الخميس، 05 نوفمبر 2026 القاهرة 18.6°C
رئيس التحرير مجدي شندي
سقوط رهان "ترامب" فى إيران

سقوط رهان "ترامب" فى إيران

قبل أسابيع طويلة مرهقة بتطوراتها اللحظية ، كتبت ونشرت فى هذا المكان نفسه مقالا بعنوان "لن تسقط إيران بالحرب المحتومة" ، كان المقال بتاريخ 7 فبراير 2026 ، وقلت فيه أن النظام الإيرانى لن يسقط حتى لو اغتالوا "خامنئى" ، وفى نهاية شهر فبراير ، جاءت الضربة الكبرى المحتومة ، وبدت كاسحة مدمرة لقيادة النظام مجتمعة فى مكان واحد ، وراح ضحيتها عشرات من القادة الكبار، أولهم القائد الأعلى للجمهورية الإسلامية "على خامنئى" ، بدت النتيجة الأولى مزلزلة ، خصوصا أنه لم يكن من محل للمفاجأة العسكرية هذه المرة ، ولا لترك رأس النظام فى عراء مكشوف ، مع ما بات معروفا من كثافة وعمق الاختراقات الاستخباراتية للوضع الإيرانى ، والتواضع الظاهر للدفاعات والقوات الجوية ، لكن النظام الإيرانى أثبت أنه أبعد وأوسع من رأس المرشد الأعلى ، وجاء الدور على نقاط القوة بعد مظاهر الضعف ، وكان المخطط الإيرانى ، كما أعلن مرات على لسان المرشد الراحل نفسه ، أن أى ضربة حتى لو كانت خاطفة ، ستواجه بحرب واسعة ممتدة زمانا ومكانا ، تستخدم فيها إيران ذخيرتها الأقوى من المسيرات والصواريخ الباليستية .

وهكذا كان اتساع رقعة الرد الإيرانى شبه الفورى ، الذى تضمن أخطاء فى التقدير السياسى ، من نوع التوسع فى مهاجمة دول عربية خليجية مجاورة ، وعلى نحو تعدى ضرب مصالح أمريكا وقواعدها العسكرية فى الجوار ، وإن كان التوسع ـ على مضاره ـ رفع تكلفة الحرب على العدو الأمريكى "الإسرائيلى" ، وقاد إلى تكلفة دم وطائرات أمريكية سقطت ، إضافة إلى خسائر دم ودمار داخل كيان الاحتلال "الإسرائيلى" ، زادت فيما بعد مع انضمام "حزب الله" إلى الحرب ، وما تكشف من صلابة تكوينه العسكرى ، ودقة صواريخه الأكثر تطورا ، وبالذات صواريخه المضادة للدروع إيرانية المنشأ ، التى أوقعت قتلى وجرحى فى صفوف الجيش "الإسرائيلى" عند الحدود اللبنانية ، ثم ظهرت صواريخ "حزب الله" الباليستية الدقيقة ، التى جرى تنسيق إطلاقها مع صواريخ إيران الفرط صوتية الانشطارية بالذات ، وبدت النتائج مؤثرة على جبهة العدو "الإسرائيلى" ، مع تدمير دقيق لمحطة اتصالات "إسرائيلية" كبرى مع الأقمار الصناعية .

