عاجل ثانٍ إلى سيادة الرئيس : فَلْتَحيا مصرُ عزيزةً أبيَّة !!
لم تكن مقولة الرئيس السادات الأشهر (حرب أكتوبر هي آخر الحروب) أكثر من تصريح ضمن منظومة تطمينية داعمة ومسهلة للتفاوض مع الكيان الصهيوني ؛ للتمهيد لإبرام معاهدة السلام المصرية الإسرائيلية . وهي مقولة – مثلما يفهم الساسة و العسكريون – تتناقض تماما مع قواعد الاستراتيجية الراسخة ؛ فالدول تبقى دائما معرضة للاعتداء من جانب الأعداء الدائمين أو المحتملين.
و من المفهوم – بالطبع – للعاملين في مجال الأمن القومي في أية دولة ؛ أن التهديد المتمثل من جانب دولة أخرى بدفع أعداد هائلة من الناس عبر الحدود إلى أراضيها قسرا ؛ و بدون موافقتها ؛ هو إخلال فجّ بأمنها القومي ، واعتداء سافر لا يمكن التغاضي عنه ، ويستوجب استخدام الوسائل العسكرية ؛ ما لم تنجح الوسائل الأخرى في منعه و تطويقه .
فإذن ؛ لا يمكن استبعاد احتمال نشوب حرب بين مصر وإسرائيل ؛ على خلفية ما يجري في قطاع غزة . والأبعد من ذلك ؛ أنه لا يمكن استبعاد وقوع حرب كتلك في أي وقت من الأوقات ، وبصفة دائمة ، وتحت أي ظرف ، مع الانتباه إلى القاعدة التي تقول إن مسائل الأمن القومي لا يجوز أن تتباين فيها مصلحة الدولة ومواطنيها ، ومع الاعتراف بأن الحروب تفرض على الدول الطبيعية الرشيدة ، ولا يمكن أن تكون مطلبا لها ، وبأن ما يدعو الدول إلى المبادرة بالحرب بدون دواعٍ تستند إلى مفهوم الحرب العادلة ؛ هو تبنيها لعقيدة إمبريالية تشكلها أطماع معينة ، ورؤى مبنية على أفكار العنصرية و التفوق و التفرد .
ولكل ما تقدم ؛ فإن السؤال المتداول في بعض الأوساط عن كيفية الرد على عدوان قد تقدم عليه دولة الكيان الصهيوني تجاه الأراضي المصرية ؛ بهدف انتهاك سيادتها و الاقتطاع منها – و لو كان لتوطين مئات الآلاف من الأشقاء الفلسطينيين – هو سؤال وقح ومستهجن أحمق ويتسم بالغباء و الرعونة ، ويرقى إلى مستوى الخيانة و انعدام الشرف !
و حتى نكون واضحين تماما ؛ فإن تلفيقات وسائل الإعلام التي تتحدث عن أن اجتماعا للمجلس العسكري في مصر – لم يعلن عنه رسميا – تداول الموقف الراهن على الحدود المصرية مع قطاع غزة – قد عكس انقساما حادا حول طبيعة الوسائل التي يتعين استخدامها للرد على التهديدات الكامنة في هذا الموقف ؛ هي تلفيقات تهدم نفسها بنفسها ؛ من حيث تقرر أن رد العدوان أو الاعتداء يمكن أن يجري بأسلحة سياسية ! ومن حيث تتعامى عن حقيقة أن مصر لا تقبل – و لم تكن لتقبل في أي وقت من الأوقات – رسائل تهديد من الكيان الصهيوني أو من غيره ، و أنها كانت مستعدة دائما لبذل التضحيات الواجبة للدفاع عن مبادئها و كرامتها الوطنية و أمنها القومي ، ومن حيث تفترض أن المصريين سيقبلون بمبررات – يدّعون أن القيادة المصرية ستلجأ إليها ؛ بعد إتمام عملية ترحيل للأشقاء الفلسطينيين إلى سيناء – مبنية على دعاوى قومية وإنسانية و غيرها !
