الخميس، 05 نوفمبر 2026 القاهرة 24.8°C
رئيس التحرير مجدي شندي
شفرة الأمل بين هيمنجواي وكويلو

شفرة الأمل بين هيمنجواي وكويلو

ليست مصادفة أن يحمل بطلا روايتي العجوز والبحر للأمريكي إرنست هيمنجواي والخيميائي للبرازيلي باولو كويلو الاسم نفسه: سنتياجو. كأن الاسم جسرٌ خفيّ بين بحرٍ لا يرحم وصحراء لا تُعطي أسرارها إلا للمغامر الجريء.

في النص الأمريكي، يتجاوز العمل حدود حكاية صيد سمكة مارلين عملاقة على يد رجل عجوزٍ يحمل تاريخًا طويلاً من التجارب الإنسانية. نقرأ سيرة إنسان آماله أكبر من واقعه، وأحلامه أوسع من إمكاناته.

سنتياجو العجوز يخرج إلى البحر بعد أربعٍ وثمانين ليلة من الخيبات والعودة من رحلات الصيد خالي الوفاض، ومع هذا يعاود الذهاب إلى البحر. كان متمسكًا بالأمل، وبأن ماضيه حافل بإنجازات الصيد المميزة وانتصاراته في لعبة مصارعة الذراعين، حتى صار لقبه سنتياجو البطل، لكثرة ما قهر من منافسين.

ها هو بجسد منهك ويدٍ جريحة، وقارب أبسط من أن يحتمل معجزة، يخرج في الصباح الباكر حاملاً أدوات صيد بسيطة. لا لأن البحر وعده بشيء، بل لأن داخله يرفض التصالح مع الهزيمة. إنه لا يطارد السمكة فحسب، بل يطارد معنى ذاته، ويضعها أمام اختبار البقاء، كعادته معها. حين علقت المارلين العملاقة بخيطه، أدرك منذ اللحظة الأولى أن المعركة غير متكافئة، ومع هذا لم يفكر بالانسحاب. استرجع تفاصيل صيد سمكتين عملاقتين تزن كل منهما مئات الكيلوجرامات، كان ذلك في شبابه، ولم يكن وحده. هز رأسه في استسلام من يواجه العاصفة وحده. كان على يقين أن الإنسان قد يُهزم، لكنه لا يُكسَر.

وفي الطرف الآخر من العالم، يسير سنتياجو الخيميائي خلف حلم رآه في منامه. شاب فقير، بلا أدوات، ولا يقين، سوى حدسٍ غامض، وإشارات أكثر غموضًا، تخبره أن هناك كنزًا ينتظره. يهجر القطيع ويغامر بالسفر من موطنه في إحدى قُرى الأندلس إلى سفح الأهرامات البعيد. خسر ماله، وعمل عند بائع كريستال، لكنه تعلّم الإصغاء إلى القلب، فيكتشف أن الطريق إلى الحلم جزء من الحلم ذاته. هنا لا يكون الهدف مجرد الوصول، بل التحوّل الذي يصيب الإنسان وهو يسير.

لم يكن النجاح الظاهري هو ما جمع كلاً من سنتياجو العجوز عندما عاد بهيكل سمكة التهمتها القروش، وسنتياجو الشاب العائد ملهوفًا إلى بلده ليكتشف كنزه. كان ما جمعهما ذلك الإيمان العميق بأن القيمة ليست في النتيجة، بل في محاولات السعي النبيلة التي تُجَرِد الإنسان من خوفه وتعيد تشكيله.

الأمل، في الروايتين، ليس تفاؤلًا ساذجًا، بل فعل مقاومة. مقاومة للزمن، وللسخرية، وللشيخوخة وضعف الجسد، ولصوت العقل حين يتحول إلى مبرر للتراجع. الأهداف هنا لا تُقاس بالإمكانات المتاحة، بل بالقدرة على الاحتمال. سنتياجو العجوز يعرف أن جسده لن يصمد طويلًا، لكنه يصرّ على خوض المعركة كاملة. وسنتياجو الخيميائي يدرك هشاشته، فيدرب روحه لتحتمل الطريق.

