشكلة أهم من البحث عن حل إنساني لها. وهذا منطق خطير، لأن المجتمعات التي تتخلى عن الرحمة مع الحيوان يسهل عليها لاحقاً أن تتخلى عنها في مجالات أخرى.
لسنا ضد معالجة ظاهرة الكلاب الضالة، ولسنا ضد حماية المواطنين، لكننا ضد أن يكون الحل على حساب القيم والأخلاق والإنسانية. فبين الإدارة الرحيمة للأزمة والتخلص القاسي منها فارق كبير، والفارق هو ما يصنع صورة الأمم المحترمة.
إن الرحمة ليست شعاراً نرفعه في المناسبات، بل اختبار حقيقي لأخلاق المجتمع. واليوم نحن أمام هذا الاختبار.
فإما أن نختار طريق الحضارة والإنسانية والحلول العلمية، وإما أن نقبل بتحويل مخلوقات ضعيفة إلى سلعة تُباع وتُشحن وتُستبدل.
وأثق أن ضمير الشعب المصري، الذي عُرف عبر تاريخه بالشهامة والرحمة، لن يقبل أبداً أن تكون الرحمة هي الشيء الوحيد الذي يتم تصديره خارج حدود الوطن.
-----------------------------------
بقلم : محمد عبدالمجيد هندي
الطقس
إقرأ أيضا
هاكان فيدان يشيد بموقف مصر المسؤول عقب استهداف سفينتي طاقة في دمياط
ثمن وزير الخارجية التركي هاكان فيدان، الموقف المصري المتزن والمسؤول الذي اتخذته مصر عقب الهجوم...
نبيل فهمي يبحث أمين عام مجلس التعاون الخليجي تطورات القضايا العربية والإقليمية
استقبل نبيل فهمي، الأمين العام لجامعة الدول العربية، اليوم الخميس، جاسم محمد البديوي، الأمين العام ل...
رئيس حزب الوفد يوجّه بالاستعانة بالكوادر القبطية والشباب في تشكيلات الحزب بالمحافظات
وجّه الدكتور السيد البدوي شحاتة رئيس حزب الوفد دعوة عاجلة لجميع الأعضاء واللجان المكلفة بتشكيل اللجا...
نقيب الإعلاميين: ملتزمون بميثاق الشرف الإعلامي وبقرار المحكمة بحظر النشر في قضية التجمع الخامس
أصدرت نقابة الإعلاميين، برئاسة الإعلامي الدكتور طارق سعده، نقيب الإعلاميين، بيانًا بشأن الخطاب الوار...
الاكثر قراءة
مقاول يوهم المسؤولين في قنا بالتبرع لإعادة بناء 3 مدارس ثم يهرب بعد هدمها والاستيلاء على مخلفاتها
شهدت مدينة نجع حمادى بشمال قنا واقعة غريبة، كشفتها تقارير رقابية، حيث تعرضت مديرية التربيه والتعليم...
مهام البناء على المتاح
من الخطل التهليل فخراً بتحقيق حلم شعار الثورة في مدنية السلطة واقعاً. ذلك إنجاز لن يتحقق مالم يتحرر...
"سوبيبور" عرض مسرحي في القاهرة يزيف التاريخ ويستجدي التعاطف مع يهود الهولوكوست
لا يوجد نص أدبي تأتي فكرته من الفراغ، فأي كاتب حتى من يكتب الكوميديا تكون لديه رسالة أو هدف مما يكتب...
مسيرة لـ" النهوض بالأزهر " تطالب بدمج أجهزة الدعوة
نظم " ائتلاف النهوض بالأزهر " مظاهرة انطلقت بعد صلاة الظهر من مسجد الفتح برمسيس إلى ميد...
أسعار الذهب اليوم
السعر بالجنيه المصري