الأربعاء، 04 نوفمبر 2026 القاهرة 23°C
رئيس التحرير مجدي شندي
صفقة مع إيران والفاتورة على حساب العرب

صفقة مع إيران والفاتورة على حساب العرب

لم تعد المشكلة في سياسات دونالد ترامب أنه يبالغ في استخدام القوة أو التهديد المبالغ فيه باستخدامها، بل في الطريقة التي يتصور بها العالم أصلًا، عقلية السمسار تصور له أنه أمام عالم يمكن إدارته بعقلية الصفقات السريعة، والابتزاز السياسي، وخلط الملفات المتناقضة داخل سلّة واحدة، ثم انتظار أن تستجيب الدول كما لو كانت شركات تبحث عن توقيع عقد تجاري لا أكثر.

أحدث الأمثلة على ذلك محاولة الربط بين اتفاق محتمل مع إيران وتوسيع اتفاقيات إبراهام ، عبر دعوات موجهة لدول عربية وإسلامية، بينها السعودية وقطر وتركيا وباكستان، وكأن وقف الحرب مع إيران يمنح واشنطن حق إعادة تشكيل خريطة المنطقة سياسيًا وأخلاقيًا وفق الرؤية الإسرائيلية الأميركية المشتركة.

هذا النوع من التفكير الساذج والعشوائي يكشف أزمة عميقة في فهم طبيعة الشرق الأوسط نفسه. فقضايا مثل فلسطين، والعلاقة مع إسرائيل، وموقع إيران، والتوازنات الإقليمية، ليست ملفات منفصلة يمكن جمعها في “صفقة كبرى” يديرها البيت الأبيض على طريقة رجال الأعمال، بل قضايا متشابكة بالتاريخ والهوية والسيادة والصراع المفتوح منذ عقود.

ولهذا كان الرد الباكستاني (الدولة الساعية إلى وقف الحرب على إيران) مهمًا وكاشفًا. 

لم ترفض إسلام آباد فقط الانضمام إلى اتفاقيات إبراهام ، بل رفضت أصل الفكرة التي تحاول الربط بين القضيتين، مؤكدة أن السلام مع إيران أو وقف الحرب معها لا علاقة له بمواقف الدول من إسرائيل أو من القضية الفلسطينية. 

هذا الرفض الباكستاني المعلن يبعث برسالة إلى ترامب ونتنياهو تعكس إدراكًا عربيًا وإسلاميًا بأن واشنطن تحاول استثمار أي تهدئة إقليمية لفرض وقائع سياسية جديدة تخدم إسرائيل أولًا.

الأخطر في هذه الدبلوماسية العشوائية أنها تتعامل مع السلام باعتباره أداة علاقات عامة، لا نتيجة تسويات عادلة. فبدل معالجة جذور الأزمة، أي الاحتلال الإسرائيلي، والعدوان المستمر على غزة، والتوسع الاستيطاني، والانتهاكات اليومية في فلسطين ولبنان، وسوريا والعراق يجري القفز فوق كل ذلك نحو مشاريع “تطبيع شامل” تُسوَّق باعتبارها إنجازًا تاريخيًا، بينما تقف المنطقة بأسرها فوق مرجل مشتعل تتفاقم فيه الأزمات وتتمدّد الحرائق من غزة إلى ما بعدها.

هنا تحديدًا تبدو المفارقة فاضحة: كيف يمكن الحديث عن “شرق أوسط جديد” في الوقت الذي تستمر فيه إسرائيل في قتل الفلسطينيين، وقصف محيطها، والتصرف كقوة فوق القانون الدولي؟ 

وكيف لعلق أن يُطلب من دول عربية وإسلامية أن تدفع ثمن اتفاق أمريكي مع إيران عبر تقديم تنازلات سياسية وأخلاقية في قضية بحجم فلسطين؟

المشكلة ليست فقط في ترامب المزاجي المتقلب، بل في المدرسة السياسية التي يمثلها؛ مدرسة تتصور أن العالم يُدار بالضغط والصفقات والابتزاز، وأن الشعوب يمكن أن تبيع تاريخها وتنسى حقوقها بمجرد توقيع اتفاق أو إطلاق حملة إعلامية ضخمة.

الشرق الأوسط، بكل تناقضاته، أثبت مرارًا أن القضايا الكبرى لا تُحسم بهذه الطريقة. 

السلام الحقيقي لا يُصنع عبر تجاوز المظالم، ولا عبر تجاهل الاحتلال، ولا عبر تحويل الحقوق التاريخية إلى بنود تفاوض مؤقتة داخل صفقة أمريكية عابرة.

ولهذا يبدو هذا المسار كله أقرب إلى محاولة لتسويق الوهم، لا لصناعة الاستقرار. فالإدارة الأمريكية لا تقدم مشروع سلام حقيقي، بل تحاول إعادة تدوير الأزمات تحت أسماء جديدة، فيما تبقى جذور الانفجار قائمة كما هي، وربما أكثر اشتعالًا من أي وقت مضى.

