السبت، 31 أكتوبر 2026 القاهرة 18.1°C
رئيس التحرير مجدي شندي

شيخ المترجمين العرب فى عيده الثمانين!

أتم الأكاديمى الكبير والمترجم العظيم والشاعر عاشق اللغة محمد عنانى عامه الثمانين يوم 4 يناير، قبلها بأسابيع كان يتساءل إن كان سيمد الله عمره ليبلغ الثمانين، ويكثف العمل لإنهاء ترجمة لطه حسين. فى يوم ميلاده هاتفته وقلت له "يا أستاذنا لسه ادامك مشروعات ترجمة كتير تخلصها، وتلامذة كتير محتاجينك تساعدهم، ربنا يبارك فى عمرك!"آ 

لايمكن نقل محمد عنانى فى أى سطور، إنجازه الثقافى غير مسبوق، فهو مترجم الفردوس المفقود لجون ميلتون ومسرحيات شكسبير وقصائده، يترجم الشعر شعرا منظوماً بديعا، وهو مترجم صلاح عبد الصبور وجمال الغيطانى وصلاح جاهين وإدوار الخراط إلى الإنجليزية، هو صاحب كتب مؤسسة فى علم الترجمة والتدريب وإعداد المترجمين، والكثير من الكتب والموسوعات الفلسفية بالغة الأهمية والكتب النقدية التى لايسعنا ذكرها هنا جميعا، وإن كنت تجدها بسهولة عزيزى القاريء فى رابط صفحته على موسوعة ويكييبديا. حين يتحدث يفيض بالعلم والشغف للغة والدهشة من جمالها، دهشته الفطرية هذه تتركه شاباً عفي الروح مهما بلغ من العمر، بارك الله فى عمره!

كانت المرة الأولى التى رأيت فيها د. محمد عنانى فى أواخر الثمانينات حين لمحت رجلاً مهيباً ذا بسطة فى الطول والعرض يتجمع حوله أساتذتى فى كلية آداب جامعة طنطا ويحتفون به احتفاءً بالغاً. كان يبدو كوجهاء الأقوام وسادتهم، وعيناه تلمعان من خلف النظارة وخلف دخان سيجارته. ثم كانت المرة الثانية حين امتحننى لدرجة الدكتوراة وكانت مشرفتى الأستاذة الدكتورة نادية سليمان رحمة الله وبركاته ورضوانه عليها، وأثنى على الموضوع وعاب على الأخطاء التافهة التى كان يمكن تداركها لو إتسع وقت المراجعة، كان دقيقاً، ودوداً ومباشراً.آ 

ثم كانت المرة الأهم التى رأيت فيها د. عنانى حين قررت أن أنهل من علمه وأحضر محاضراته فى الترجمة بجامعة القاهرة، كلما تيسر ذلك، كان ذلك بعد وفاة أمى بفترة بسيطة ولازال السواد يلبسنى ويملأنى، كنت أدخل المحاضرة ثقيلة وأنا لا أتذكر لماذا جئت، وأكاد لا أسمع سوى دقات ساعة جامعة القاهرة التى تأخذنى لأمى، حين كانت تخطو نفس السلالم الرخامية فى الستينيات وأظل أحاول تخيل فستانها المنقوش والمنفوش وحمرة الخجل على خدها، ولايعيدنى لأرض الواقع سوى كلام د. عنانى عن الشعر وترجمته واستطراده من فكرة لفكرة وابحاره فى ذكريات الترجمات القديمة وحماسه وشغفه بالترجمات الحالية، وقد يتطور الأمر لأن يتلو علينا آيات من القرآن أو قصائد يصل طولها لثلاثين بيتاً أو يحدد بدقة ترجمته لمصطلح ما لعقود من الزمن أو صعوبة نقل فكرة ما وهكذا، يستطرد فى الشرح وضرب الأمثلة وكأنه يبحر فى قاربه الخاص منجذباً نحو عروس بحر فائقة الجمال تسبح مسرعة فى رشاقة، مشدوهاً بجمال اللغة وعظمة الخالق فى تعدد اللغات ومعانيها وتأثر كل لغة بمجتمعها وتاريخها، ونحن مريدوه وطلابه نلهث وراءه ووراء عروس اللغة غير عابئين بشيء ولا شاعرين بتقدم الوقت، حتى نسمع دقات الساعة تدق سبعاً، وعم صلاح الساعى يأتى بالينسون الساخن إيذاناً بنهاية الوقت!

حين لاحظ شرودى واتشاحى بالسواد، قال:" لما ماتت نهاد، وأنا اللى كان متوقع أموت الأول طبعا ده أنا اللى عيان يا منى، حسيت إن فى رسالة من ربنا، بتقول لى لسه معادك ماجاش، لسه عليك واجب هنا يا محمد، روح ذاكر الأول وخلص اللى وراك قبل معادك ما ييجى! وكانت السنة اللى بعد وفاة نهاد أكتر سنة اشتغلت وأنتجت فيها. كنت بأشتغل وأنسى نفسى فى الشغل لحد ما أفتكر إنى حاطط الكفتة بالدمعة على النار مش عارف من كام ساعة! ثم يضحك عاليا ضحكة صافية أنيقة للغاية وهو ينفث دخان سيجارته الرفيعة بنية اللون ويقول "بس بأبقى موطى النار خاااالص بقى وتطلع مستوية وجميلة جدا!" حين كنت أسمع منه كيف يقابل الوحدة بالإيجابية وهو الذى فقد شريكة حياته كلها، ويواجه الكِبر بالمرح والمثابرة، ومرور الوقت بخفة النوم والانجاز، كنت أخجل من نفسى، وأعود لبيتى وقد امتلأت حماسا ومحبة للحياة. كنت أراه بعين عقلى وأنا أقود سيارتى فى شارع الجامعة المزدحم كطفل خفيف الظل متقد الذكاء يخرج لسانه لصعوبات الحياة مراوغاً وأظل أتساءل عن مصدر قوته.

