طارق سعدة نقيبًا للإعلاميين رغم أنف القانون
في بلادٍ يُفترض أن يحكمها القانون، يصبح العبث به أخطر من غيابه. فغياب القانون فوضى مفهومة، أما العبث به ففوضى مُقنَّعة تُمارَس باسم الشرعية، بينما هي في حقيقتها نقيضها الكامل. وهذه القصة، بكل تفاصيلها، ليست سوى نموذج صارخ على كيف يمكن تحويل نصوص القانون إلى مجرد ديكور يُعلَّق على الجدران، بينما تُدار الأمور في الغرف المغلقة.
منذ البداية، لم يكن تعيين نقيبٍ للإعلاميين بالتكليف سوى حل مؤقت، نص عليه قانون نقابة الإعلاميين لسنة 2016 بوضوح لا يحتمل التأويل: لجنة مؤقتة تُدير المشهد لستة أشهر، تُمهِّد لانتخابات حقيقية، ثم ترحل. هذا هو النص، وهذه هي الفكرة. لكن ما حدث كان شيئًا آخر تمامًا: لجنة مؤقتة تمدد عمرها منذ 2017 وحتى الآن، حتى تحولت المؤقتات إلى أوضاع شبه دائمة، وكأن الاستثناء صار هو القاعدة.
وحين استقال الإذاعي القدير حمدي الكنيسي من رئاسة اللجنة المؤقتة لنقابة الإعلاميين - تحت التأسيس - ليتسنى له الترشح بعد ذلك على مقعد نقيب الإعلاميين، لأن مسودة القانون تنص على عدم ترشح أيٍّ من أعضاء اللجنة المؤقتة لأي منصب انتخابي في النقابة، لم يكن ذلك نهاية المشهد، بل بداية فصل أكثر غرابة. إذ تم استبدال الكنيسي بقرار حكومي، وتعيين طارق سعدة بدلًا منه، رغم أن القانون لم يمنح رئيس الحكومة سلطة كهذه. هنا لا نتحدث عن خطأ إجرائي يمكن تصحيحه، بل عن قرار يفتقد أساسه القانوني من الأصل. ومع ذلك، مرّ القرار وكأن شيئًا لم يكن، وكأن القانون نفسه في إجازة مفتوحة.
في هذا المناخ، صعد اسم طارق سعدة. لم يأتِ عبر صندوق انتخاب، ولا عبر توافق مهني واسع، بل عبر مسار إداري مرتبك، تتداخل فيه القرارات مع المجاملات، وتختفي فيه الحدود بين ما هو قانوني وما هو مفروض بقوة الأمر الواقع. فجأة، يصبح الرجل نقيبًا من دون إجراء انتخابات، وعضوًا بالتعيين في مجلس الشيوخ بالدورة الماضية. وهنا لا يعود السؤال: كيف وصل؟ بل: هل كان الطريق نفسه مشروعًا من الأساس؟
الأخطر من ذلك ليس فقط في طريقة الوصول، بل في ممارسة السلطة بعد الوصول: قرارات وقف، وإجراءات عقابية تُصدر بحق إعلاميين يبحثون لهم عن مكان تحت "الشمس" والفضاء الإعلامي الواسع، لا يملكون رفاهية الاعتراض، ولا أدوات المواجهة. قرارات تبدو في ظاهرها تنظيمية، لكنها في جوهرها تعاني من نفس العطب: غياب السند القانوني السليم. فكيف يُحاسِب من جاء بقرار محل شك؟ وكيف يُلزِم الآخرين بقانون لم يلتزم به من الأساس؟ أو كما يقول المثل الشعبي : "باب النجار مخَلّع"
المفارقة المؤلمة أن هؤلاء الإعلاميين ينصاعون، ليس اقتناعًا، بل عجزًا، لأن ميزان القوة مختل، ولأن الاعتراض في مناخ كهذا مكلف. وهكذا، تتحول القرارات الباطلة إلى واقع نافذ، فقط لأن لا أحد يملك القدرة على الطعن فيها.
القضية هنا ليست شخصًا بعينه، بل فكرة كاملة عن إدارة المؤسسات: هل تُدار بالقانون، أم تُدار بالتعيين؟ هل تُبنى على قواعد واضحة، أم على توازنات مؤقتة؟ لأن ما يحدث اليوم، إذا استمر، لن يتوقف عند نقابة الإعلاميين، بل سيمتد إلى غيرها، حتى يصبح القانون مجرد اقتراح لا إلزام.
ختامًا، لا يمكن لمؤسسة أن تكتسب شرعيتها من قرارات معيبة، ولا يمكن لنقيب أن يستمد قوته من وضع قانوني مرتبك. الشرعية لا تُمنح بقرار، بل تُكتسب بالانتخاب، وتُحمى بالالتزام بالنصوص، لا بتجاوزها.
أما أن يستمر الوضع هكذا، فهذه ليست مجرد مخالفة، بل سابقة. والسابقة، كما نعلم، أخطر من الخطأ نفسه.
-----------------------------
بقلم: إبراهيم خالد
الطقس
إقرأ أيضا
هاكان فيدان يشيد بموقف مصر المسؤول عقب استهداف سفينتي طاقة في دمياط
ثمن وزير الخارجية التركي هاكان فيدان، الموقف المصري المتزن والمسؤول الذي اتخذته مصر عقب الهجوم...
نبيل فهمي يبحث أمين عام مجلس التعاون الخليجي تطورات القضايا العربية والإقليمية
استقبل نبيل فهمي، الأمين العام لجامعة الدول العربية، اليوم الخميس، جاسم محمد البديوي، الأمين العام ل...
رئيس حزب الوفد يوجّه بالاستعانة بالكوادر القبطية والشباب في تشكيلات الحزب بالمحافظات
وجّه الدكتور السيد البدوي شحاتة رئيس حزب الوفد دعوة عاجلة لجميع الأعضاء واللجان المكلفة بتشكيل اللجا...
نقيب الإعلاميين: ملتزمون بميثاق الشرف الإعلامي وبقرار المحكمة بحظر النشر في قضية التجمع الخامس
أصدرت نقابة الإعلاميين، برئاسة الإعلامي الدكتور طارق سعده، نقيب الإعلاميين، بيانًا بشأن الخطاب الوار...
الاكثر قراءة
البحث عن «أمل» في "جمهورية الخوف"
لم يخطر ببال الشاعر الراحل سيد حجاب عندما صاغ ديباجة دستور 2014، أن مجرد التفكير في المشاركة السياسي...
ميتشو: غياب شيكابالا عن مواجهة بطل السنغال مؤثر للغاية
كشف الصربي ميتشو المدير الفني لفريق الكرة الأول بنادي الزمالك عن أنه لا يشعر بأي ضغوط قبل مواج...
الصبي والبلطجي!!
قبل عدة عقود ظهرت ألغام بحرية في البحر الأحمر هددت مسارات الملاحة الدولية.. واضطرت شركات كثيرة لتوجي...
حوار مع رضا المكي "المنظر والمنظم": إعادة اكتشاف الرئيس قيس سعيد
هذه أسرار نجاح قيس سعيد يرويها زميل دراسته أقرب معاونيه خلال حملته الانتخابيةيضع رفض برلمان تونس الل...
أسعار الذهب اليوم
السعر بالجنيه المصري