و المؤكد قطعيا أن مصر االعزيزة الأبيّة لا تشتري المساس بقيم الشرف و الهيبة ، وبمحددات السيادة الوطنية والأمن القومي ؛ بالإحجام عن الخوض في حرب عادلة قد تقتضيها الدواعي ؛ عبر تصريحات مجازية أو أفعال شكلية . وهذا ما يتعين أن يفهمه الجميع !! فكيف بمصر أن تتورط – مثلما تدعي الجوقة التي يشغلها سفاح الأطفال والنساء – في التنسيق مع عدو يهددها باعتداء ينتهك حرمة أراضيها ، و ينهي الوجود الفلسطيني على بقعة من الأرض الفلسطينية التي يحتلها ، و التي لها أهمية حاسمة في معادلة الأمن القومي المصري ؟!
في العاجل الأول إلى سيادة الرئيس قبل عدة أيام (8 فبراير) ؛ قلنا : " إن الأوضاع الراهنة وملابساتها الحالّة تستوجب من مصر الدعوة إلى اجتماع مصغر عاجل على مستوى القادة ؛ يضم الدول العربية الفاعلة والمعنية مباشرة بمخططات ترحيل أبناء شعبنا الفلسطيني ؛ لإعلان موقف ضاغط بأقصى قدر ممكن من القوة على الكيان الصهيوني ؛ بتقدير أن هذا الموقف – دون غيره – سيكون قادرا على تحريك الضغوط الأخرى الواقعة على المؤسسة الفاشية الحاكمة في الكيان الصهيوني ؛ باتجاه التأثير والفاعلية ؛ وبحساب أن هذه الضغوط تبقى بدونه عاجزة عن وضع هذه المؤسسة في الاتجاه المطلوب ، وأنه سيكون بمقدوره تعزيز قدرة المقاومة على الوصول إلى اتفاق لوقف إطلاق النار ؛ يضمن حماية أبناء شعبنا الفلسطيني ، وحقه الثابت المشروع في تقرير مصيره ... " .
بعد نشر العاجل الأول بساعات ، و بدون إعلان مسبق ؛ تواردت الأنباء عن انعقاد اجتماع تشاوري (9 فبراير) لوزراء الخارجية لخمس دول عربية ؛ بحضور أمين سر اللجنة التنفيذية لمنظمة التحرير الفلسطينية ، أعقبه بيان للخارجية السعودية ( 10 فبراير ) حذرت فيه من تداعيات بالغة الخطورة لاقتحام رفح ، وأكدت رفضها القاطع لمخطط الترحيل الصهيوني للفلسطينيين . و بينما أتابع التطورات لحظيا ؛ نقلت تصريحات فارقة للرئيس الأميركي ؛ نفض من خلالها يده من عملية عسكرية لجيش الاحتلال في رفح ، وقال إن رد الكيان الصهيوني على عملية السابع من أكتوبر هو رد غير متناسب (بمعنى أننا بصدد حرب غير عادلة ضد الشعب الفلسطيني) ؛ ثم جاء الإعلان الصهيوني عن أن بنيامين نيتانياهو قد أوعز لجيشه الجبان بإعداد خطط لما سمّاه إجلاء الفلسطينيين من رفح ، و تفكيك كتائب المقاومة فيها.
كل هذه التطورات أعطت الاقتراح الذي قدمناه تحت عنوان عاجل إلى سيادة الرئيس ؛ مزيدا من الوجاهة ، وأوجدت قدرا من التوقعات المتفائلة لديّ – على الأقل – باحتمال أن يكون اجتماع وزراء الخارجية كان بمثابة التمهيد والتحضير لاجتماع على مستوى القادة ؛ ينعقد لاحقا عند اللحظة التي تستدعيها وتستوجبها التطورات الجارية بسرعة شديدة ؛ خاصة مع ترقب الاجتماع المخطط له في القاهرة بين الرئيس السيسي ونظيره التركي الذي يتعين أن توازيه إشارات إيرانية إلى استعدادها – أو حتى رغبتها – في بلورة وإسناد الموقف العربي الضاغط الذي ندعو إليه .
***
الآن أعتقد أن انتهاء الاجتماعات التي سيحضرها مدير المخابرات المركزية الأمريكية في القاهرة يمكن أن تمثل في كل الأحوال التوقيت المناسب لعقد مثل هذا اللقاء ، وأعتقد أيضا أن المغامرة التحليلية بوصف طبيعة الموقف العربي الضاغط المطلوب باتت متاحة ، مع انكشاف بعض المعلومات التي كانت تمنعنا من ذلك. وهذا الوصف يمكن اختصاره في نقاط محددة على النحو التالي :
أولا – إلغاء أو تعليق أو تجميد أو وقف العمل بالاتفاقيات الموقعة من جانب عدد من الدول العربية مع الكيان الصهيوني ، وهي معاهدة السلام المصرية الإسرائيلية 1979 واتفاقية وادي عربة 1994 والاتفاقات الإبراهيمية 2020 ، وإعادة تأكيد و تطوير الموقف السعودي الذي يربط بين إنشاء علاقات مع هذا الكيان وإقامة الدولة الفلسطينية المستقلة على حدود الرابع من يونيو 67 و عاصمتها القدس.
