الأحد، 08 نوفمبر 2026 القاهرة 16.5°C
رئيس التحرير مجدي شندي
ضد جائحة التطبيع

ضد جائحة التطبيع

قبل أيام ، جرى عقد مؤتمر لافت فى "بيروت" عبر تقنية "زووم"، شارك به مئات المثقفين والنشطاء من أغلب العواصم العربية، وبصورة فاقت توقع الداعين المبادرين، حمل المؤتمر الافتراضى عنوان "متحدون ضد التطبيع"، وبدا كاستطراد لمؤتمرات واقعية سبقت فى العاصمة اللبنانية، حملت شعارات من نوع "متحدون ضد صفقة القرن"، فى إشارة لرفض ما كان يسمى خطة ترامب للسلام، التى يحافظ الرئيس الأمريكى الجديد جوبايدن على عناصرها الكارثية الأساسية، فيما يخص القدس وضم الجولان واتفاقات إبراهام، وإن عاد إلى معزوفة "حل الدولتين"، التى لا تعدو كونها قناعا قديما جديدا لخطة دونالد ترامب سيئة الذكر.

وبالطبع، لا يملك عربى صادق، سوى أن يستبشر خيرا بمبادرة "متحدون ضد التطبيع"، وإن كان دعاتها والمبادرون إليها، بحسب ما نشر منسوبا لبعضهم، يلجأون أحيانا إلى مبالغات عظيمة الفجاجة، من عينة أن مؤتمرهم الأسبق "متحدون ضد صفقة القرن"، ساهم فى إسقاط ترامب بانتخابات الرئاسة الأمريكية، وهو خطأ لو تعلمون عظيم، فالولاء لإسرائيل، وجعلها قدس الأقداس، هو نقطة اتفاق مطلق فى السياسة الأمريكية وأحزابها، وترامب لم يسقط طبعا بسبب "صفقة القرن"، بل لأسباب أمريكية داخلية، كالخلاف حول نزعات الكراهية والعنصرية وأوضاع الاقتصاد وأزمات انعدام المساواة، وبسبب الفشل الذريع فى مواجهة جائحة كورونا وغيرها، ومن دون شبهة خلاف بين بايدن وترامب فى أولوية مصالح ومطامح كيان الاحتلال الإسرائيلى، إضافة لكون بايدن معتزا كما قال بصهيونيته، وحريصا على ملء مناصب إدارته الخارجية باليهود الصهاينة، ولهم فيها نصيب الأسد، وعلى رأسهم "أنتونى بلينكن" وزير الخارجية .

ماعلينا، الأهم أن دعوة "متحدون ضد التطبيع" تبدو فى محلها تماما، وهدف بلورة حركة شعبية عربية مقاومة للتطبيع أو "التتبيع"، مما يستحق الحماس له، وبذل غاية الجهد من أجله، فقد تفشت خطايا التطبيع، وصارت "جائحة سياسية"، فوق كونها عارا، وصرنا إزاء ست حكومات عربية خارج فلسطين المحتلة، تقيم علاقات رسمية مع كيان الاحتلال، ويتحالف بعضها معه، مع احتمال انضمام حكومات مضافة، فوق تفشى العدوى نفسها فى دول العالم الإسلامى بعامة، التى يقيم الكثير منها علاقات "طبيعية" مع إسرائيل، وهو ما يعنى اتساع الخرق على الراتق، خصوصا مع غلبة علاقات التبعية المزمنة لأمريكا راعية كيان الاحتلال، وصحيح أن حكومات عربية سبق أن طبعت مع إسرائيل، ثم قلصت العلاقات أو أنهتها ظاهريا، وتحت ضغط حوادث الحروب والمجازر ضد الفلسطينيين، لكن الجديد المؤسى المخزى، أن أغلب حكومات العرب اليوم، فقدت أو كادت حساسيتها السابقة فى تغليب الهم الفلسطينى، برغم استمرار تداول عبارات تصف العذاب الفلسطينى بقضية العرب المركزية، على حد ما يرد فى البيانات المستنسخة لاجتماعات جامعة الدول العربية، أو فى بيانات قرينتها "منظمة التعاون الإسلامى"، ومن دون أن يصدق عاقل بيانات الحكومات إياها، فأغلبها تتسابق إلى تطبيع وتوثيق علاقاتها بإسرائيل، إما لكسب قلب أمريكا عبر محبة تل أبيب، أو الاستعانة بإسرائيل ذاتها ضد أعداء يرونهم أكثر خطراعلى عروشهم \، على طريقة إحلال إيران محل إسرائيل فى أولوية العداوة، أو حتى الادعاء بأن العلاقات مع إسرائيل \، قد تفيد الفلسطينيين فى مفاوضات "حل الدولتين"، مع ضعف موقف "السلطة الفلسطينية" عموما فى الحال والمستقبل المنظور، وكلها دواع مرئية، تخلق بيئة مواتية لانتشار جائحة التطبيع عند الحكومات العربية المشتتة المعلقة، المفتقدة غالبا لدعم شعبى يسند وجودها، والمشغولة بمواجهة شعوبها لا بمواجهة كيان الاحتلال الإسرائيلى، وهو ما يضفى وجاهة على الفكرة البسيطة القائلة، أن التطبيع شأن الحكومات المتورطة أو الغارقة فيه، وأن مقاومة التطبيع شعبيا هى الحل الممكن فى المدى المنظور، وإلى أن يقضى الله أمرا كان مفعولا.

