ظلال الباشا
امتلأت كتب التاريخ التي تناولت سيرة والي مصر محمد علي باشا بالكثير من الأساطير التي ارتفعت بهذا الحاكم إلي ذروة "من أيقظ مصر من ظلامها ، وباني مصر الحديثة ، والمؤسس الاول لمصر المعاصرة .. إلخ " .
هذه الصفات التي نسبت إليه ، كانت علي أفضل تقدير نوعاً من الدعاية التي حرصت عليها الأسرة العلوية ، وكل من عمل في خدمتها أو استفاد منها من الأجانب .
ومما لا شك فيه أن هناك بعض " الحقائق " التاريخية ( إذا صح ذلك الإصطلاح ) ، تؤكد بعض الإصلاحات الجذرية التي قام بها ، إلا أن هناك الكثير من الظلال التي تكتنف السيرة وما تحقق فيها ، أو بالأحري ما لم يتحقق فيها .
هل كان محمد علي يسعي لبناء مصر الحديثة فعلا ، وهل كان ذلك هدفا للإرتقاء بالشعب المصري الذي عاني علي مر القرون السابقة ، أم أنه كان يسعي فقط لبناء مجد شخصي له ؟.
هل يمكن أن يمتزج الهدفان ، بحيث إذا تحقق أحدهما تحقق الثاني بالضرورة ؟.
بما توفر لدينا اليوم من وثائق ومستندات ، يمكن إستخلاص حقيقة لا يكاد يعترف بها أحد ، حتي ثقاة المؤرخين الذين أرخوا لفترة حكم الباشا .
الحقيقة الماثلة أنه بالتأكيد لم يحقق أي تنمية ذات بال للشعب المصري ، الذي استمرت معاناته الموروثة دون تغير جذري ، ومن ناحية أخري لم يحقق محمد علي المجد الذي كان يصبو إليه متأثرا بسيرة نابليون بونابرت ، وانتهت طموحاته العسكرية بحصار اوروبي عام 1840 لوقف مغامراته العسكرية ، حماية للدولة العثمانية التي اعتبرت في الغرب في تلك الفترة بمثابة جدار يحول دون تمدد روسيا القيصرية غربا.
تكشف الوثائق أن الباشا كان شديد الخضوع والتبجيل لممثلي الدول الأوروبية ، يلتمس رضاهم ونصحهم ، ويحاول إثارة إعجابهم ، بينما يحتقر ويضطهد الشعب المصري بنفس الأسلوب الذي سار عليه أسلافه ممن حكموا مصر ، ومن ورثه من الأبناء والأحفاد من بعده .
لقد امتدت ظلال الباشا أحقابا متراكمة ، توارث فيها عرش مصر مختلف الحكام ، وكانت نفس المعادلة تتبدي وتتبدد مثل الظلال التي تحركها شمس مصر ، معادلة تمنح الحاكم وزناً يتوازي مع مكانة مصر وتاريخها العريق ، دفعت بعضهم للمغامرة أو المقامرة ، أو محاولة اللحاق بقشور الحضارة الغربية ، لكنها في أغلبها كانت معادلة في طرفها خضوع ذليل لقوي الغرب وصلت أحيانا إلي حد التآمر معها ضد القوي الوطنية المصرية كما حدث في زمن عرابي ، وفي الطرف الآخر تجبر وإذلال للشعب وإخضاعه بالقهر والفقر والجهل .
لم يدرك الباشا أن " مجده " يستحيل أن يتحقق ، من خلال " السخرة " واختطاف الفلاحين لتجنيدهم عنوة كي يموتوا في حروبه الفاشلة ، كما أنه لم يفهم أن انبهاره بالغرب ، ومحاولاته البائسة لإبهارهم لم تنل سوي السخرية التي عكستها تقارير الرحالة الذين زاروا مصر ، وكتبوا بإشمئزاز عن حالة الشعب المصري الكئيبة ، في حين يواصل الباشوات من أسرة محمد علي بناء القصور والمنتزهات المحصورة عليهم .
لقد كتب أحدهم إلي الوزارة البريطانية يستحثها على احتلال مصر ، لأن علي رأسها " باشا " جاهل محدث نعمة ، وشعب خائف منهك من ضنك الحال ، والسخرة والجهادية التي لا طائل منها ، وتلك فرصة ينبغي إغتنامها ، قبل أن تنقشع ظلال الباشا ، وتشرق شمس مصر .
--------------------------
بقلم : معصوم مرزوق
مساعد وزير الخارجية السابق
الطقس
إقرأ أيضا
هاكان فيدان يشيد بموقف مصر المسؤول عقب استهداف سفينتي طاقة في دمياط
ثمن وزير الخارجية التركي هاكان فيدان، الموقف المصري المتزن والمسؤول الذي اتخذته مصر عقب الهجوم...
نبيل فهمي يبحث أمين عام مجلس التعاون الخليجي تطورات القضايا العربية والإقليمية
استقبل نبيل فهمي، الأمين العام لجامعة الدول العربية، اليوم الخميس، جاسم محمد البديوي، الأمين العام ل...
رئيس حزب الوفد يوجّه بالاستعانة بالكوادر القبطية والشباب في تشكيلات الحزب بالمحافظات
وجّه الدكتور السيد البدوي شحاتة رئيس حزب الوفد دعوة عاجلة لجميع الأعضاء واللجان المكلفة بتشكيل اللجا...
نقيب الإعلاميين: ملتزمون بميثاق الشرف الإعلامي وبقرار المحكمة بحظر النشر في قضية التجمع الخامس
أصدرت نقابة الإعلاميين، برئاسة الإعلامي الدكتور طارق سعده، نقيب الإعلاميين، بيانًا بشأن الخطاب الوار...
الاكثر قراءة
وسط البلد الباهر!
وسط البلد مش حاجة واحدة.. ولا ينفع اختزاله في وجهة نظر فردية.. ولا مقولة تتقال مرة وخلصنا.. لا يجوز....
البابا تواضروس يحاول تقبيل يد الأنبا أمونيوس ورد اعتباره بعد 19 عاما من النفي
خمسة أساقفة و7 قساوسة بالأقصر ورجل اعمال شهير ورأء قرار أسبتعاده وأسقف شهير:"علي جثتي عودة الأنبا أم...
"سوبيبور" عرض مسرحي في القاهرة يزيف التاريخ ويستجدي التعاطف مع يهود الهولوكوست
لا يوجد نص أدبي تأتي فكرته من الفراغ، فأي كاتب حتى من يكتب الكوميديا تكون لديه رسالة أو هدف مما يكتب...
درجة قصة الذي تعلم لغة القطط من نبي الله سليمان
السؤال:ما صحة هذه الرسالة؟ قصة حلوة جدا ومؤثرة، كان من معجزات نبي الله سليمان أنه يكلم الطير والريح...
أسعار الذهب اليوم
السعر بالجنيه المصري