ثانيا – إعادة تأكيد جماعية للمواقف المعلنة من الدول العربية فرادى الرافضة والمحذرة من عملية ترحيل قسري للفلسطينيين ، وعلى أنها لن تكون مقبولة ، وسيتم منعها – و ليس مواجهتها – بإجراءات جوابية سياسية وحتى عسكرية ؛ تحت مظلة جامعة الدول العربية ؛ مع تأييد القادة لاتخاذ مصر والأردن أية إجراءات عسكرية احترازية تراها الدولتان؛ باعتبار أنها مطلوبة و مشروعة في مواجهة تهديدات الكيان المحتل بترحيل الفلسطينيين.
ثالثا – الإعلان عن تحرك فوري جماعي باتجاه مجلس الأمن ؛ لإعادة المطالبة بإصدار قرار ملزم بالوقف الفوري لإطلاق النار في قطاع غزة ، ومنع ترحيل الفلسطينيين ، وتجريمه ، والتحذير منه ؛ مع افتراض أن يحظى هذه المرة بقبول أميركي ، وأن تحجم واشنطن عن استخدام حق الاعتراض لمنع صدوره.
رابعا – إيقاف أية تعاملات أو تبادلات تجارية أو أي شكل من أشكال التعاون العربي الاقتصادي أو المالي مع الكيان الصهيوني ؛ حتى ينصاع إلى المطالبات الداعية إلى وقف إطلاق النار في قطاع غزة ؛ بحيث يشمل ذلك جميع محاور الحظر والحصار التي يعمل عليها الاحتلال ؛ لتنفيذ مخططه المعادل لعملية إبادة ممنهجة بحق الشعب الفلسطيني ، وبموجبه يمنع عن أبناء شعبنا الصامد الماء والغذاء والدواء والوقود والغاز والكهرباء والاتصالات والأموال ، وبحيث يتضمن وقف كل عمليات التفاوض والتبادل والتعاون في مجال الطاقة والغاز ، وحظر نقل أية مواد أو محاصيل زراعية إلى الكيان ؛ مع تشديد وتنظيم إجراءات المقاطعة العربية الرسمية والشعبية له.
خامسا – إغلاق الأجواء و المطارات و الموانئ البحرية و البرية المتاحة أمام الكيان في الوقت الحاضر ؛ بموجب الاتفاقات المشار إليها ، والامتناع المؤقت عن منح تأشيرات دخول إلى الدول العربية التي تستقبل رعايا الكيان ؛ مع تفعيل القرارات الصادرة عن قمة الرياض ؛ في ما يخص مقاضاة الكيان ، ومحاكمة المتورطين في جرائم حرب ضد شعبنا الفلسطيني.
***
إن موقفا كهذا تسانده تغييرات تكتيكية في الأعمال المسلحة التي تقوم بها فصائل المقاومة الفلسطينية وأطراف عربية مقاومة تردفها ؛ لكبح جماح الكيان ؛ سيكون قادرا بكل تأكيد على حرف المسار الكارثي الذي يمضي فيه الإقليم ؛ من عينة استهداف مصانع الدواء والكيماويات ومراكز العمل التقني في وادي السيلكون وغوش دان و بيت سوريك وحيفا ، و ضرب محطات المياه القائمة في الكيان قرب الحدود السياسية ؛ اتباعا للعملية التي انطلقت بها حركة التحرر الوطني الفلسطيني فتح مطلع العام 65 ؛ مستهدفة مشروع الكيان لسرقة خزان مياه بحيرة طبرية وتحويله إلى صحراء النقب ؛ لنشر المغتصبات الصهيونية (المستوطنات) هناك التي استهدفتها كتائب القسام وسرايا القدس وغيرهما من فصائل المقاومة ؛ في عملية السابع من أكتوبر الماضي ؛ لتؤكد أن النضال الفلسطيني في مواجهة هذا الكيان الغاصب تحت أي مسمى لن يتوقف ؛ حتى تنتصر إرادة الشعب الفلسطيني في نيل حقوقه المشروعة.