ما يثير الاشمئزاز أن هذا الربط بين الاتفاق مع إيران وتوسيع اتفاقيات إبراهام لا يبدو منفصلًا عن رغبة ترامب احتواء غضب شريكه الأساسي في الحرب على المنطقة، بنيامين نتنياهو، واللوبي الصهيوني الداعم له في الولايات المتحدة.

 الاتفاق مع إيران، بصيغته الحالية، جاء بعيدًا تمامًا عن الأهداف التي رُفعت منذ بداية التصعيد؛ لا البرنامج الصاروخي الإيراني جرى تفكيكه، ولا إيران أُجبرت على الاستسلام، ولا "تغيير السلوك" تحقق بالصورة التي بشرت بها إسرائيل. 

وهكذا خرج نتنياهو من واحدة من أخطر جولات التصعيد في المنطقة بلا إنجاز حقيقي يستطيع تقديمه للإسرائيليين، بعدما تحولت الحرب من مشروع لإعادة رسم الشرق الأوسط إلى عبء سياسي يهدد مستقبله الداخلي. 

ولذلك يبدو أن ترامب يحاول تعويض هذا الفشل عبر فتح باب “إنجاز” آخر لنتنياهو تحت عنوان توسيع اتفاقيات إبراهام، وكأن المطلوب منح رئيس الوزراء الإسرائيلي مكسبًا سياسيًا مجانيًا يعوضه عن حرب طويلة لم تحقق أهدافها، ويذهب بها إلى الانتخابات وهو لا يحمل في يده سوى الخراب والدمار وصور حرب انتهت بلا انتصار.
------------------------------
بقلم: محمد حماد

استمع إلى المقال حوّل المقال إلى تجربة صوتية
مدة القراءة04:07
تعليقات


الطقس
القاهرة مصر
25.5°C
توقعات الساعات القادمة
25.5°C
27.5°C
29.2°C
30.4°C
30.9°C
30.8°C
إقرأ أيضا
هاكان فيدان يشيد بموقف مصر المسؤول عقب استهداف سفينتي طاقة في دمياط

ثمن وزير الخارجية التركي هاكان فيدان، الموقف المصري المتزن والمسؤول الذي اتخذته مصر عقب الهجوم...

نبيل فهمي يبحث أمين عام مجلس التعاون الخليجي تطورات القضايا العربية والإقليمية

استقبل نبيل فهمي، الأمين العام لجامعة الدول العربية، اليوم الخميس، جاسم محمد البديوي، الأمين العام ل...

رئيس حزب الوفد يوجّه بالاستعانة بالكوادر القبطية والشباب في تشكيلات الحزب بالمحافظات

وجّه الدكتور السيد البدوي شحاتة رئيس حزب الوفد دعوة عاجلة لجميع الأعضاء واللجان المكلفة بتشكيل اللجا...

نقيب الإعلاميين: ملتزمون بميثاق الشرف الإعلامي وبقرار المحكمة بحظر النشر في قضية التجمع الخامس

أصدرت نقابة الإعلاميين، برئاسة الإعلامي الدكتور طارق سعده، نقيب الإعلاميين، بيانًا بشأن الخطاب الوار...

الاكثر قراءة
آني أرنو - الفائزة بنوبل - ووجع الذنب والتمرد على الأب العامل والجد العربجي

"إن وظيفة الكتابة أو نتاجها ليست طمس جرح أو علاجه، وإنما إعطاؤه معنى وقيمة، وجعله في النهاية لا...

حكم رسم الأنمي وكيفية التخلص من إثمه

السؤال:أشكركم على هذا الموقع‎.‎ ‏ سؤالي‎:‎‏ أنا أحب رسم الأنمي كثيرا، ‏فقد مضت سنة على رسمي له، لك...

"سوبيبور" عرض مسرحي في القاهرة يزيف التاريخ ويستجدي التعاطف مع يهود الهولوكوست

لا يوجد نص أدبي تأتي فكرته من الفراغ، فأي كاتب حتى من يكتب الكوميديا تكون لديه رسالة أو هدف مما يكتب...

درجة قصة الذي تعلم لغة القطط من نبي الله سليمان

السؤال:ما صحة هذه الرسالة؟ قصة حلوة جدا ومؤثرة، كان من معجزات نبي الله سليمان أنه يكلم الطير والريح...

أسعار الذهب اليوم

السعر بالجنيه المصري

عيار 24
6,994ج.م
عيار 21
6,120ج.م
عيار 18
5,246ج.م
الجنيه الذهب
48,960ج.م
عرض جميع الأسعار

تابعونا


جارٍ التحميل...