"سَلامُ" التُرْمُس
***
كان يا ما كان ثورة!
..كان ذلك منذ عقود؛ إذ كانت المغامرة واجبة، لها طعمُ المطر على الشفاه اليابسة.
وكانت لعبته جامحة وخطرة، وربّما أقام حلمه على رمل رخو. شاكس نصائح الأهل، وسمع النار التي اندلعت في صدره، مثل وَهجٍ سريع يلتهم بِحُمْرته كلّ ظلم وظلام. وكان يريد إضاءة البلاد المسلوبة، بالجنون والحرائق الهائجة التي لا تُحدّ، ولم يكن الملحُ قد وصل إلى دموعه، أو قارب جراحه البريئة.
كان يا ما كان ثورة! أيقظت الغافلين، فتعرّفوا على ذواتهم. وصدّقها الجميع، ولم ينتبهوا إلى أنها تنزلق نحو هوامش العتمة والغبش والفساد والضياع والتخلّي.. مع حضور تجارب فرديّة عبقرية دوّت بشموسها في الآفاق. وكان صاحبنا فدائيّا مِمَن اعتقدوا بالتحرير الكامل، فَبَذل كلّ ما لديه، وحرق سفنَه، ليواصل مقارعة المحتلّين، دون هوادة وتراجع، وفي كلّ الساحات والمعارك.
قالوا عنه، لتطهريّته وصدقه: يبدو أنه الناسك الذي حضر لحظة كتبوا الكتاب المُنزل من السماء! وأنه مِن أولئك الذين يولدون في العتمة ويموتون في الضوء. وصاحبنا كان يدرك أنّ التأمّل تقاطع طرق، أما الندم فانغلاق..وأن وطنه كلّ وجوه الأرض الضاحكةِ.
فماذا كان؟
صافح القادةُ أعداءَهم، وعانقوهم، واتّضح أن ذلك لم يكن "سلاما" بقدر ما كان اصطفافا استراتيجيا مع الجبهة النقيضة، التي قطعت رؤوسَ مدائننا، وحرّقت حقولنا، فصار السلامُ جنائزيّا بامتياز.
أحسّ صاحبنا بالخذلان! وعاد إلى أرض الوطن، ضمن مَن عادوا، جزئياً، إلى بعض الوطن، المُرهق، المُجزّأ، المحاصر..ووجد نفسه في هوِّ الحيرة.. فالتحق كغيره في جهاز قوّات الأمن، برتبة رائد، ظنّا منه أنّ هذا، ربّما يشكّل ساحة جديدة للاشتباك السياسيّ مع العدوّ، ولو بأضعف الأشكال المُتاحة. لكنّ ما جرى، لاحقاً، جعله يترك الجهاز، بل إنّهم أقالوه من منصبه، ودفعوا به إلى خارج المؤسسة، بدعوى أنه لم يعجبه العجب ولا الصيام في رجب! فماذا يعني أن يصبح مرافقُه أعلى منه رُتبة؟ فَقريبه نائب قائد الجهاز! ولماذا الاحتجاج على بعض الرّفاهية التي يتمتّع بها الضبّاط الكبار، من عمارات وسيّارات ونثريّات وامتيازات؟ وهل التحدّث مع ضبّاط الطرف الآخر جريمة وطنية؟ ألم نعقد معهم اتفاق سلام، ولا بدّ من التنسيق معهم؟ أمّا تلك الحوادث التي يقوم بها المتطرّفون من الأعداء..فإنها لا تستدعي كلّ هذا الغضب! إنها أمور تحدث بين المتنازعين.. أليس فينا من فجّر وخرّب واعترض؟ ولا داعي لتلك الخطابات العنتريّة التي تحرّض وتشكّك وتتّهم! أين الواقعية؟ وأين الاحساس بالمسؤولية؟ وأين الانضباط الواجب؟ إنه ينتمي لعقود الخطابات القومَجيّة التي عفا عليها الزمن، ويفتقد للاحساس بالحداثة، التي تتطلّب شبكة ولغة جديدة، لا بدّ منها..لننجو.
وهكذا؛ وجد الفدائيُّ نفسَه خارج السياق، وتمّ ترقين قيده، فانقطع راتبه، وبات على الرّصيف! ما دفعه للعمل هنا وهناك، أجيراً في محلّات الناس المُتشاوِفين..فآثر أن يستقلّ، ودفعته الحاجةُ، فاشترى عربة صغيرة، ووضع عليها سطل التُرّمس، وراح ينادي: (تُرْمُس..تُرْمُس..) في الطرقات.
