الأربعاء، 04 نوفمبر 2026 القاهرة 30.3°C
رئيس التحرير مجدي شندي
ضوء | فريد الأطرش .. عبقري الزمان (١)

ضوء | فريد الأطرش .. عبقري الزمان (١)

كنا ونحن صغار فريقين، الأول يناصر فريد، والثاني عبدالحليم، وكنت مع الفريق الثاني، لأني لم أكن أفهم الموسيقى الشرقية، لكن بعد أن تخطيت الثلاثين أحببت هذا الفنان العبقري الشامل وعرفت قيمته الحقيقية.

وربما بفضل التنافس الشريف بين الفنانين آنذاك، سمعنا أروع الروائع، لكن الفارق إن إبداعات فريد شاملة في التأليف الموسيقى والإنتاج السينمائي والطرب والتمثيل.

وعن جدارة تم تكريم فريد في مصر مؤخراً، بإصدار طابع بريدي باسمه، وبوضع تمثاله الذهبي في دار الأوبرا، وهو يجلس شامخاً مع عوده متربعاً، وهو قمة القمم.

ولد فريد في أبريل عام 1917 في جبل الدروز بسوريا، وكان والده من القيادات الوطنية التي قاومت الاحتلال الفرنسي.

أمير ابن أمير، لكن حياته كدّ ودموع، وآلام في الضلوع، اضطر مع عائلته إلى الترحال منذ طفولته، من سوريا إلى القاهرة هرباً من بطش الفرنسيين المعتزمين اعتقاله وعائلته، انتقاماً لوطنية والدهم الأمير فهد الأطرش.

عاش فريد في القاهرة مع والدته عالية بنت المنذر، وشقيقه فؤاد وأخته أسمهان، ألتحق بإحدى المدارس الفرنسية، واضطر إلى تغيير اسم عائلته، وعندما زار المدرسة أحد الرجال المرموقين، أُعجب بصوته، وراح يُشيد به وعائلته أمام الأستاذ الفرنسي، فطردوه من المدرسة، فألتحق بعدها بالمدرسة البطريركية.

نفد المال الذي كان بحوزة والدته وانقطعت أخبار والدهم، مما دفعها للغناء في المسارح، لأن العمل في الأديرة لم يعد يكفي، وافق فريد وفؤاد بشرط مرافقة والدتهما حيثما تذهب.

أقام زكي باشا حفلة يعود ريعها إلى الثوار، وغنى فيها فريد أغنية وطنية نالت إعجاب الحضور، وخلالها تعرّف على الفنانة بديعة مصابني، التي ألحقته بفرقتها، ونجح في إقناعها بأن يغني بمفرده.

حرصت والدته على بقاء فريد في المدرسة، غير أن زكي باشا أوصى بإدخاله معهد الموسيقى، وعندما عزف ملك العود، تم قبوله مباشرة بالمعهد، فأحس وكأنه ولِد من جديد.

وفي موعد امتحانه أصيب بزكام حاد، وأصرت اللجنة على عدم تأجيل الامتحان وكانت النتيجة الفصل، ولكن مدحت عاصم طلب منه العزف للإذاعة مرة في الإسبوع، فطلب فريد الغناء منفرداً، وتم تحديد موعد جديد للأداء أمام اللجنة، فغنى فريد أمامهم أغنية (الليالي)، ليتحقق حلمه، وليبدأ تسجيل أغنياته المنفردة.

سجل أغنيته الأولى (يا ريتني طير)، من كلمات وألحان يحيى اللبابيدى، وأصبح يغني في الإذاعة مرتين في الإسبوع، لكن ما يقبضه كان أجراً زهيدًا.

استعان بأشهر العازفين في فرقته الموسيقية، وسجل الأغنية الثانية (أحب من غير أمل)، وبعد التسجيل خرج بخسارة مالية، لكن بربح فني وأدبي لتشجيع الجمهور وحبه له.

أبدع العزف على العود، وبفضله ابتدع الوتر السادس، وأحب الخيل، وفيما كان في ميدان السباق راهن على فرس وكسب الرهان، وفي اللحظة نفسها وصله نبأ وفاة شقيقته أسمهان في حادث سيارة، فترك موتها أثراً عميقاً في قلبه لا يزول.

تعرض إلى ذبحة صدرية وظل سجين بيته، وانغمس في العمل الفني لكي ينسى أحزانه، وبينما كان يكّد في عمله أصابه الألم مجددًا، فوقع طريح الفراش، وحاول أن يقاوم المرض، وطلب منه الأطباء الراحة التامة لأن قلبه صار يتربص به، وهكذا كانت الخاتمة الموسيقية لحياته، بعد كل ما ذاقه من مصائب وتجارب، توفي فريد في بيروت إثر أزمة قلبية في 24 ديسمبر 1974 عن عمر لم يتعد الستين، لكنه طلب أن يُدفن في مصر بجانب شقيقته.

