شم النسيم يجمعنا وأشياء أخرى: زيارة الأولياء والقديسين ولفظ "الواحد الأحد"
ابن المقفع مسيحي ترجم اللاهوت القبطي بمفردات قرآنية
ليس «شم النسيم» وحده العيد الذي يحتفل به المصريون جميعا٬ فهو في الأصل عبد مصري قديم٬ احتفل به أجدادنا٬ وعندما دخلت المسيحية مصر اتخذوا من "شم النسيم" عيدا مصاحبا لعيد القيامة أو عيد الفصح٬ وأصبح تقليدا مصريا أصيلا ومتوارثا بالاحتفال به في اليوم التالي لعيد القيامة عند المسيحيين الارثوذوكس أيما توافق هذا اليوم٬ وهناك تفاصيل أخرى كثيرة تجمع بين الشعب المصري بمسلميه ومسيحيه٬ تفاصيل حياتية ولغوية في العمارة والفنون.
وهذا ما أثبته المؤتمر الأول من نوعه على مستوى المؤسسات الرسمية المصرية ممثلا في جامعة الفيوم٬ التي استضافت المؤتمر بالشراكة مع مركز الدراسات القبطية بمكتبة الإسكندرية.
62بحثا علميا مقدما من باحثين مصريين وأجانب ليتحول المؤتمر إلى تظاهرة علمية دولية تحت مسمى " التراث والآثار القبطية في رحاب الحضارة الإسلامية التأثير والتأثر".
ابن المقفع
في البداية أكد الدكتور لؤي محمود سعيد مدير مركز الدراسات القبطيةبمكتبة الإسكندرية أن المؤتمر يؤكد على مجموعة قيم وأساسيات٬ وهي أن التراث شأن مشترك٬ لا يرتبط بعقيدة بعينها٬ لأن الإنسان المصري هو المحور الرئيسي لهذا التراث٬ وأن المصريين جميعا هم أصحاب هذا التراث المشترك٬ وليس فئة أو طائفة بعينها٬ لذلك فإن توثيق التراث القبطي واجب وطني يقع على عاتقنا جميعا.
وقال: إن الثقافة المصرية قبل دخول الإسلام قد خبرت الثقافة العربية بصورة واضحة٬ وتبادلا معا التأثيرات المختلفة على المستويات الاجتماعية والاقتصادية والدينية وغيرها٬ إلا أن التأثير الأكبر والأشمل قد حدث بالفعل بعد دخول الإسلام وخضوع مصر للسلطة العربية الإسلامية في أواسط القرن السابع الميلادي.
ومع الانتشار التدريجي للثقافة واللغة العربية بين المصريين جميعا٬ من تحول منهم للإسلام ومن بقي منهم على عقيدته المسيحية٬ تراجعت اللغة القبطية بصورة واضحة٬ وصارت غير مفهومة لكثير من المصريين٬ وانحصر استخدامها في بعض مناطق الصعيد٬ لذلك عمد الكتاب الأقباط من المسيحيين بدءا من القرن العاشر والحادي عشر الميلاديين في وضع مؤلفاتهم باللغة العربية٬ لكن التحدي الأكبر الذي واجه الكتاب الأقباط هو المفردات المستخدمة في اللغة العربية الموجهة للشعب القبطي المسيحي٬ لأنها مكتوبة بلغات لم تعد مفهومة لدى غالبية الشعب.
وأضاف: من هنا اجتهد هؤلاء الكتاب الأقباط في استخدام القاموس العربي الشائع حتى وإن كانت هذه المصطلحات قرآنية بلا أي غضاضة٬ وظهر ذلك في الكتابات الأولى اللاهوتية لساويرس بن المقفع٬ الذي جنح إلى استخدام ألفاظ إسلامية قرآنية لتفسير وشرح الأفكار المسيحية مثل التجسد والفداء٬ وهو نفس ما لجأ إليه البابا خريستوذولوس والبابا كيرلس الثاني٬ مثل الفرد الصمد٬ والواحد الأحد٬ وليس كمثله شيء٬ وغيرها٬ ليس فقط أثر القاموس العربي الإسلامي في الألفاظ والمصطلحات٬ لكن أيضا في شيوع بعض العادات الاجتماعية بين أعيان الأقباط مثل " اتخاذ السراري" وتعدد الزوجات وغيرها مما تحرمه العقيدة المسيحية.
