سيدنا (طنطاوي) .. خيركم من تعلَّم القرآن وعلَّمه !
في حارةٍ ضيقة مبانيها من اللبن، تُشبه شَقَ الثعبان، اعتدنا مع بزوغ الفجر أن نخرُحَ إليه لتسميع (الماضي)، وتصحيحِ (الحاضر)، و(الفِتُّ) هو من نجا من(الفَلَكة).
كان المثولُ بين يدي (سيدنا) بعد طابورٍ طويل، يتمني مَنْ لم يحفظ ورده ألا ينتهي؛ خشية المواجهة، ولكن هيهات هيهات .
في ذلك الطابور، الذي تصفُّه عصا (سيدنا) الطويلة، التي تصل إلي آخر الجالسين بسهولة، اعتدنا الجلوسَ، وبأيدينا ألواحٌ من الصاج أو الخشب، نرتلُ منها آي القرآن، فيُسمَعُ لنا طنينٌ كطنين النحل، تصاحبُه حركاتٌ لا إرادية للأمام والخلف، كما لو كان الواحدُ منا يمتطي جملا فيهزُّه أثناء السير !
لم تكن لدى من شَغَلَه اللعبُ عن حِفظِ (الماضي) شجاعةُ الالتفاتِ يَمنة أو يَسرة، إذ كان همُّه الأوحد أن يُثبِّتَ حِفظَه قبل المثول أمام سيدنا، وإلا فستكونُ( وقعتُه، وربما وقعةُ أبيه مِطينة بطين )، وساعتها، نسمعُ له صراخا وربما نهيقا، ولا عجب فعصا (سيدنا) طنطاوي تصنعُ العجائب !
في ذلك الطابور، كان النوم يُهاجمُنا فندفعه، فيعاودُنا فنصدُّه؛ مخافة التثاؤب أمام سيدنا فتكون العاقبة وخيمة، وأشدُّها (قَرصةٌ) بأصبعيه يلوي بينهما اللحمَ مع السحب، فينحبس الدَّم، ويبقي أثرُها يُنغِّصُ علي صاحبها أيامه ولياليه حتي يتم شفاؤه .
سيدنا طنطاوي، هو أحدُ الحُفاظ المهرة، الذين حفظوا القرآن عن ظهر قلب، وقرأوه كما أُنزل، رغم أنهم لم يقطعوا شوطا ذا بال في التعليم، فكان القرآنُ هو معلمهم، فقوَّم ألسنتهم، ونمَّى ذائقتهم، فعرفوا متي يكونُ الوقفُ، ومتي يجبُ الوصل، وعرفوا أحكام قراءته، فأعطوا الحروف حقوقها، وأتقنوا مواضع إخراج اللسان، ومتي تكونُ القلقلة والغُنَّة، وغيرها من أحكام التجويد، فكانت عباراتهم سليمة، ولغتُهم قويمة، وسرى القرآن بين شفاههم غضا طريا .
كان الفائزُ الحقيقي أمام (سيدنا) طنطاوي، والذي يقول بملء فيه: فزتُ ورب الكعبة، هو من يسمَّع (الماضي)، ويصحح (الحاضر)، ويمضي يومُه بسلام دون أن ينزلَ عليه عقابُ الشيخ، مُتعدد الصور .
وثقَ والدي - طيَّبَ الله ثراه - في سيدنا ثقة بالغة، ورماني في حِجره فتعهدني، حتي صرتُ بفضله ـ بعدَ الله ـ أحدَ المهرةِ بالقرآن ممن يجلسون أمامه، يضحكون ملء أفواههم على من يُعاقبهم سيدنا، فينتفض الواحدُ منهم كمن لدغه عقرب، أو عضَّته حية، أو لبسه جنٌ، فيصرخ ويولول، ويتفنن في عمل حركات بهلونية مثل (بلياتشو) في سيرك، وكلَّما أجاد المُعاقَب في القفز والنط، تزداد الضحكات؛ شريطة ألَّا يرانا سيدنا، وإلا صرنا في خبر كان !
في البدء كان القرآن، فبه استقام لساني، واتضحت لغتي، فلاترى فيها عِوجا ولا أمتا !