مَثلّ فريد الأطرش (31) فيلماً سينمائياً كان بطلها جميعاً، أُنتجت من سنة 1941 حتى 1974، وكان يختار قصص أفلامه بعناية، بحيث تتقاطع مع قصة حياته، وأشهر أفلامه (حبيب العمر)، الذي يمثل قصة حبه الحقيقية، ثم فيلم (عهد الهوى)، ويمثل فيها فقدان الحبيب بعد خداع الآخرين له.

وفيلم (حكاية العمر كله)، ويمثل ضياع عمره في البحث عن الحبيب، فلقد أحب سامية جمال، كما عشق شادية، ولكنه لم يتزوج أبداً وظل وحيداً فريداً متفرداً.

أما فيلم (ودعت حبك) والذي أثار ضجة كبيرة، بسبب وفاة البطل في النهاية، فلم يقنع المتفرجين سوى خروج فريد فاتحا الستار ليقول لهم ها أني حي أُرزق، ولا ننسى فيلم (رسالة من امرأة مجهولة) الذي صدح فيه بأجمل الألحان.

أغنياته بلغت (93) أغنية، بقيت في القلوب محفوظة حتى اللحظة، فمن يستطيع أن ينسى (علشان ماليش غيرك) أو(ساعة بقرب الحبيب) أو(الربيع)؟ إضافة إلى مئات الألحان غناها غيره.

وصوته الشجي الحزين أبدع في أداء الكلمات، لكثير من شعراء عصره أمثال: أحمد بدرخان، وأحمد رامي، والأخطل الصغير، وبديع خيري، وبيرم التونسي، وخالد الفيصل، وأبو السعود الإبياري، وكامل الشناوي.

وغنى من ألحانه الكثير من الفنانين، أشهرهم: أسمهان، سميرة توفيق، شادية، فايزة أحمد، صباح، مها صبري، وديع الصافي، نور الهدى، وردة الجزائرية، فهد بلان، محرم فؤاد، وطروب وغيرهم عشرات.

رحل عنا فريد الأطرش عبقري الموسيقى الشرقية الفذّ الذي ستبقى ألحانه خالدة إلى الأبد، رحل عنا موسيقار كل الأزمان، وترك لنا إرثاً موسيقياً عظيماً خالداً لا ينضب ولا يشيخ.
----------------------------------------
بقلم: د. أنيسة فخرو
* سفيرة السلام والنوايا الحسنة - المنظمة الأوروبية للتنمية والسلام


استمع إلى المقال حوّل المقال إلى تجربة صوتية
مدة القراءة04:41
تعليقات


الطقس
القاهرة مصر
30.3°C
توقعات الساعات القادمة
30.3°C
30.9°C
30.9°C
30.4°C
29.3°C
27.5°C
إقرأ أيضا
هاكان فيدان يشيد بموقف مصر المسؤول عقب استهداف سفينتي طاقة في دمياط

ثمن وزير الخارجية التركي هاكان فيدان، الموقف المصري المتزن والمسؤول الذي اتخذته مصر عقب الهجوم...

نبيل فهمي يبحث أمين عام مجلس التعاون الخليجي تطورات القضايا العربية والإقليمية

استقبل نبيل فهمي، الأمين العام لجامعة الدول العربية، اليوم الخميس، جاسم محمد البديوي، الأمين العام ل...

رئيس حزب الوفد يوجّه بالاستعانة بالكوادر القبطية والشباب في تشكيلات الحزب بالمحافظات

وجّه الدكتور السيد البدوي شحاتة رئيس حزب الوفد دعوة عاجلة لجميع الأعضاء واللجان المكلفة بتشكيل اللجا...

نقيب الإعلاميين: ملتزمون بميثاق الشرف الإعلامي وبقرار المحكمة بحظر النشر في قضية التجمع الخامس

أصدرت نقابة الإعلاميين، برئاسة الإعلامي الدكتور طارق سعده، نقيب الإعلاميين، بيانًا بشأن الخطاب الوار...

الاكثر قراءة
هل يقبل محمد الباز التحدي؟

في حلقة 6 أغسطس 2019 من برنامج 90 دقيقة على قناة المحور دعا الزميل محمد الباز مقدم البرنامج 3 من أعض...

آني أرنو - الفائزة بنوبل - ووجع الذنب والتمرد على الأب العامل والجد العربجي

"إن وظيفة الكتابة أو نتاجها ليست طمس جرح أو علاجه، وإنما إعطاؤه معنى وقيمة، وجعله في النهاية لا...

زهايمر!

هل يمكن أن نضيف شيئاً ؟ .. فتح ، حماس ، فتح الإسلام .. يسار ، يمين .. ديمقراطية ، عسكرتارية ، أوتوقر...

الصبي والبلطجي!!

قبل عدة عقود ظهرت ألغام بحرية في البحر الأحمر هددت مسارات الملاحة الدولية.. واضطرت شركات كثيرة لتوجي...

أسعار الذهب اليوم

السعر بالجنيه المصري

عيار 24
7,063ج.م
عيار 21
6,180ج.م
عيار 18
5,297ج.م
الجنيه الذهب
49,440ج.م
عرض جميع الأسعار

تابعونا


جارٍ التحميل...