السبت، 07 نوفمبر 2026 القاهرة 16.7°C
رئيس التحرير مجدي شندي
ضوء | المراثي الضائعة

ضوء | المراثي الضائعة

في مستهل عيد الأضحى المبارك، نترحم على شهدائنا الأبطال في غزة، والضفة، وفي يوم النكبة ننتكب مجددًا بفقدان أكثر من ٦٠ ألف شهيد، وأكثر من مائة ألف جريح ومعاق، شباب ينبثقون كالماء من الأرض ليقدموا أرواحهم فداء للحرية، في عمر الورد يودعون أمهاتهم وزوجاتهم وأطفالهم، لن يروا وجوههم مجدداً ولن يشاركوهم على مائدة الطعام، تحتضن الأم قميص ابنها برائحة دمه المضمّخة بالورد والياسمين، وتغني للريح اسمه مرددة النداء: فلسطين عربية.

قوافل الشهداء أراها أمام عينيّ، عشرات الآلاف تعبر الزمن، وتأتي إلينا تصافحنا وتسأل: متى نفرح معكم بالعيد الحقيقي؟ ولحظتها كنت انتهيت من قراءة كتاب (المراثي الضائعة) للكاتب المرحوم فاضل الربيعي، وتساءلت أحقا تلك المراثي ضائعة؟

يستكمل الباحث ما كتبه في (أورشليم ليست القدس) ليعزز نظريته في: إن كل ما ورد بشأن بني إسرائيل واليهود والأماكن والمواقع الجغرافية في كل النصوص الدينية للأديان السماوية الثلاث، يعني أرض اليمن القديم، وليست أرض الشام ولا أرض فلسطين التاريخية أبدًا.

ويربط اللغات القديمة كلها بالفكرة الأساسية، ليستخرج حتى المراثي القديمة للأنبياء في التوراة من الشعر العبري،  ويترجمها باعتبارها جزء من تراث الشعر الجاهلي الضائع، حيث تتضمن هذه المراثي أسماء أماكن ومواضع وقبائل ليست لها علاقة بفلسطين بتاتاً، بل باليمن القديم، مؤكداً أن اليهودية ولدت في اليمن كدين عربي قديم، وإن التوراة لم تأت على ذكر فلسطين، وكل اللغات القديمة مثل الأكدية والآرامية والسريانية والعبرية كلها لغات عربية قديمة، وجاء المستشرقون الغربيون بقراءتهم المحرّفة بتعمد للتاريخ، لكي يخلقوا الوهم ويعززوا فكرة أن التوراة والكتب السماوية جاءت على ذكر فلسطين الحالية، تمهيداً لاحتلال الأرض وتشريد الشعب.

ويستشهد الباحث بالإمام (أبي الفداء ابن كثير) في كتابه (المختصر في أخبار البشر)، للتفريق بين أمة اليهود وبني إسرائيل، حيث اليهود أمة تشمل مختلف الأجناس والأعراق والأمم، لأن كثير من أجناس العرب والروم والفرس كانوا يهوداً ولم يكونوا من بني إسرائيل، لكن بني إسرائيل هم أصل اليهودية، وهي قبيلة عربية من أصل عربي قُحّ من اليمن، والانتماء إلى دينهم لا يعني انتساباً للقبيلة، مثلما حدث مع الإسلام، حين خرج الدين الإسلامي والنبي محمد من قبيلة قريش، لكنه أصبح ديناً عالمياً تعتنقه مختلف الأعراق والأمم، كما اُعتُنقت اليهودية من قبله، ولقد ميّز القرآن بدقة بين بني إسرائيل وبين اليهود، لذلك فإن يهود الغرب ليس لهم حق تاريخي في فلسطين بتاتاً.

العبرية لهجة عربية قديمة من جنوب اليمن يتكلم بها حتى غير اليهود، وأصل اليهودية نسبة إلى يهوذا أحد الأسباط، وأُبدلت الذال إلى دال كما يوجد مثل ذلك في كلام العرب.

وفِي التوراة لا يوجد ذكر القيامة، ولا الدار الآخرة، ولا البعث، ولا الجنة والنار، وكل جزاء هو معجل في الدنيا، فيجزون على الطاعة بالنصر وسعة الرزق، وعلى المعصية والكفر بالموت والحميات والجرب.

ثم يأتي الباحث على ذكر الترانيم الدينية باللهجة العبرية القديمة ما قبل الإسلام، ويعتبرها ضمن الشعر الجاهلي الضائع، تأكيداً لنظرية طه حسين في الشعر الجاهلي.