كان يقف قريبا من التجمّعات والاحتفالات والملاعب، فيبيع ترمسَه، ويعود إلى بيته مُنهكا..وكان يتخفّى من الناظرين إليه، إذ انتهى به الطريق إلى هذا المصير التراجيدي. وقرّر أن يصمت، فلا جدوى من "النباح"، على رأيهم، فالقافلة تسير..
وصدف أن انعقد المؤتمر، وكنتُ عضوا مشاركا فيه، فلبستُ أجمل ثيابي، وتمنطقت الكوفيّة على عُنقي، وقصدت المجتمعين. وعند البوّابة، أو قبلها، أي في الساحة المؤدّية إلى القاعة، سمعت النّداء (تُرْمُس..) فاستوقفني؟ لم أعرفه، بدايةً، فقد ابيضّت لحيته الكثّة، واعتمر طاقيّة، وانغلق نصف وجهه خلف النظّارات..لكنّي تيقّنت أنّه هو بشحمه ولحمه، وكان نداؤه (تُرمس..تُرمُس..) رَجْراجاً تتكسّر حروفه وتغيم! فتجمّدت مكاني، ولم أصدّق أن هذا الفدائي التطهّريّ الشرس الجسور، يقف خلف العربة، وينادي ليجمع بضعة قروش، وخاصة أنه يقف على مدخل الساحة المؤدية إلى قاعة انعقاد المؤتمر الخاص بالفصيل الذي كان ينتمي إليه، وأنّ "الفدائيين" الذين سيعبرون من أمامه لن يعرفوه، وسيترفّعون عن التوقف لابتياع الترمس، وسيحضر الكثير منهم بمركبات فارهة..
لكنّه يدرك الأمر! ويعرفهم واحداً واحداً..وهم يمرقون، وحولهم المرافقون والكاميرات. وبعد ساعة؛ كان صدى خطابات المؤتمر يختلط بنداءات البيّاع.. فامتلأت الساحة ب "تُرمُس تُرمُس..سلام سلام..".. فَقَلَبَ العربةَ على ما فيها، وجأر بصوت مشروخ خشن..ولن يفهم أحدٌ ما الذي يجري؟
فزع رجالُ الأمْن وحرّاس المؤتمر، وهرعوا نحوه، يقرّعونه، ويدفعون به، بفظاظة، وكادوا ينهالون عليه..
وكان يا ما كان..
---------------------------------
بقلم: المتوكل طه
الطقس
إقرأ أيضا
هاكان فيدان يشيد بموقف مصر المسؤول عقب استهداف سفينتي طاقة في دمياط
ثمن وزير الخارجية التركي هاكان فيدان، الموقف المصري المتزن والمسؤول الذي اتخذته مصر عقب الهجوم...
نبيل فهمي يبحث أمين عام مجلس التعاون الخليجي تطورات القضايا العربية والإقليمية
استقبل نبيل فهمي، الأمين العام لجامعة الدول العربية، اليوم الخميس، جاسم محمد البديوي، الأمين العام ل...
رئيس حزب الوفد يوجّه بالاستعانة بالكوادر القبطية والشباب في تشكيلات الحزب بالمحافظات
وجّه الدكتور السيد البدوي شحاتة رئيس حزب الوفد دعوة عاجلة لجميع الأعضاء واللجان المكلفة بتشكيل اللجا...
نقيب الإعلاميين: ملتزمون بميثاق الشرف الإعلامي وبقرار المحكمة بحظر النشر في قضية التجمع الخامس
أصدرت نقابة الإعلاميين، برئاسة الإعلامي الدكتور طارق سعده، نقيب الإعلاميين، بيانًا بشأن الخطاب الوار...
الاكثر قراءة
آني أرنو - الفائزة بنوبل - ووجع الذنب والتمرد على الأب العامل والجد العربجي
"إن وظيفة الكتابة أو نتاجها ليست طمس جرح أو علاجه، وإنما إعطاؤه معنى وقيمة، وجعله في النهاية لا...
120 عاما على ميلاد محمد عبدالوهاب .. امتزج بالوجدان فاستعصى على الغياب
كعادة كل الأشياء العظيمة ، وجودها صعب، نادر.. وملفت ، كنبتة تزهر في الصخر أو نجم الثريا وسط سماء واس...
هل يقبل محمد الباز التحدي؟
في حلقة 6 أغسطس 2019 من برنامج 90 دقيقة على قناة المحور دعا الزميل محمد الباز مقدم البرنامج 3 من أعض...
"سوبيبور" عرض مسرحي في القاهرة يزيف التاريخ ويستجدي التعاطف مع يهود الهولوكوست
لا يوجد نص أدبي تأتي فكرته من الفراغ، فأي كاتب حتى من يكتب الكوميديا تكون لديه رسالة أو هدف مما يكتب...
أسعار الذهب اليوم
السعر بالجنيه المصري