الخميس، 05 نوفمبر 2026 القاهرة 26°C
رئيس التحرير مجدي شندي
طفلةً الشيكولاتة

طفلةً الشيكولاتة

في طريقي إلى العمل كان الميكروباص مكتظًا بالركاب كعادته في مثل هذه الأيام الشتوية الثقيلة، الزجاج مبلل بالمطر، والبرد يتسلل بصمت إلى الداخل، والوجوه متعبة تحمل همومها اليومية دون كلام، وبينما كنت أراقب الطريق من خلف النافذة توقفت بجوار الباب امرأة شابة في العشرينيات من عمرها، تحمل طفلًا صغيرًا لم يتجاوز العام والنصف، وتجر بيدها الأخرى طفلة في الخامسة تقريبًا.

ولأنني كنت أجلس في المقعدين المجاورين للسائق فتحت الباب القريب مني وهمّت المرأة بالصعود، لكنها ما إن تحركت حتى أوقفها السائق سريعًا قائلًا ببرود: «محجوز». لم أتردد فقاطعته فورًا: «اتفضلي… اركبي».

صعدت المرأة على استحياء وجلست وهي تحتضن طفلها، بينما جلست الطفلة الصغيرة بيننا ، أخرجت الأم النقود لتدفع الأجرة فقلت لها إن الأجرة مدفوعة، لكنها رفعت رأسها بإصرار واضح وقالت: «لا والله… لازم أدفع»، وأعطت السائق المال.

تنبهت فورًا وقلت له: " كده حضرتك هتاخد الأجرة مرتين" ، فأعاد لها النقود، لكنها لم تهدأ، بل راحت تُلحّ في محاولة لإعطائي الأجرة، وكأن كرامتها لا تسمح لها بأن تقبل معروفًا دون مقابل .. قلت لها بهدوء:  "دي حاجة بسيطة… متستاهلش كل ده".

كنت جالسة في وضع غير مريح ، والطفلة بيننا جميلة وبريئة، لكن ملابسها غير نظيفة وشعرها منكوش، تسللت إلى ذهني فكرة عابرة مؤسفة: ماذا لو اتسخت ملابسي أو انتقلت إليّ حشرات؟

لم تمر ثوانٍ حتى شعرت بالخجل من نفسي، كيف يمكن لفكرة كهذه أن تتسلل دون استئذان؟ وكيف غفلت عن أن أكون إنسانة وأحاول مداعبة الطفلة قبل أن أكون حريصة على نفسي وملابسي؟

فتحت حقيبتي أبحث عن شيء يُصلح هذا الخلل الداخلي، ويكفر عن طريقة تفكيري فلم أجد سوى قالب شيكولاتة متبقٍ من شحنة أرسلها لي صديق من الكويت، يعلم مدى عشقي للشيكولاتة قبلها بأكثر من شهرين، ناولت الطفلة الشيكولاتة وسألتها عن اسمها، فأجابت بخجل: «سالي».

لكن سالي لم تأخذها فورًا، بل رفعت عينيها نحو أمها تنتظر الإذن. شكرتني الأم وقالت إنها اشترت لها شيكولاتة من قبل، لكني ألححت حتى وافقت.

أخذت سالي القالب، فتحته بسرعة ومهارة كأنها خبيرة صغيرة، ثم قسمته إلى نصفين متساويين. وقبل أن تضع نصيبها في فمها مدت يدها إلى أخيها الصغير وأعطته نصفه، وانتظرت حتى أكله، تلاعبه وتضحك له، وهو يبادلها الابتسام والضحك بحنان فطري بالغ.

في تلك اللحظة لم أعد في ميكروباص، ولم أعد أفكر في الزحام أو البرد أو الطريق. كنت أتأمل سلوك أم بدت من مظهرها فقيرة، صغيرة السن، وربما لم تسمح لها ظروف قاسية لا أعرفها أن تنظف ثياب أطفالها أو تهذب شعر ابنتها، لكن هذه الظروف نفسها لم تمنعها من أن تربي ابنة تعرف معنى الإذن، والكرامة، والمشاركة، والحب.

هنا فقط أدركت أن الفقر والغنى لا علاقة لهما مباشرة بالأخلاق، وأن الأخلاق لا تُقاس بثياب نظيفة أو مظهر مرتب، بل تُصنع في البيوت، في التفاصيل الصغيرة، في كيفية قسمة قطعة شيكولاتة، وفي انتظار طفل حتى يفرح أخوه أولًا.

نحن البشر نعيش أسرى الانطباعات الأولى، ننظر سريعًا، نحكم سريعًا، ونظن أننا نرى الحقيقة كاملة من مظهر عابر، او ثياب غير نظيفة فنظن إهمالًا، أو شعر منكوش فنحسبه تقصيرًا، وفقر ظاهر فنراه حياة ناقصة، لكن الحقيقة أن الحياة أعقد بكثير من سطح الأشياء.

تلك الأم التي لم يكن لديها ما يكفي لتبدو أنيقة في أعين الغرباء امتلكت ما هو أعمق من الأناقة… امتلكت كرامتها. رفضت أن تركب دون أن تدفع الأجرة، وأصرت أن ترد المعروف، وكأنها تقول دون كلمات: قد أكون فقيرة، لكنني لست محتاجة للشفقة.