وقد لا يستطيع عاقل أن يقلل من حجم الخسائر والدمار فى إيران أو فى لبنان ، ولا من اضطرار أكثر من 700 ألف لبنانى جنوبى إلى النزوح الموقوت ، وإن لوحظ أن الاختراق الخطر المشكو منه فى كيان "جزب الله" ، لم يصل إلى نخاع شبكته العسكرية المحكمة فائقة التنظيم ، فقد كان من آيات الحرب الجارية ، أن "حزب الله" المحاصر المعتصر المستنزف المطارد بجنون على مدى خمسة عشر شهرا سبقت ، قد بدا وكأنه يستعيد كثيرا من وهجه التاريخى ، وبدا مقاتلوه وكأنهم ينبتون كأشجار الصبار على حافة الحدود مع العدو ، ويخوضون معارك مذهلة مع فرق المئة الألف جندى "إسرائيلى" المحتشدة لتنفيذ غزو برى شامل فى الجنوب اللبنانى ، ويديرون مذابح لدبابات "الميركافا" "الإسرائيلية" ، رغم سوابق إعلان نزع سلاح الحزب وتدمير أنفاقه على مساحة ألف كيلومتر جنوب نهر الليطانى ، ثم بدت جاهزية ويقظة المقاتلين ملهمة فى "البقاع" ، مع محاولات الإنزال "الإسرائيلى" بعشرات الطائرات المروحية فى قرية "النبى شيت" عند سلاسل الجبال الشرقية والحدود مع سوريا ، ثم إنذار قطعان الساكنين فى مستوطنات الشمال الفلسطينى المحتل بالخروج والإخلاء ، كانت عودة "حزب الله" عفية إلى ميادين القتال ، التى أرادوا جعل إيران ميدانها الحصرى ، فامتدت الجبهة إلى لبنان ، وقد كان محلا لعدوان لم يتوقف يوما منذ الاتفاق على ما أسمى وقف إطلاق النار فى 27 نوفمبر 2024 ، وجاء دخول الحزب إلى الحرب ثأرا لكرامة لبنان المهدرة ، وليس فقط ثأرا لدم الولى الفقيه "على خامنئى" .

بدت تطورات الحرب المتسارعة كأنها تطبيق لخطة الراحل "خامنئى" نفسه ، ونشرا لأطواق النار على أوسع مساحة ، وإشغالا للعدو الأمريكى "الإسرائيلى" على جبهات متعددة ، ربما يزيد اتساعها مع انضمام "الحوثيين" الوارد فى أى وقت ، خصوصا بعد الصمود القوى للداخل الإيرانى ، الذى تجتاحه القاذفات "الإسرائيلية" الأمريكية على مدار الساعة ، وبكل ما تملكه الجيوش الأمريكية بما فيها الجيش "الإسرائيلى" ، وحتى بأسراب القاذفات النووية "بى ـ 1" و"بى ـ2" و"بى ـ 52" بقنابلها الثقيلة الخارقة للتحصينات ، وبكل الضربات الأشد التى هدد بها جنرالات ووزارة الحرب الأمريكية ، لكن المشهد الشعبى بدا منطويا على مفارقة بليغة ، شوارع المدن الإيرانية الكبرى تحت القصف شبه النووى ، راحت تموج بالتظاهرات المليونية المؤيدة لنظام قطع رأسه ، بينما شوارع كيان الاحتلال تبدو مهجورة ، وملايين السكان "الإسرائيليين" فى الملاجئ خوفا من شظايا الصواريخ الإيرانية واللبنانية ، وأكثر من عشرة آلاف غارة أمريكية "إسرائيلية" ، لم تدفع الإيرانيين للاختباء ، رغم أن عدد الضحايا الإيرانيين جاوز الألفى شهيد مدنى فى أقل تقدير إلى الآن ، بينما يموت الإسرائيليون فى جلودهم مع صفارات الإنذار التى لا تتوقف من شمال فلسطين المحتلة إلى الجنوب فى غلاف "غزة" ، فقد أدار الإيرانيون مخزونهم من الصواريخ والمسيرات بذكاء وبراعة ، وبطريقة تقترب من المسار الذى اتبعوه فى حرب يونيو 2025 ذات الإثنى عشر يوما ، وبتدرج فى استخدام الصواريخ من الأقدم إلى الأحدث ، وفتح ثغرات تتسع فى حوائط الدفاع الجوى وقصف الرادارات الأمريكية "الإسرائيلية" ، ثم الانتقال إلى استخدام الصواريخ الفرط صوتية والانشطارية الأكثر دقة فى إصابة الأهداف المطلوبة ، وهو التكتيك الذى بدا أكثر انتظاما وتلاحقا مع انتخاب القائد الأعلى الجديد "مجتبى خامنئى" خلفا لوالده .

