عاجل إلى سيادة الرئيس : اقتراح على قاعدة 6 + 2
كان لافتا تماما أن يعلن الرئيس السيسي بعد أيام قليلة من عملية السابع من أكتوبر رفض مصر القاطع لترحيل الفلسطينيين من مختلف أماكن تواجدهم على أرض فلسطين التاريخية ؛ معتبرا لاحقا أن عملا كهذا يعني تصفية القضية العادلة للشعب الفلسطيني ؛ مع التأكيد على أن هذا أمر لن تقبل به مصر .
و يعرف المشتغلون بالسياسة أنه من المعتاد أنْ يحيط القادة و الزعماء أنفسهم بمجموعة مختارة بعناية من الخبراء و المستشارين ؛ ليستمعوا إليهم ، و إلى نصائحهم ؛ كلما كان ذلك مطلوبا . ومن المفهوم – بالطبع – أن هذا السلوك يعد من المكونات الجوهرية لما نسميه في علوم الفلسفة و القانون بـ "الحكمة" التي هي من مقتضيات القيادة الرشيدة ، و سماتها . فالقيادة الحكيمة هي قيادة تتفحص في ما يعرض عليها من مسائل ، وتتحرى تفاصيلها ، وتتخذ قراراتها التي تنعكس على حاضر و مستقبل الجماعات التي تقودها ؛ بالدقة و الإتقان الواجبين ، و تقضي في شؤونها؛ بمنتهى الفطنة و التعقل . و هذا عمل يسهم فيه المحيطون بالقائد ؛ فتكون قراراته لا اختلاف فيها و لا اضطراب .
فهل كان التعليق المبكر للرئيس على التطورات التي أعقبت عملية السابع من أكتوبر كاشفا بصورة كاملة عما تدارسه و تفحصه مع مستشاريه ؟ بالطبع لا ! فالتعليق كان معنيا فحسب بإعلام جميع المعنيين بمرتكزات الموقف العام للسياسة المصرية ، و إخطارهم بالمبادئ الأساسية التي ستمضي عليها سلوكات الدولة المصرية ؛ في ما يخص التطورات اللاحقة لما جرى .
و توطئة لعرض الاقتراح الذي جعلناه عنوانا لهذا المقال ؛ كان يتوجب علينا أن نجتهد في محاولة لاستكشاف مجمل ما تدارسه الرئيس مع مستشاريه في هذا الخصوص ، و بتحديد أكثر أن نحاول استقراء الرؤية الأساسية التي تأسس عليها هذا التعليق المبكر ، و التي يمكن اختصارها على النحو التالي :
إن الرفض الحاسم للمساعي الرامية إلى تصفية القضية الفلسطينية ، و تنفيذ المشروع الإمبريالي الصهيوني العنصري لترحيل الفلسطينيين ؛ ينطلق منتقدير نوعية المخاطر الفورية و بعيدة المدى لها على الأمن القومي العربي ، وعلى نظيره المصري ، واستبصار إمكانية واقعية لتحويل هذه المخاطر إلى مكاسب ؛ استعصى تحقيقها على الأمة العربية منذ قيام دولة الكيان التي كانت – و لا تزال – العائق الرئيس أمام الشعوب العربية ؛ لإنجاز تطلعاتها نحو التقدم و النهضة ، والتي نجحت خلال السنوات الماضية – مع مشغليها – في تقطيع أوصال العديد من الأقطار العربية ، وإضعاف جيوشها الوطنية ، وتحاول الآن استثمار ما جرى للإجهاز على البقية ؛ في إطار مشروعها الإمبريالي الرؤيوي المهووس ؛ في الوقت الذي تقدم فيه عملية السابع من أكتوبر لأمتنا العربية فرصة فريدة قد لا تتكرر ؛ لتطويق هذا المشروع ، وإنجاز حل عادل لقضية شعبنا الفلسطيني .