ثم جاءت سالي الطفلة الصغيرة لتكشف ما هو أكبر. لم تخطف الشيكولاتة بفرحة الأطفال المعتادة، بل استأذنت بعينيها، وحين سمحت لها أمها لم تأكل وحدها، بل قسمت نصيبها وأعطت أخاها قبل أن تتذوق هي شيئًا، أي درس هذا الذي يمكن أن يُكتب في كتاب؟

طفلة في الخامسة تعرف بالفطرة أن السعادة لا تكتمل إلا بالمشاركة، وأن الحب ليس كلامًا يُقال، بل فعل صغير يحدث دون ضجيج.

في تلك اللحظة سقطت كل الأفكار السطحية التي راودتني، لم تعد الملابس المتسخة تعني شيئًا، ولم يعد الشعر المنكوش علامة نقص، بل بدا كل ذلك مجرد تفاصيل هامشية أمام جوهر إنساني نادر.

أدركت أن الفقر الحقيقي ليس فقر المال، بل فقر القيم، وأن الغنى الحقيقي ليس في الحسابات والبنوك، بل في قلب طفل يعرف كيف يعطي، وفي أم تعرف كيف تربي، قد تمنعك الظروف من شراء أجمل الثياب أو توفير أكمل الحياة، لكنها لا تمنعك أبدًا من أن تزرع في أبنائك عزة النفس والرحمة والكرامة والحب.

ذلك الصباح لم يترك في ذاكرتي مجرد مشهد عابر، بل ترك سؤالًا كبيرًا: كم مرة ظلمنا الناس بأعيننا؟ كم مرة اختصرنا حكاياتهم في مظهر؟ وكم مرة احتجنا نحن إلى درس في الإنسانية أكثر مما احتاجوا هم إلى مساعدة؟

وقد لا أتذكر الطريق الذي سلكه الميكروباص ذلك الصباح، لكني سأظل أتذكر سالي… طفلة الشيكولاتة، التي ذكّرتني أن التربية هي الثروة الحقيقية.
--------------------------------
بقلم: سحر الببلاوي


استمع إلى المقال حوّل المقال إلى تجربة صوتية
مدة القراءة04:50
تعليقات


الطقس
القاهرة مصر
26.0°C
توقعات الساعات القادمة
26.0°C
26.9°C
26.9°C
26.6°C
26.0°C
25.2°C
إقرأ أيضا
هاكان فيدان يشيد بموقف مصر المسؤول عقب استهداف سفينتي طاقة في دمياط

ثمن وزير الخارجية التركي هاكان فيدان، الموقف المصري المتزن والمسؤول الذي اتخذته مصر عقب الهجوم...

نبيل فهمي يبحث أمين عام مجلس التعاون الخليجي تطورات القضايا العربية والإقليمية

استقبل نبيل فهمي، الأمين العام لجامعة الدول العربية، اليوم الخميس، جاسم محمد البديوي، الأمين العام ل...

رئيس حزب الوفد يوجّه بالاستعانة بالكوادر القبطية والشباب في تشكيلات الحزب بالمحافظات

وجّه الدكتور السيد البدوي شحاتة رئيس حزب الوفد دعوة عاجلة لجميع الأعضاء واللجان المكلفة بتشكيل اللجا...

نقيب الإعلاميين: ملتزمون بميثاق الشرف الإعلامي وبقرار المحكمة بحظر النشر في قضية التجمع الخامس

أصدرت نقابة الإعلاميين، برئاسة الإعلامي الدكتور طارق سعده، نقيب الإعلاميين، بيانًا بشأن الخطاب الوار...

الاكثر قراءة
رسالة مفتوحة إلى فخامة الرئيس

سيدي الرئيس: "إنَّ الوصيةَ لو تُرِكَتْ لفضلِ أدبٍ، تُرِكَتْ لذلك منكم"، وإنَّ النصيحة لو ح...

مقاول يوهم المسؤولين في قنا بالتبرع لإعادة بناء 3 مدارس ثم يهرب بعد هدمها والاستيلاء على مخلفاتها

شهدت مدينة نجع حمادى بشمال قنا واقعة غريبة، كشفتها تقارير رقابية، حيث تعرضت مديرية التربيه والتعليم...

بالفيديو .. د. فادي نصر يشرح الجدول الزمني للإجراءات التجميلية

شرح الدكتور فادي نصر، مدير مركز غلامور الطبي بالرياض، الجدول الزمني للإجراءات التجميلية. حيث أكد أن...

تحت شعار "الدواء دون أضرار".. الاعتماد والرقابة الصحية تحتفل باليوم العالمي لسلامة المرضى

تنطلق غدا السبت فعاليات اليوم العالمي لسلامة المرضى، التي تنظمها الهيئة العامة للاعتماد والرقابة الص...

أسعار الذهب اليوم

السعر بالجنيه المصري

عيار 24
7,114ج.م
عيار 21
6,225ج.م
عيار 18
5,336ج.م
الجنيه الذهب
49,800ج.م
عرض جميع الأسعار

تابعونا


جارٍ التحميل...