وبقراءة (سيدنا) طنطاوي العذبة، ارتقت حاسةُ السمع لديّ، فصرتُ ذا أذن موسيقية، تنفِرُ من اللحن، وتأنسُ بالجملة سليمة المخارج، صحيحة الألفاظ .
في كُتَّاب سيدنا، الذي صار - للأسف - أثرا بعد عين، تعلمنا أدبَ الحوار، وانخفاضَ الصوت، والاستماع للمُتكلِّم، والكلامَ بعد الاستئذان، فكان بحق ورشةَ تهذيبٍ وإصلاح .
رغم شدَّةِ (سيدنا) وقسوته علي المُقصِّر ، إلا أنَّه كان كريما حانيا علي من يؤدي واجبه، ويحفظُ وِردَه، فكان يُعطي المجتهدَ من جيبه .
مشينا في مناكب الأرض، وغادرتُ الكتاب، إلا أنَّه ظلتْ بيني وبين سيدنا - رحمه الله - حميمية كبيرة، جعلتني أتهلَّلُ كلما رأيته بطرقات القرية يمتطي حمارته البيضاء، التي يتبلَّغ بها مقاصده، وأتفانى في خدمته، وصدق القائل: من علَّمني حرفا، صرتُ له عبدا .
(سيدنا) طنطاوي، حافظٌ مُجيد، سَرَتْ بركةُ القرآن فيه وفي ذريته، فصاروا آئمة يؤمون المصلين بالمساجد، وخرج من صلبه أحد شيوخ الأوقاف الثقات، وحقا: من شابه أباه فما ظلم .. رحم الله (سيدنا) طنطاوي .. وهنيئا له ببشرى نبينا : (خيرُكم من تَعلَّمَ القرآنَ وعلَّمه).
--------------------------------
بقلم: صبري الموجي
- مدير تحرير الأهرام
الطقس
إقرأ أيضا
هاكان فيدان يشيد بموقف مصر المسؤول عقب استهداف سفينتي طاقة في دمياط
ثمن وزير الخارجية التركي هاكان فيدان، الموقف المصري المتزن والمسؤول الذي اتخذته مصر عقب الهجوم...
نبيل فهمي يبحث أمين عام مجلس التعاون الخليجي تطورات القضايا العربية والإقليمية
استقبل نبيل فهمي، الأمين العام لجامعة الدول العربية، اليوم الخميس، جاسم محمد البديوي، الأمين العام ل...
رئيس حزب الوفد يوجّه بالاستعانة بالكوادر القبطية والشباب في تشكيلات الحزب بالمحافظات
وجّه الدكتور السيد البدوي شحاتة رئيس حزب الوفد دعوة عاجلة لجميع الأعضاء واللجان المكلفة بتشكيل اللجا...
نقيب الإعلاميين: ملتزمون بميثاق الشرف الإعلامي وبقرار المحكمة بحظر النشر في قضية التجمع الخامس
أصدرت نقابة الإعلاميين، برئاسة الإعلامي الدكتور طارق سعده، نقيب الإعلاميين، بيانًا بشأن الخطاب الوار...
الاكثر قراءة
لماذا ينظر الرجل إلى شفتي المرأة أثناء حديثها إليه؟
إذا كانت فتاة او سيدة قد لاحظت أن الرجل ينظر إلى شفتيها عندما تتحدث معه، فربما تتساءل عن السبب وماذا...
فيديو .. د. فادي نصر خبير التجميل: 9 أشياء يجب معرفتها قبل الفيلر
أكد الدكتور فادي نصر خبير التجميل ومديرمركز غلامور الطبي بالرياض أن هناك 9 أشياء يجيب معرفتها قبل عم...
تحت شعار "الدواء دون أضرار".. الاعتماد والرقابة الصحية تحتفل باليوم العالمي لسلامة المرضى
تنطلق غدا السبت فعاليات اليوم العالمي لسلامة المرضى، التي تنظمها الهيئة العامة للاعتماد والرقابة الص...
درجة قصة الذي تعلم لغة القطط من نبي الله سليمان
السؤال:ما صحة هذه الرسالة؟ قصة حلوة جدا ومؤثرة، كان من معجزات نبي الله سليمان أنه يكلم الطير والريح...
أسعار الذهب اليوم
السعر بالجنيه المصري