الرؤية نفسها – و بكل تاكيد – استمع إليها القادة في الأقطار العربية الفاعلة و المعنية من مستشاريهم الأكْفاء ، وبناء عليها صاغوا مواقف بلادهم العامة ، والمبادئ الأساسية التي يجب أن تحكم سياستها تجاه ما يجري . ومن ثم ؛ عمل الديبلوماسيون العرب على مدار أربعة أشهر مضت – بشكل منفرد أو ثنائي أو جماعي أو تفاعلي في ساحات أخرى ؛ على التحرك في مسارات عديدة ؛ لاستثمار الفرصة التي نشأت لتطويق المشروع الصهيوني ، وإفشال مراميه ، ومحاصرة المخاطر المترتبة عليه على الدوام ، وفي الوقت الراهن ، والعمل على عكس هذه المخاطر ؛ بتحويلها إلى مكاسب لصالح الشعوب العربية كافة ، وفي مقدمتها شعبنا العربي الفلسطيني ؛ على أساس مجموعة من الأهداف العملية التي تمت بلورتها ، و يجري السعي إلى تحقيقها ؛ بالكيفية التي تلاحق التطورات ، وتتفاعل معها .
في هذا السياق لا يستطيع أحد أن يجادل في أن الجهود الديبلوماسية العربية ، والجهود الأخرى الحكومية و الشعبية التي بذلت على اتساع الساحة العربية ؛ لإسناد الشعب الفلسطيني على الأرض ؛ قد مكنت – قدر المستطاع – من تلجيم السلوك الهمجي المتسم بالتوحش والانتقام الأعمى للكيان الصهيوني المهزوم ؛ لكنها استطاعت – و هذا أمر مهم – أن تنتج الكثير من المقررات والوثائق والخطط والمشروعات والآليات العملية القادرة على منع هذا الكيان من تنفيذ مخططاته الإجرامية ، ونذكر منها على سبيل المثال ؛ مقررات القمة العربية الإسلامية في الرياض ، وقراري الجمعية العمومية للأمم المتحدة ومجلس الأمن الدولي ذوي الصلة ، وخطة باريس الإطارية لوقف إطلاق النار في قطاع غزة ، وترتيبات إدخال المساعدات الإنسانية إلى الفلسطينيين هناك ، والقرار الأوليّ لمحكمة العدل الدولية في الدعوى التي أسهمت في التحضير لها أطراف عربية ، وبيانات الحكومات و المؤسسات الاتحادية الأوربية ، والبيانات المشتركة المصرية الأردنية ؛ لتضاف جميعها إلى مقررات الشرعية الدولية الضامنة و الداعمة لحقوق الشعب الفلسطيني في تقرير مصيره ، والعودة إلى أراضيه ، وإقامة دولته المستقلة ، والقرارات العربية العاملة في الاتجاه نفسه ، وعلى رأسها ؛ مقررات قمة بيروت العربية ، واتفاقية الدفاع العربي المشترك ، و إجراءات المقاطعة العربية للكيان ، والاتفاقات والمعاهدات التي وقعتها أطراف عربية مع الكيان ؛ بما فيها منظمة التحرير الفلسطينية.
***
ما نقترحه هو عمل عاجل يستفيد من تراكمات الجهود التي أشرنا إليها ، والتغيرات الحقيقية التي أحدثتها عملية السابع من أكتوبر في الساحة الدولية ، وتفاعلاتها وتداعياتها ، والمزج بينها ؛ وصولا إلى تكثيف الضغوط الواقعة على كاهل الكيان الصهيوني ؛ لإرغامه على التسليم بحقوق الشعب الفلسطيني .
و يتمثل الاقتراح في أن تدعو مصر إلى اجتماع مصغر عاجل على مستوى القادة يضم الدول العربية الفاعلة و المعنية مباشرة بمخططات الترحيل ؛ لإعلان موقف ضاغط بأقصى قدر ممكن من القوة على الكيان الصهيوني ؛ بتقدير أن هذا الموقف – دون غيره – سيكون قادرا على تحريك الضغوط الأخرى الواقعة على المؤسسة الفاشية الحاكمة في الكيان الصهيوني ؛ باتجاه التأثير والفاعلية والإنجاز ؛ فبدونه تبقى هذه الضغوط عاجزة عن وضع هذه المؤسسة في الاتجاه المطلوب ، ونعني بذلك مجمل الضغوط المتنوعة في داخل الكيان على هذه المؤسسة ، والضغوط الأمريكية التي يحرك جانبا منها الاستحقاق الانتخابي الرئاسي هناك ، والضغوط الواقعة عليها ميدانيا على مستوى الاشتباك المسلح مع المقاومين في قطاع غزة ؛ بسبب تعاظم خسائرها البشرية وإخفاقها في مواجهتهم ، والرد الإيجابي الذي قدمته فصائل المقاومة الفلسطينية على إطار باريس المقترح لوقف هذا الاشتباك ، والتوقعات الجارية بأن تدعو محكمة العدل الدولية تل أبيب قريبا إلى وقف عملياتها العسكرية في القطاع ؛ تجنبا للتورط في أعمال إبادة جماعية بحق سكانه المدنيين .