لقد علمنا كلاهما درسًا أخلاقيًا عميقًا مفاده؛ أن تكون أهدافك أكبر من إمكاناتك فهذا ليس ضربًا من الجنون، بل شرطٌ للمعنى. لو كانت الأحلام بحجم ما نملك، لما غادر الميناء مسافر، ولا عبر الصحراء مغامر. الإنسان لا يكتشف طاقته الحقيقية إلا حين يضع نفسه في مواجهة ما يبدو مستحيلًا، حينها يكتشف معجزة الخالق سبحانه وتعالى فيما وهبه من إمكانات.

في النهاية، لا يخبرنا هيمنجواي ولا كويلو كيف ننتصر، بل كيف نعيش بكرامة. كيف نتمسك بخيط الأمل حتى وإن تآكلت أيدينا. كيف نمضي في الطريق، حتى لو عاد البحر فارغًا، وحتى لو كان الكنز رمزيًا. فربما يكون أعظم ما نصطاده، أو نعثر عليه، هي أنفسنا.. لا أكثر.
---------------------------------------

بقلم: د. محمد مصطفى الخياط
[email protected]

استمع إلى المقال حوّل المقال إلى تجربة صوتية
مدة القراءة03:19
تعليقات


الطقس
القاهرة مصر
24.8°C
توقعات الساعات القادمة
24.8°C
26.0°C
26.9°C
26.9°C
26.6°C
26.0°C
إقرأ أيضا
هاكان فيدان يشيد بموقف مصر المسؤول عقب استهداف سفينتي طاقة في دمياط

ثمن وزير الخارجية التركي هاكان فيدان، الموقف المصري المتزن والمسؤول الذي اتخذته مصر عقب الهجوم...

نبيل فهمي يبحث أمين عام مجلس التعاون الخليجي تطورات القضايا العربية والإقليمية

استقبل نبيل فهمي، الأمين العام لجامعة الدول العربية، اليوم الخميس، جاسم محمد البديوي، الأمين العام ل...

رئيس حزب الوفد يوجّه بالاستعانة بالكوادر القبطية والشباب في تشكيلات الحزب بالمحافظات

وجّه الدكتور السيد البدوي شحاتة رئيس حزب الوفد دعوة عاجلة لجميع الأعضاء واللجان المكلفة بتشكيل اللجا...

نقيب الإعلاميين: ملتزمون بميثاق الشرف الإعلامي وبقرار المحكمة بحظر النشر في قضية التجمع الخامس

أصدرت نقابة الإعلاميين، برئاسة الإعلامي الدكتور طارق سعده، نقيب الإعلاميين، بيانًا بشأن الخطاب الوار...

الاكثر قراءة
الذبح لمن استطاع سبيلا

بعد سيطرة ضباط يوليو1952على مصر..وبعد انتشار(شعارات العروبة) والقومية العربية.. وتوأمتها الوحدة العر...

د. فادي نصر: هذه طرق الوقاية من أضرار الشمس

أكد الدكتور فادي نصر أن هناك طرقا للوقاية من أضرار الشمس ومنها اسمرار البشرة وحروق الجلد وكذلك سرطان...

حكم رسم الأنمي وكيفية التخلص من إثمه

السؤال:أشكركم على هذا الموقع‎.‎ ‏ سؤالي‎:‎‏ أنا أحب رسم الأنمي كثيرا، ‏فقد مضت سنة على رسمي له، لك...

120 عاما على ميلاد محمد عبدالوهاب .. امتزج بالوجدان فاستعصى على الغياب

كعادة كل الأشياء العظيمة ، وجودها صعب، نادر.. وملفت ، كنبتة تزهر في الصخر أو نجم الثريا وسط سماء واس...

أسعار الذهب اليوم

السعر بالجنيه المصري

عيار 24
7,114ج.م
عيار 21
6,225ج.م
عيار 18
5,336ج.م
الجنيه الذهب
49,800ج.م
عرض جميع الأسعار

تابعونا


جارٍ التحميل...