والمقاومة الشعبية للتطبيع، لا تبدأ من فراغ، فقد مرت نحو 42 سنة على أول معاهدة سلام عربية إسرائيلية، وعلى أول تطبيع حكومى من طرف عربى، فقد عقدت ما تسمى "معاهدة السلام المصرية الإسرائيلية" عام 1979، وجرى تبادل العلاقات الدبلوماسية بعدها بعام، ثم أضيفت علاقات اقتصادية، لايزال بعضها متصلا كاتفاقات "الكويز" والغاز، لكن العلاقات ظلت مقطوعة تماما على الصعيد الشعبى، وظل التطبيع وصمة وخطيئة، وجريمة سالبة لشرف المتورطين فيها، ومقبرة يخشى الميالون للتطبيع من الدفن فيها، وعلى طريقة ما جرى مؤخرا من تراجع المطرب المصرى محمد منير سريعا عن الذهاب للغناء فى القدس المحتلة، وقبلها نوبات "تجريس" فنان مصرى آخر \، لمجرد أنه تورط بمصافحة إسرائيليين فى "دبى"، وتعرض بسبب "الجريمة" لنبذ شعبى واسع، بل عاقبه مواطنون مصريون تلقائيا بالإيذاء البدنى المباشر، وهذه ليست حالة عصاب نفسى، بل تعبير عن وعى راسخ وحيوية فائقة للشعب المصرى، الذى يمثل وحده نحو ثلث شعوب الأمة العربية كلها، وقدم فى الحروب مع إسرائيل أكثر من مئة ألف شهيد وجريح، وظل جيشه إلى اليوم على عقيدة العداء لكيان الاحتلال الإسرائيلى، وأبدت طلائعه الوطنية بسالة متصلة ضد التطبيع المفروض، وبرزت فى المعركة ضد التطبيع أسماء لأبطال وشهداء عظام، بينهم سعد إدريس حلاوة وخالد جمال عبدالناصر ومحمود نور الدين والجندى سليمان خاطر والجندى أيمن حسن وأحمد الشحات وغيرهم كثير، وذهب مئات المثقفين مرارا إلى غياهب السجون، بسبب رفضهم القطعى للعلاقات مع العدو، ونجحت تضحياتهم الجليلة فى قطع دابر التطبيع المرئى شعبيا، وصولا إلى حرق السفارة الإسرائيلية غرب نيل الجيزة أواخر 2011، وانزواء السفير الإسرئيلى من بعدها، فى محل إقامة معزول أمنيا بضاحية المعادى، وحيدا لا يزور ولا يزار، وقد لا يتسع المقام لإيراد تفاصيل أكثر عن ملحمة الشعب المصرى، وهى أبلغ وأعظم التجارب الشعبية العربية فى مقاومة التطبيع، وكثير من روحها انتقل للأردن بعد عقد معاهدة "وادى عربة" 1994، خصوصا مع قوة المورد السكانى الفلسطينى فى البنية الشعبية الأردنية، وبما صنع سوابق ملهمة لأى سعى شعبى آخر لاحق، فهى المثال الواقعى المجسد لمعنى مبادرة "متحدون ضد التطبيع"، فليس المطلوب مهرجانات خطابة وتنديد، ولا بيانات منابر ومقابر، بل عمل مدروس، يتقبل وجود خلافات لا تنتهى بين التيارات والأحزاب والهيئات والنقابات فى كل شئ وأى شئ، إلا باستثناء الموقف المنحاز تماما لقضية الشعب الفلسطينى، والرافض لأى تطبيع مع العدو الصهيونى، فالصراع معه قضية وجود لا تسويات حدود، وما تفعله حكومات التطبيع لا يلزم الشعوب، وقد كان ذلك دستورا ساريا لحركات مقاومة التطبيع الأولى، ويستحق أن يبقى كذلك فى مبادرة "متحدون ضد التطبيع" وغيرها.