ونقطة الانطلاق في هذا الاقتراح هي أن ما حدث في السابع من أكتوبر لا مثيل له في تاريخ الصراع العربي الصهيوني ، ويصعب تكراره ، وأن التطورات التي تأسست عليه هي غير مسبوقة ، ولايجوز تفويت فرصة استثمارها ؛ علما بأن خروج هذا الكيان المأزوم من مأزقه الراهن ؛ بدون أن يدفع فاتورة إجرامه المتطاول على أبناء شعبنا العربي في كل مكان ؛ على مدار عقود طويلة – تؤدي حتما إلى مزيد من المعاناة و الانكسار في واقعنا العربي .
و الحاصل الآن – وبفضل الصمود الفلسطيني الذي لا توجد ضمانة مؤكدة لاستدامته – أن الكيان الصهيوني بات في وضعية انضغاط كبيرة تلزمه منطقيا بالانصياع والقبول بنتائج ما جرى على أرض الواقع و التعاطي معه. فالضغط العربي الذي نقترحه لا يوجد توقيت أفضل من التوقيت الحالي لوضعه على كاهل الكيان ، و بمقدوره أن يعزز قدرة المقاومة على الخروج باتفاق لوقف إطلاق النار ؛ يضمن حماية أبناء شعبنا الفلسطيني ، وحقوقه الثابتة في تقرير مصيره ، وهو يمنح المشروعية المستحقة لعمليات الإسناد العسكري التي تقوم بها أطراف عربية ؛ تتوحد في دوافعها وأهدافها مع المطالب الشعبية والرسمية على اتساع عالمنا العربي ومحيطه المناصر لقضية شعبنا الفلسطيني ، وللحقوق غير القابلة للتفريط في السيادة على مقدساتنا الدينية الإسلامية والمسيحية في مدينة القدس .
ومن المنطقي و البدهي ؛ أن يتساءل قارئ هذا المقال عن طبيعة الموقف العربي الضاغط الذي ندعو إلى اتخاذه على عجل ، و لماذا نحجم عن وصفه بوضوح ؟ والحقيقة التي يدركها المشتغلون في السياسة أن عملا كهذا يحتاج إلى إلمام كافٍ بتفاصيل واعتبارات و محددات لا يعرفها إلا من يعملون في دوائر صنع القرار و دهاليزه ، وأقصى ما يمكن أن يقدمه تحليل سياسي فردي لكاتب مستقل – في هذا الصدد – هو مجرد مؤشرات لصياغة هذا الموقف ؛ في ضوء الحيثيات التي نوهنا إليها في السابق .
و من المفهوم أن الحاجة لا تدعو إلى تسمية الدول التي يمكن دعوتها إلى اجتماع كهذا . بيد أن الأمانة التحليلية تتطلب التوصية بضرورة دعوة منظمة التحرير وليس سلطة رام الله إلى الاجتماع ؛ ضمن أفق يتطلب توسيع عضويتها الفصائلية ، وبفحص الفوائد التي يمكن أن تضاف إلى محصلة الاجتماع ؛ إذا ما دعيت إليه أو التحقت به كل من إيران و تركيا . فربما يولد من رحمه تجمع سياسي جديد يحتاج إليه الإقليم دائما ، وفي الملمات ؛ تحت اسم : 6 + 2 .