كان اختيار "مجتبى" فى ذاته ملحمة دارت تحت حمم النار ، إدعت إسرائيل فى البداية أنها قصفت مقر اجتماع "مجلس خبراء القيادة" المخول بانتخاب خليفة المرشد ، وأنها اغتالت كل أعضاء المجلس بضربة واحدة ، ثم تبين أن ما زعمته "إسرائيل" كان كذبة انفضحت ، واستطاع الإيرانيون تدبير عقد الاجتماع فى غير مقره الرسمى ، وأداروا مناقشات مستفيضة حول أسماء متعددة ، وكانت المفاجأة ـ بحسب مصادر إيرانية ـ أنهم اختاروا "خامنئى الإبن" بأغلبية الأصوات ، وبعدد 54 صوتا من 73 عضوا شاركوا باجتماع المجلس المكون من 88 رجل دين منتخبا شعبيا ، وكان اختيار "مجتبى" صفعة للرئيس الأمريكى "دونالد ترامب" ، الذى خوف وحذر مرات من تنصيب "ابن خامنئى" مرشدا إيرانيا عاما ، وكأن اغتيال "خامنئى" الأب كان بلا جدوى ، فقد انتقل النظام من قيادة "خامنئى" العجوز ـ 86 سنة ـ إلى اختيار "خامنئى" الإبن وعمره 56 سنة ، وكأن الحرب كلها كانت سرابا ، أو أنها أتت بأثر عكسى تماما ، ورغم تعهد أمريكا و"إسرائيل" بقتل "مجتبى" كما جرى لأبيه ، إلا أن "خامنئى الإبن" يبدو أكثر حذرا واحتياطا ، ثم أن قتله لا يعنى سقوط النظام بالضرورة ، فبإمكان الإيرانيين دائما اختيار مرشد آخر ، إن لم يكونوا اختاروا فعلا قائمة مرشدين متسلسلين ، ثم أن التعقيد الخاص ببنية النظام الإيرانى ، لا يجعل للأشخاص بذواتهم قيمة فاصلة ، وكل قائد إيرانى له أربعة بدائل ، يحل أحدهم محل سابقه فور استشهاده ، وهو ما أظهرته التجارب العينية المتوالية فى أزمنة الحرب بالذات ، وللنظام الإيرانى معارضات متنوعة المصادر سياسيا واجتماعيا وعرقيا ، لكن النظام بعد 47 سنة من ثورة "الخمينى" ، يرتكز على قاعدة تأييد صلبة لا تزال فعالة ، وكثير من المعارضين فى زمن الحرب الجارية تحولوا إلى التأييد ، بينما لا يستطيع العدو الأمريكى "الإسرائيلى" استنفار قطاعات تذكر من الشعب الإيرانى ضد النظام .