مدد.. مدد
وتحدث الباحث محمد عبدالله عن الجذور الدينية والتاريخية لاعتقاد المصريين في القديسين وأولياء الله الصالحين٬ ويقول: شغلت ظاهرة زيارة الأولياء والقديسين العديد من المستشرقين والرحالة ومثلهم علماء الاجتماع والتراث الشعبي لما لها من طقوس وأدبيات تختلف فيها ديانة الممارسين وتتشابه فيها الطقوس والممارسات.
ويضيف: هناك حالة من التعايش الشعبي والتسامح حالة مصرية خاصة٬ حيث يقدم كثير من المسلمين النذور للكنائس ويلتمسون البركة٬ لنجد أن المصطلح القبطي«شيالله..» ما هو إلا اختصار لكلمتي «شيء لله» ويقابله «مدد» عند المسلمين٬ بل أن كثير من الموالد وأعياد القديسين ترجع إلى العصور المصرية القديمة٬ بل هو إرث مصري تأثر به الأقباط والصوفية على حد سواء ويعود إلى تعاليم "تحوت" إله الحكمة عند القدماء.
ايزيس. مريم. زينب
كما أكد أشرف أيوب معوض الباحث في التراث الشعبي أن الوجدان الشعبي يحمل ذاكرة مرنة تقبل الجديد وفي الوقت نفسه لا ينمحي من ذاكرتها القديم٬ والوجدان الشعبي المصري يقدس ايزيس٬ وبعد فترة يقدس العذراء مريم٬ ثم بعد فترة يقدس السيدة زينب٬ فهي شخصية واحدة٬ مقدسة٬ الأم القديسة٬ الطاهرة٬ الحامية٬ المنقذة٬ وإن تعددت الأسماء واختلفت الأزمنة.
وتعبر أغاني الحج عن وحدة الموروث الشعبي للأقباط المسلمين فنرى أن الأغاني التي تقال للحاج المسلم هي التي تقال للحاج المسيحي ومنها: على فين يا مقدسة بتوبك القطيفة رايحه أزور المسيح وأعول الضعيفة
وفي الحج الإسلامي: رايحه فين يا حاجة يا أم الشال قطيفة رايحه أزور النبي محمد والكعبة الشريفة
وكذلك الموالد٬ والصيام٬ فنجد بعض المسلمين يصومون صوم العذراء٬ وهناك تبادل أطباق الحلوى والكعك في الأعياد بين المسلمين والمسيحيين٬ وكل هذا يعود بنا إلى ثقافة شعبية واحدة وموروث شعبي واحد وجذور تاريخية واحدة للأقباط والمسلمين.
حقوق المرأة
وكان للمرأة النصيب الأكبر في توثيق عقود الزواج المسيحية في المحاكم العثماني٬ توضحه الباحثة دينا سمير من خلال ما تقدمه وثائق المحاكم الشرعية برؤية متكاملة عن المرأة وأوضاعها٬ وتقول: هي رؤية بالغة الأهمية لأنها مغايرة تماما في مجملها لما شاع عن سوء أوضاع المرأة في مصر في العصور الإسلامية٬ وأكدت الوثائق اشتراك المرأة القبطية والمرأة المسلمة في التمتع بكافة حقوقهن في العلاقات الإنسانية الشخصية٬ وروابط الزواج والطلاق٬ والذي يعد موضوعا بالغ الأهمية في إبراز جانب من التراث المجتمعي للمرأة والمجتمع من خلال مدى التأثير والتأثر ما بين النظام السائد في المحاكم الشرعية وبين الموروث من العادات والتقاليد في تحرير عقود الزواج والطلق بين الأقباط والمسلمين.
فقد ظهر لدينا من خلال استقراء تلك الوثائق تمتع السيدات المصريات بعدة حقوق٬ سواء ابرام عقد الزواج لنفسها٬ وكذلك الطلاق أو الخلع٬ وكتابة الشروط التي تريدها في العقد٬ بل إن بعض الوثائق تظهر المرأة في دور الولي لابنتها٬ وهناك عدد كبير من عقود الأقباط تمت أمام قاض مسلم.