***
إن موقفا عربيا ضاغطا كهذا يستوجب أن تتولى الدعوة إلى إعلانه الدولتان العربيتان الأكثر نفوذا و تأثيرا في المحيطين الإقليمي و الدولي ، والأكثر قدرة على مقارعة الكيان الصهيوني ؛ من حيث الدور و المكانة و الهيبة ، و يستوجب أيضا أن يتأسس على الأهداف الجامعة والرؤية العامة التي نزعم أنها تسود دوائر التخطيط وصنع القرار في الدول التي يفترض أن تحضر الاجتماع المقترح ، و يستوجب ثالثا أن تقدم كل دولة من الدول المدعوة إليه ما لديها من أوراق للضغط بغير انتقاص ؛ لصالح الموقف الجماعي العربي الضاغط المستهدف ؛ من حيث إن الضغوط الفردية المنفردة تحدّ عادة من قدرة الدولة على توظيف ما لديها من أوراق ؛ في حين أن المظلة الجماعية تمكن من ذلك ، وتعظم من تأثير هذه الأوراق ؛ خصوصا عندما تستند إلى الإنجازات الديبلوماسية التي تحدثنا عنها ، وتتضافر معها ، وتمتزج بها . ثم إن من المتعين ألا يكون الموقف الذي ندعو إلى اتخاذه موقفا مهادنا للكيان الفاجر ؛ يطيّب خواطره ، أو يسعى إلى استرضائه ؛ حتى يتوقف عن عدوانه الغاشم ؛ وأن يكون جامعا بين الضغوط المباشرة و غير المباشرة على الكيان و مشغليه في آن ؛ متنوعا في أدواته ؛ وازنًا بين الحوافز و الجزاءات ؛ من خلاله يفهم هذا الكيان المصنوع أنه لا يحكم إقليمنا ، ولن يحكمه في يوم من الأيام ، ولن يحدد مساره ، و لن يرسم مستقبله و مصيره ، ولن يتمكن من مصادرة حقوق شعبنا ؛ وإن بلغ من العمر عتيّا ؛ فأقطارنا العربية الشامخة صاحبة التاريخ المديد ليست حديقة خلفية لهذا الكيان المحكوم عليه بالزوال ؛ يمرح ويشطح فيها ؛ يقتل ويعربد ، ويملي إرادته كيفما يشاء !!
يتبجح فارس الظلام قاتل الأطفال و النساء ؛ متقولا على القادة العرب ؛ مدعيا أن ما يقال في الغرف المغلقة يخالف ما يقال في العلن ؛ يتمادى في أكاذيبه بابتسامة ساخرة متهكمة على وجه مصفرّ ؛ وهالَهُ السواد بفعل صفعات المقاومة و ضرباتها المباركة ! وحتى يسقط هذا المذعور الكاذب سقوطه الأبدي ؛ فإنه يحتاج إلى صفعة مدوّية أخيرة بأيدي " كرامٍ برَرَة "!
-----------------------------------
بقلم– عبدالمجيد إبراهيم
[email protected]

الطقس
إقرأ أيضا
هاكان فيدان يشيد بموقف مصر المسؤول عقب استهداف سفينتي طاقة في دمياط
ثمن وزير الخارجية التركي هاكان فيدان، الموقف المصري المتزن والمسؤول الذي اتخذته مصر عقب الهجوم...
نبيل فهمي يبحث أمين عام مجلس التعاون الخليجي تطورات القضايا العربية والإقليمية
استقبل نبيل فهمي، الأمين العام لجامعة الدول العربية، اليوم الخميس، جاسم محمد البديوي، الأمين العام ل...
رئيس حزب الوفد يوجّه بالاستعانة بالكوادر القبطية والشباب في تشكيلات الحزب بالمحافظات
وجّه الدكتور السيد البدوي شحاتة رئيس حزب الوفد دعوة عاجلة لجميع الأعضاء واللجان المكلفة بتشكيل اللجا...
نقيب الإعلاميين: ملتزمون بميثاق الشرف الإعلامي وبقرار المحكمة بحظر النشر في قضية التجمع الخامس
أصدرت نقابة الإعلاميين، برئاسة الإعلامي الدكتور طارق سعده، نقيب الإعلاميين، بيانًا بشأن الخطاب الوار...
الاكثر قراءة
الذبح لمن استطاع سبيلا
بعد سيطرة ضباط يوليو1952على مصر..وبعد انتشار(شعارات العروبة) والقومية العربية.. وتوأمتها الوحدة العر...
البابا تواضروس يحاول تقبيل يد الأنبا أمونيوس ورد اعتباره بعد 19 عاما من النفي
خمسة أساقفة و7 قساوسة بالأقصر ورجل اعمال شهير ورأء قرار أسبتعاده وأسقف شهير:"علي جثتي عودة الأنبا أم...
درجة قصة الذي تعلم لغة القطط من نبي الله سليمان
السؤال:ما صحة هذه الرسالة؟ قصة حلوة جدا ومؤثرة، كان من معجزات نبي الله سليمان أنه يكلم الطير والريح...
د. فادي نصر: هذه طرق الوقاية من أضرار الشمس
أكد الدكتور فادي نصر أن هناك طرقا للوقاية من أضرار الشمس ومنها اسمرار البشرة وحروق الجلد وكذلك سرطان...
أسعار الذهب اليوم
السعر بالجنيه المصري