وصحيح أن الحرب لم تنته بعد حتى وقت كتابة هذه السطور ، وأن "ترامب" الهائج قد يقدم على ضربات يائسة ، من نوع احتلال مضيق "هرمز" أو جزيرة "خارك" عاصمة تصدير البترول الإيرانى ، أو الاندفاع إلى تدمير شبكات المياه والكهرباء بعد إحراق "إسرائيل" لخزانات وقود ، لكن هذه المخاطرات كلها ، لن تدفع الشعب الإيرانى لركوع ولا لاستسلام ، بل تزيد مآزق "ترامب" نفسه ، الذى يستشيط غضبا من تذبذب أسعار البترول والغاز الطبيعى فى السوق الدولية ، وميلها الإجمالى إلى الارتفاع ، وتضاعف توقعات بزيادة أسعار برميل البترول الخام إلى 150 وربما إلى 200 دولار ، وهو ما يزيد من الضغوط الدولية لوقف الحرب ، وربما تتحول مجازفة "ترامب" فى مضيق "هرمز" إلى كارثة أوسع نطاقا ، تحقق هدف إيران فى رفع تكلفة الحرب إلى أقصى مدى عالمى ، وتصدر الأزمة رأسا إلى الداخل الأمريكى ، الذى يعارض الحرب بنسبة تزيد إلى 65% من الرأى العام ، وبما قد يدفع "ترامب" الخائف على شعبية حزبه الجمهورى فى انتخابات تجديد الكونجرس فى نوفمبر المقبل إلى الانسحاب من الحرب على عجل ، وتطليق أوهامه ورهاناته الخائبة فى إيران.
---------------------------------------
بقلم: عبدالحليم قنديل
[email protected]

استمع إلى المقال حوّل المقال إلى تجربة صوتية
مدة القراءة08:38
تعليقات


الطقس
القاهرة مصر
18.3°C
توقعات الساعات القادمة
18.3°C
18.3°C
18.2°C
18.4°C
19.4°C
21.2°C
إقرأ أيضا
هاكان فيدان يشيد بموقف مصر المسؤول عقب استهداف سفينتي طاقة في دمياط

ثمن وزير الخارجية التركي هاكان فيدان، الموقف المصري المتزن والمسؤول الذي اتخذته مصر عقب الهجوم...

نبيل فهمي يبحث أمين عام مجلس التعاون الخليجي تطورات القضايا العربية والإقليمية

استقبل نبيل فهمي، الأمين العام لجامعة الدول العربية، اليوم الخميس، جاسم محمد البديوي، الأمين العام ل...

رئيس حزب الوفد يوجّه بالاستعانة بالكوادر القبطية والشباب في تشكيلات الحزب بالمحافظات

وجّه الدكتور السيد البدوي شحاتة رئيس حزب الوفد دعوة عاجلة لجميع الأعضاء واللجان المكلفة بتشكيل اللجا...

نقيب الإعلاميين: ملتزمون بميثاق الشرف الإعلامي وبقرار المحكمة بحظر النشر في قضية التجمع الخامس

أصدرت نقابة الإعلاميين، برئاسة الإعلامي الدكتور طارق سعده، نقيب الإعلاميين، بيانًا بشأن الخطاب الوار...

الاكثر قراءة
البابا تواضروس يحاول تقبيل يد الأنبا أمونيوس ورد اعتباره بعد 19 عاما من النفي

خمسة أساقفة و7 قساوسة بالأقصر ورجل اعمال شهير ورأء قرار أسبتعاده وأسقف شهير:"علي جثتي عودة الأنبا أم...

بالفيديو .. د. فادي نصر يشرح الجدول الزمني للإجراءات التجميلية

شرح الدكتور فادي نصر، مدير مركز غلامور الطبي بالرياض، الجدول الزمني للإجراءات التجميلية. حيث أكد أن...

رسالة مفتوحة إلى فخامة الرئيس

سيدي الرئيس: "إنَّ الوصيةَ لو تُرِكَتْ لفضلِ أدبٍ، تُرِكَتْ لذلك منكم"، وإنَّ النصيحة لو ح...

ميتشو: غياب شيكابالا عن مواجهة بطل السنغال مؤثر للغاية

 كشف الصربي ميتشو المدير الفني لفريق الكرة الأول بنادي الزمالك عن أنه لا يشعر بأي ضغوط قبل مواج...

أسعار الذهب اليوم

السعر بالجنيه المصري

عيار 24
7,114ج.م
عيار 21
6,225ج.م
عيار 18
5,336ج.م
الجنيه الذهب
49,800ج.م
عرض جميع الأسعار

تابعونا


جارٍ التحميل...