ومن أهم المراثي مرثية (صور) للنبي (حزقيل)، و(صور) منطقة حالياً تتبع (سلطنة عمان) وصل إليها الرحّالة الإدريسي من (المُكلا)، وكانت ضمن أراضي اليمن القديم، وحزقيل النبي العربي الذي أرسله الله إلى يهود بني قريظة كما يقول الطبري، جاء في عصر مقارب من عصر يوشع بن نون (1200-900 قبل الميلاد)، وورد في مرثيته أسماء عدد كبير من القبائل العربية التي لا وجود لها في تاريخ فلسطين القديم أو الحديث، من بينها المضريون والجمديون وقيدار وبنوددن.

يقول الباحث إن ما يعيب التاريخ الرسمي للمنطقة كما كتبه المستشرقون الغربيون وعلماء الآثار، أنه كتب من وجهة نظر التيار التوراتي في علم الآثار، وقد قام المؤرخون العرب على خطى من قبلهم بسرد الأحداث بالاستعانة بالنص التوراتي، دون تمحيص أو تدقيق في النصوص الأصلية، وهذه هي نقطة الضعف المركزية في التاريخ السائد، لأن التوراة لا تتحدث عن تاريخ دمشق القديم ولا عن صور لبنان ولا عن فلسطين، بل عن أسماء مواضع وقبائل وشعوب عاشت في اليمن القديم، ومن أهم الأسماء التي وردت في التوراة، بسان، وسن، ومصريم، والليث وصيد، وإرم، ودمسق، وسبأ.

يجتهد الباحث الربيعي في ترجمة المراثي الضائعة والمنسية من أجل أن يبعث الروح فيها ليجعلها تنطق بالحياة والحقيقة.

وحتمًا الشهداء أحياء عند ربهم يرزقون، فلا الشهداء يموتون، ولا المراثي تضيع.
----------------------------------
بقلم: د. أنيسة فخرو
* سفيرة السلام والنوايا الحسنة
المنظمة الأوروبية للتنمية والسلام


استمع إلى المقال حوّل المقال إلى تجربة صوتية
مدة القراءة04:14
تعليقات


الطقس
القاهرة مصر
16.7°C
توقعات الساعات القادمة
16.7°C
16.3°C
16.0°C
16.1°C
17.1°C
18.4°C
إقرأ أيضا
هاكان فيدان يشيد بموقف مصر المسؤول عقب استهداف سفينتي طاقة في دمياط

ثمن وزير الخارجية التركي هاكان فيدان، الموقف المصري المتزن والمسؤول الذي اتخذته مصر عقب الهجوم...

نبيل فهمي يبحث أمين عام مجلس التعاون الخليجي تطورات القضايا العربية والإقليمية

استقبل نبيل فهمي، الأمين العام لجامعة الدول العربية، اليوم الخميس، جاسم محمد البديوي، الأمين العام ل...

رئيس حزب الوفد يوجّه بالاستعانة بالكوادر القبطية والشباب في تشكيلات الحزب بالمحافظات

وجّه الدكتور السيد البدوي شحاتة رئيس حزب الوفد دعوة عاجلة لجميع الأعضاء واللجان المكلفة بتشكيل اللجا...

نقيب الإعلاميين: ملتزمون بميثاق الشرف الإعلامي وبقرار المحكمة بحظر النشر في قضية التجمع الخامس

أصدرت نقابة الإعلاميين، برئاسة الإعلامي الدكتور طارق سعده، نقيب الإعلاميين، بيانًا بشأن الخطاب الوار...

الاكثر قراءة
تحت شعار "الدواء دون أضرار".. الاعتماد والرقابة الصحية تحتفل باليوم العالمي لسلامة المرضى

تنطلق غدا السبت فعاليات اليوم العالمي لسلامة المرضى، التي تنظمها الهيئة العامة للاعتماد والرقابة الص...

درجة قصة الذي تعلم لغة القطط من نبي الله سليمان

السؤال:ما صحة هذه الرسالة؟ قصة حلوة جدا ومؤثرة، كان من معجزات نبي الله سليمان أنه يكلم الطير والريح...

في انتظار رد اﻷمن.. عن عوائق سفر أعضاء هيئة التدريس (دراسة خطيرة)

تحاول الدولة منذ سنوات فرض سيطرتها على الجامعات المصرية باستخدام قوانين وقرارات عدة أصدرتها خلال الس...

رسالة مفتوحة إلى فخامة الرئيس

سيدي الرئيس: "إنَّ الوصيةَ لو تُرِكَتْ لفضلِ أدبٍ، تُرِكَتْ لذلك منكم"، وإنَّ النصيحة لو ح...

أسعار الذهب اليوم

السعر بالجنيه المصري

عيار 24
7,074ج.م
عيار 21
6,190ج.م
عيار 18
5,306ج.م
الجنيه الذهب
49,520ج.م
عرض جميع الأسعار

تابعونا


جارٍ التحميل...