الإنسان المصري
وما بين الارابيسك أو التوشيح العربي بجمالياته ورمزياته التي كانت جلية في الأديرة والكنائس القبطية٬ وبين
رسوم الأجرام السماوية في التصاوير القبطية خلال العصر الإسلامي٬ وكذلك الأزياء القبطية وتأثرها بالشكل والألوان العربية٬ وغيرها الكثير مما يدلل على أن الحضارة المصرية إنما هي نتاج الإنسان المصري الذي يصهر كل ما يرد إليه ليخرجه فنا أو لغة بوسم مصري خالص.
وهو ما أكده الدكتور أحمد أمين الأستاذ المساعد بكلية الآثار جامعة الفيوم٬ ومنسق عام المؤتمر٬ وأضاف أن المؤتمر يعد فريدا من نوعه٬ كونه يتم في مؤسسة رسمية هي جامعة الفيوم٬ ويعني بدراسة الآثار والتراث القبطي٬ الهدف دراسة الآثار والتراث القبطي٬ وتأثره بكل الفنون السابقة واللاحقة٬ فالتواصل في الفن سمة أساسية٬ على عكس نظم الحكم والإدارة٬ لا يوجد انقطاع في الفن٬ بل حلقات تتكئ على بعضها البعض٬ تتواصل مع سابقتها وتمهد للاحقة عليها٬ وهذا جوهر التأثير والتأثر٬ والتراث القبط مكون رئيس لهوية مصر٬ وضميرها٬ وهو تراث لا يخص المسيحيين وحدهم٬ بل يخص المصريين عامة وجزء من تراث الإنسانية عامة٬ لذلك أوصى المؤتمر بإنشاء أقسام متخصصة في القبطيات أسوة بجامعات الغرب، وبمزيد من تعاون الجامعات مع مركز الدراسات القبطية بمكتبة الإسكندرية في مجال توثيق ونشر التراث القبطي باعتباره يمثل حقبة هامة من حقب التاريخ المصري.
------------------
تقرير- آمال رتيب



الطقس
إقرأ أيضا
هاكان فيدان يشيد بموقف مصر المسؤول عقب استهداف سفينتي طاقة في دمياط
ثمن وزير الخارجية التركي هاكان فيدان، الموقف المصري المتزن والمسؤول الذي اتخذته مصر عقب الهجوم...
نبيل فهمي يبحث أمين عام مجلس التعاون الخليجي تطورات القضايا العربية والإقليمية
استقبل نبيل فهمي، الأمين العام لجامعة الدول العربية، اليوم الخميس، جاسم محمد البديوي، الأمين العام ل...
رئيس حزب الوفد يوجّه بالاستعانة بالكوادر القبطية والشباب في تشكيلات الحزب بالمحافظات
وجّه الدكتور السيد البدوي شحاتة رئيس حزب الوفد دعوة عاجلة لجميع الأعضاء واللجان المكلفة بتشكيل اللجا...
نقيب الإعلاميين: ملتزمون بميثاق الشرف الإعلامي وبقرار المحكمة بحظر النشر في قضية التجمع الخامس
أصدرت نقابة الإعلاميين، برئاسة الإعلامي الدكتور طارق سعده، نقيب الإعلاميين، بيانًا بشأن الخطاب الوار...
الاكثر قراءة
مهام البناء على المتاح
من الخطل التهليل فخراً بتحقيق حلم شعار الثورة في مدنية السلطة واقعاً. ذلك إنجاز لن يتحقق مالم يتحرر...
في انتظار رد اﻷمن.. عن عوائق سفر أعضاء هيئة التدريس (دراسة خطيرة)
تحاول الدولة منذ سنوات فرض سيطرتها على الجامعات المصرية باستخدام قوانين وقرارات عدة أصدرتها خلال الس...
مسيرة لـ" النهوض بالأزهر " تطالب بدمج أجهزة الدعوة
نظم " ائتلاف النهوض بالأزهر " مظاهرة انطلقت بعد صلاة الظهر من مسجد الفتح برمسيس إلى ميد...
رسالة مفتوحة إلى فخامة الرئيس
سيدي الرئيس: "إنَّ الوصيةَ لو تُرِكَتْ لفضلِ أدبٍ، تُرِكَتْ لذلك منكم"، وإنَّ النصيحة لو ح...
أسعار الذهب اليوم
السعر بالجنيه المصري