صحافة الريالتي.. ووهم النجاح
يبدو أننا في مصر اكتشفنا، فجأة، نوعًا جديدًا من الصحافة لا يحتاج إلى خبرٍ كبير، ولا إلى تحقيقٍ شاق، ولا إلى صحفي يطارد الحقيقة في الملفات والمكاتب والشوارع.. يكفي أن نفتح الكاميرا، ونستدعي بعض الوجوه، ونضع أمامها ميكروفونًا، ثم نعلن أننا أمام «صحافة الريالتي».
المشكلة ليست في «الريالتي» نفسها، ولا في أن تتغير أدوات الصحافة أو تتطور أشكالها. الصحافة، بطبيعتها، ابنة عصرها، ومن حقها أن تبحث عن وسيلة جديدة للوصول إلى الناس. لكن المشكلة تبدأ حين تتحول الوسيلة إلى غاية، وحين يصبح الظهور هو الخبر، والانتشار هو الإنجاز، وعدد المشاهدات هو المقياس الوحيد للنجاح.
نحن أمام حالة غريبة من «صناعة النجاح».. نجاح يُعلن عن نفسه باستمرار، بينما لا نكاد نرى له أثرًا حقيقيًا في الواقع.
يقال لنا إن هذه البرامج حققت انتشارًا هائلًا، وإنها صنعت نجومًا، وإنها أعادت الجمهور إلى الإعلام، وإنها أصبحت بديلًا أكثر جاذبية من الصحافة التقليدية. لكن السؤال البسيط الذي يبدو أن أحدًا لا يريد طرحه: وماذا بعد؟
أين القضايا التي تغيرت؟ أين الملفات التي فُتحت بسببها أبواب مغلقة؟ أين المسؤول الذي اضطر إلى الرد؟ أين المواطن الذي استعاد حقًا، أو مؤسسة اضطرت إلى تصحيح خطأ، أو حقيقة خرجت إلى النور لأن كاميرا «الريالتي» قررت أن تضعها أمام الناس؟
لا أحد يعترض على أن تحكي عن الناس، لكن الصحافة ليست مجرد أن تجعل الناس يتفرجون على بعضهم البعض.
الصحافة الحقيقية ليست «شو» طويلًا، ولا مسابقة في صناعة الترند. الصحافة تبدأ من السؤال، وتنتهي عند الحقيقة، وبينهما بحث وتحقق ومصادر ووثائق وشجاعة ومسؤولية. أما أن نأخذ بعض مظاهر الحياة، ونضع عليها عنوانًا صحفيًا، ثم نطلب من القارئ أن يصدق أنه حصل على «الصحافة» كاملة، فهذه ليست ثورة في الإعلام، وإنما إعادة تعريف للصحافة حتى تناسب غيابها.
والأخطر أن يجري تصدير هذا النموذج باعتباره نجاحًا. نجاحًا لا نعرف معاييره، ولا نرى نتائجه، ولا نستطيع قياس تأثيره إلا من خلال أرقام المشاهدة والتفاعل.
المشكلة إذن ليست أن «صحافة الريالتي» ظهرت، وإنما أن البعض يريد إقناعنا بأنها ظهرت لتملأ الفراغ الذي تركته الصحافة الحقيقية.
والحقيقة أن الفراغ لا يُملأ بالضجيج.
يمكنك أن تجعل ملايين الناس يشاهدون شيئًا لا يغير شيئًا، ويمكنك أن تصنع حوله حالة من التصفيق، لكن ذلك لا يحوله إلى إنجاز.
الصحافة لا تُقاس بعدد الكاميرات أمام الضيف، ولا بحجم الجمهور خلف الشاشة، وإنما بما تتركه وراءها بعد أن تنطفئ الكاميرات.
فإذا لم يبقَ من كل هذا «النجاح» سوى مشاهدات، وتصفيق، ووجوه تتكرر، وعناوين كبيرة.. فربما نحن لا نشهد ميلاد صحافة جديدة، بقدر ما نشهد ميلاد وهم جديد اسمه: نجاح الريالتي.
-----------------------------
بقلم: إبراهيم خالد
الطقس
إقرأ أيضا
هاكان فيدان يشيد بموقف مصر المسؤول عقب استهداف سفينتي طاقة في دمياط
ثمن وزير الخارجية التركي هاكان فيدان، الموقف المصري المتزن والمسؤول الذي اتخذته مصر عقب الهجوم...
نبيل فهمي يبحث أمين عام مجلس التعاون الخليجي تطورات القضايا العربية والإقليمية
استقبل نبيل فهمي، الأمين العام لجامعة الدول العربية، اليوم الخميس، جاسم محمد البديوي، الأمين العام ل...
رئيس حزب الوفد يوجّه بالاستعانة بالكوادر القبطية والشباب في تشكيلات الحزب بالمحافظات
وجّه الدكتور السيد البدوي شحاتة رئيس حزب الوفد دعوة عاجلة لجميع الأعضاء واللجان المكلفة بتشكيل اللجا...
نقيب الإعلاميين: ملتزمون بميثاق الشرف الإعلامي وبقرار المحكمة بحظر النشر في قضية التجمع الخامس
أصدرت نقابة الإعلاميين، برئاسة الإعلامي الدكتور طارق سعده، نقيب الإعلاميين، بيانًا بشأن الخطاب الوار...
الاكثر قراءة
لماذا ينظر الرجل إلى شفتي المرأة أثناء حديثها إليه؟
إذا كانت فتاة او سيدة قد لاحظت أن الرجل ينظر إلى شفتيها عندما تتحدث معه، فربما تتساءل عن السبب وماذا...
ميتشو: غياب شيكابالا عن مواجهة بطل السنغال مؤثر للغاية
كشف الصربي ميتشو المدير الفني لفريق الكرة الأول بنادي الزمالك عن أنه لا يشعر بأي ضغوط قبل مواج...
"سوبيبور" عرض مسرحي في القاهرة يزيف التاريخ ويستجدي التعاطف مع يهود الهولوكوست
لا يوجد نص أدبي تأتي فكرته من الفراغ، فأي كاتب حتى من يكتب الكوميديا تكون لديه رسالة أو هدف مما يكتب...
فيديو .. د. فادي نصر خبير التجميل: 9 أشياء يجب معرفتها قبل الفيلر
أكد الدكتور فادي نصر خبير التجميل ومديرمركز غلامور الطبي بالرياض أن هناك 9 أشياء يجيب معرفتها قبل عم...
أسعار الذهب اليوم
السعر بالجنيه المصري