***
يبقى أن نعيد التأكيد على أن الاجتماع المقترح مطلوب عقده فورا ؛ فبدونه لن يتوقف الكيان الصهيوني المذبوح عن جنونه وغيّه ، ولأن عملية في رفح يحاول قادته المجرمون تمريرها بشكل متدرج ؛ لاستئصال الوجود الفلسطيني ، والتعدي على الأرض المصرية (والأردنية) – ستكون لها تاثيرات غير قابلة للارتداد على الأمن القومي العربي ، والأمن القومي للأقطار العربية بأسرها ، وعلى مستقبل القضية الفلسطينية.
إن القيادة المصرية الغاضبة لغضب الشعب المصري الصامد في مواجهة صعوبات اقتصادية ليست بالهينة ؛ تدرك جيدا أنها – أي هذه الصعوبات – لن تثنيه بالطبع عن الالتحاق بأية أعمال تقررها لمواجهة الخطر الصهيوني ، والتهديد باستهداف رفح ، وعرقلة وصول المتطلبات الحياتية الحيوية لأبناء شعبنا الفلسطيني ؛ كطريق لتنفيذ مخطط التهجير ، والتعدي على الأرض المصرية ، وتصفية القضية الفلسطينية.
***
في الأشهر الماضية ؛ كان المصريون يعانون و يتذمرون من انقطاع الكهرباء لساعات قليلة على مدار اليوم .
و اليوم هم مستعدون للعيش في الظلام ؛ لتبقى مصر عزيزة أبيّة مصونة ؛ لا يمس لها بنان ، ولا يقيد لها قرار !!
-----------------------------
بقلم– عبد المجيد إبراهيم
[email protected]

الطقس
إقرأ أيضا
هاكان فيدان يشيد بموقف مصر المسؤول عقب استهداف سفينتي طاقة في دمياط
ثمن وزير الخارجية التركي هاكان فيدان، الموقف المصري المتزن والمسؤول الذي اتخذته مصر عقب الهجوم...
نبيل فهمي يبحث أمين عام مجلس التعاون الخليجي تطورات القضايا العربية والإقليمية
استقبل نبيل فهمي، الأمين العام لجامعة الدول العربية، اليوم الخميس، جاسم محمد البديوي، الأمين العام ل...
رئيس حزب الوفد يوجّه بالاستعانة بالكوادر القبطية والشباب في تشكيلات الحزب بالمحافظات
وجّه الدكتور السيد البدوي شحاتة رئيس حزب الوفد دعوة عاجلة لجميع الأعضاء واللجان المكلفة بتشكيل اللجا...
نقيب الإعلاميين: ملتزمون بميثاق الشرف الإعلامي وبقرار المحكمة بحظر النشر في قضية التجمع الخامس
أصدرت نقابة الإعلاميين، برئاسة الإعلامي الدكتور طارق سعده، نقيب الإعلاميين، بيانًا بشأن الخطاب الوار...
الاكثر قراءة
فيديو .. د. فادي نصر خبير التجميل: 9 أشياء يجب معرفتها قبل الفيلر
أكد الدكتور فادي نصر خبير التجميل ومديرمركز غلامور الطبي بالرياض أن هناك 9 أشياء يجيب معرفتها قبل عم...
آني أرنو - الفائزة بنوبل - ووجع الذنب والتمرد على الأب العامل والجد العربجي
"إن وظيفة الكتابة أو نتاجها ليست طمس جرح أو علاجه، وإنما إعطاؤه معنى وقيمة، وجعله في النهاية لا...
زهايمر!
هل يمكن أن نضيف شيئاً ؟ .. فتح ، حماس ، فتح الإسلام .. يسار ، يمين .. ديمقراطية ، عسكرتارية ، أوتوقر...
البابا تواضروس يحاول تقبيل يد الأنبا أمونيوس ورد اعتباره بعد 19 عاما من النفي
خمسة أساقفة و7 قساوسة بالأقصر ورجل اعمال شهير ورأء قرار أسبتعاده وأسقف شهير:"علي جثتي عودة الأنبا أم...
أسعار الذهب اليوم
السعر بالجنيه المصري