وقد لا يصح إنكار وجود عقبات مضافة مع تلاحق الثورات المحبطة فى السنوات العشر الأخيرة، من نوع تفاقم الخلافات واحتدامها بين الفئات والتيارات الشعبية العربية، وتحولها إلى مفاصلات وحروب دم فى عدد من الأقطار العربية المركزية، وهو ما يؤثر سلبا بالطبيعة على أى جهد مشترك جامع ضد جائحة التطبيع، وهذه حقيقة ووضع مقبض، يمكن تجاوزه بتنزيه قضية فلسطين عن أى خلاف فكرى أو سياسى، وعن أى حروب أهلية جارية فى أى قطر عربى، وهذه مهمة صعبة، لكنها ليست مستحيلة، ومما قد يجعلها ممكنة أكثر، أن تساعد فيها الحركة الوطنية الفلسطينية ذاتها، بوقف احتراب فصائلها، وبتوحيد خطابها السياسى، وبابتعادها الكلى عن الصراعات والخلافات الجارية فى باقى الأقطار العربية، وبتركيزها المطلق الوحيد على استعادة الحق الفلسطينى، ورد الاعتبار لفلسطين كقضية تحرير وطنى، واتباع سبيل المقاومة الشعبية والمسلحة أولا، وهو الطريق وحده الذى يحيى القضية الفلسطينية، ويثير الالتفات الشعبى العربى إليها، ويشجع التيارات الشعبية العربية على القفز فوق خلافاتها، والاجتماع حول قضية فلسطين من جديد، وبما يجعل لحركات مقاومة التطبيع هدفا ملموسا، هو إعادة بناء جدار المقاطعة العربية للعدو الصهيونى، وصوغ تكامل تلقائى محسوس بين المقاومة فى فلسطين والمقاطعة الشعبية فى عموم العالم العربى، وتجديد قداسة فلسطين فى ضمير ووجدان العرب بعامة، وممارسة ضغط فعلى على حكومات التطبيع، واستبدال أحوال الركود القاتل للوجدان، التى راكمتها مقامرات وأوهام الركض وراء سلام بائس وتسويات مذلة، يتخذها التطبيعيون تكئة للترويج لانصراف عام عن الاهتمام بالقضية الفلسطينية، واعتبارها شأنا يخص الحكومة الفلسطينية لا سواها، فخيار المساومة ـ باسم المفاوضة ـ يميت القلوب، وخيار المقاومة وحده يحيى المقاطعة النبيلة، وباسم الشعوب الأبقى من حكومات الزوال.
----------------------------
بقلم: عبد الحليم قنديل
[email protected]

استمع إلى المقال حوّل المقال إلى تجربة صوتية
مدة القراءة07:40
تعليقات


الطقس
القاهرة مصر
16.5°C
توقعات الساعات القادمة
16.5°C
18.7°C
20.9°C
21.8°C
22.6°C
23.4°C
إقرأ أيضا
هاكان فيدان يشيد بموقف مصر المسؤول عقب استهداف سفينتي طاقة في دمياط

ثمن وزير الخارجية التركي هاكان فيدان، الموقف المصري المتزن والمسؤول الذي اتخذته مصر عقب الهجوم...

نبيل فهمي يبحث أمين عام مجلس التعاون الخليجي تطورات القضايا العربية والإقليمية

استقبل نبيل فهمي، الأمين العام لجامعة الدول العربية، اليوم الخميس، جاسم محمد البديوي، الأمين العام ل...

رئيس حزب الوفد يوجّه بالاستعانة بالكوادر القبطية والشباب في تشكيلات الحزب بالمحافظات

وجّه الدكتور السيد البدوي شحاتة رئيس حزب الوفد دعوة عاجلة لجميع الأعضاء واللجان المكلفة بتشكيل اللجا...

نقيب الإعلاميين: ملتزمون بميثاق الشرف الإعلامي وبقرار المحكمة بحظر النشر في قضية التجمع الخامس

أصدرت نقابة الإعلاميين، برئاسة الإعلامي الدكتور طارق سعده، نقيب الإعلاميين، بيانًا بشأن الخطاب الوار...

الاكثر قراءة
مسيرة لـ" النهوض بالأزهر " تطالب بدمج أجهزة الدعوة

نظم " ائتلاف النهوض بالأزهر " مظاهرة انطلقت بعد صلاة الظهر من مسجد الفتح برمسيس إلى ميد...

فيديو .. د. فادي نصر خبير التجميل: 9 أشياء يجب معرفتها قبل الفيلر

أكد الدكتور فادي نصر خبير التجميل ومديرمركز غلامور الطبي بالرياض أن هناك 9 أشياء يجيب معرفتها قبل عم...

هل يقبل محمد الباز التحدي؟

في حلقة 6 أغسطس 2019 من برنامج 90 دقيقة على قناة المحور دعا الزميل محمد الباز مقدم البرنامج 3 من أعض...

120 عاما على ميلاد محمد عبدالوهاب .. امتزج بالوجدان فاستعصى على الغياب

كعادة كل الأشياء العظيمة ، وجودها صعب، نادر.. وملفت ، كنبتة تزهر في الصخر أو نجم الثريا وسط سماء واس...

أسعار الذهب اليوم

السعر بالجنيه المصري

عيار 24
7,068ج.م
عيار 21
6,184ج.م
عيار 18
5,301ج.م
الجنيه الذهب
49,472ج.م
عرض جميع الأسعار

تابعونا


جارٍ التحميل...