ليتكم ترون لمعة عينيه وهو يبحر فى بحر اللغات! تختفى تجاعيد الوجه وإنحناءة الظهر وتعب السنوات، يصير الأستاذ الكهل طفلاً مرحاً خفيفاً يطارد فراشات ملونة، وينطلق الصوت مجلجلاً برغم اختلال بعض الحروف يحكى ويتقافز من زهرة لزهرة، وحين يرى علامات الحيرة على الوجوه من صعوبة فهم مصطلح ما بسبب مشكلته الصحية التى أثرت على أماكن النطق داخل الفم، يضم أصابعه يده اليمنى على بعضها ويرفعها ويخفضها كعلامة جسدية معتادة وكأنه يقول "حأوريكم!" ثم يكتب ما يشعر أنه قد صعب علينا سماعه على لوح سبورة أبيض ويريه لنا ليستأنف الدرس دون حرج. ينفض الأستاذ ما قد يصيب غيره بالحسرة أو الخجل، ويضرب مثلاً لكل من يعرفه للصبروالمثابرة والثقة، تلك الثقة الحقيقية المبنية على جوهر فذ فلا تجعل صاحبها يتسم سوى بالتواضع الجم. محمد عنانى ذلك الأكاديمى العبقرى، والمترجم العالمى المتمكن من اتجاهى الترجمة من الانجليزية إلى العربية ومن العربية إلى الانجليزية. يقول أنه درس الانجليزية حتى أصبح يفهمها ويتحدثها مثل أهلها، وعاد ليتبحر فى العربية وينهل من معجزاتها ويرفع يديه داعياً الله عز وجل أن يتدخل وينقذها من أهلها الذين جهلوا قدرها وضيعوا معانيها وخاصة القائمين على التعليم فيها. يقرأ فروض طلابه ويصحح ما فيها بتأن وصبر ويناقشهم دون غرور أو تعالِ. يحملهم مسئولية الجودة والتجويد فى اعمال الترجمة، يحضهم على القراءة والاستزادة فى كل لحظة، يجعل من المحاضرات وسيلة لترغيبهم فى العلم والتعلم وليست وسيلة للدرجات أو الشهادات يحمل فى حقيبته نسخ الكتب والأبحاث يعطيها لهم بهدوء دون جلبة أو مَنٌ أو أذى، ينسى الأمر لحظة العطاء وكأنه لم يحدث. وهل يفكر النهر كثيراً على من بالخير يفيض؟

عامك سعيد ومبارك ومثمر يا أستاذ الأساتذة!
--------------------
بقلم: د. منى النموري

آ 

آ 

استمع إلى المقال حوّل المقال إلى تجربة صوتية
مدة القراءة05:40
تعليقات


الطقس
القاهرة مصر
18.1°C
توقعات الساعات القادمة
18.1°C
17.6°C
17.3°C
16.9°C
16.4°C
16.2°C
إقرأ أيضا
هاكان فيدان يشيد بموقف مصر المسؤول عقب استهداف سفينتي طاقة في دمياط

ثمن وزير الخارجية التركي هاكان فيدان، الموقف المصري المتزن والمسؤول الذي اتخذته مصر عقب الهجوم...

نبيل فهمي يبحث أمين عام مجلس التعاون الخليجي تطورات القضايا العربية والإقليمية

استقبل نبيل فهمي، الأمين العام لجامعة الدول العربية، اليوم الخميس، جاسم محمد البديوي، الأمين العام ل...

رئيس حزب الوفد يوجّه بالاستعانة بالكوادر القبطية والشباب في تشكيلات الحزب بالمحافظات

وجّه الدكتور السيد البدوي شحاتة رئيس حزب الوفد دعوة عاجلة لجميع الأعضاء واللجان المكلفة بتشكيل اللجا...

نقيب الإعلاميين: ملتزمون بميثاق الشرف الإعلامي وبقرار المحكمة بحظر النشر في قضية التجمع الخامس

أصدرت نقابة الإعلاميين، برئاسة الإعلامي الدكتور طارق سعده، نقيب الإعلاميين، بيانًا بشأن الخطاب الوار...

الاكثر قراءة
الحس الوطنى بين الاعتزاز القومى والدونية

إما أنْ يتم إلغاء نظام الكفيل.. أو كفيل مصرى لكل مواطن خليجى على أرض مصرالظروف الاجتماعية التى تتعرّ...

حوار مع رضا المكي "المنظر والمنظم": إعادة اكتشاف الرئيس قيس سعيد

هذه أسرار نجاح قيس سعيد يرويها زميل دراسته أقرب معاونيه خلال حملته الانتخابيةيضع رفض برلمان تونس الل...

آني أرنو - الفائزة بنوبل - ووجع الذنب والتمرد على الأب العامل والجد العربجي

"إن وظيفة الكتابة أو نتاجها ليست طمس جرح أو علاجه، وإنما إعطاؤه معنى وقيمة، وجعله في النهاية لا...

لماذا ينظر الرجل إلى شفتي المرأة أثناء حديثها إليه؟

إذا كانت فتاة او سيدة قد لاحظت أن الرجل ينظر إلى شفتيها عندما تتحدث معه، فربما تتساءل عن السبب وماذا...

أسعار الذهب اليوم

السعر بالجنيه المصري

عيار 24
7,006ج.م
عيار 21
6,130ج.م
عيار 18
5,254ج.م
الجنيه الذهب
49,040ج.م
عرض جميع الأسعار

تابعونا


جارٍ التحميل...