رمضان بين الفولكلورية والرهبانية
لو أخبرتك أن أحد رهبان الصحارى، المنقطعين فى القلالى، الزاهدين فيما عند الأناسى قد رآه أهل ملته فى نسكه وتبتله، وشظف عيشه وخشونته، فأشفقوا عليه الحرمان، واجتناب الطيبات والملذات، فذهبوا إليه يعرضون عليه ما يرفه عنه، فجاءه بعضهم بطبق وجعله فوق قلايته ليستقبل له قنوات الترفيه، وأتاه آخر بفرقة من راقصى التنورة وغير التنورة ليروحوا عنه، وانتحى ثالثهم ناحية فأوقد نارا وصنع شواء وأنضج طعاما مختلفا ألوانه، وقام عنده رابعهم يشعل الفحم ويرص له أحجار الشيشة ليعتدل مزاجه، ثم قالوا له إنهم لم يفعلوا ذلك إلا ليقوى على عبادته، وليُقبل على رهبانيته أشد وأنشط مما كان، فهل كنت تراهم عقلاء فيما صنعوا؟! ثم ماذا لو أخبرتك أن هذا الراهب قد قبِل هذه الإكرامات والعطايا منهم، هل كنت ستراه مخلصا لدينه ومذهبه الذى تديَّن به أم كنت تراه قد خرج من رهبانيته التى ألزم نفسه بها؟!
ولئن كان القارئ الكريم يعجب لهذا المثل الذى ضربته،
ولا يكاد يتوهم وقوعه من عقلاء، ولا يكاد يتوهم قبوله من رهبان، فإنى أقول له: بل هو حدث معتاد الوقوع، ولكثرته فقد ألِفناه حتى لم نعد ننكره أو نعجب له، فهذا شهر رمضان، انظر إلى استقبالنا إياه كل عام: أسواق تنصب، ومقاهٍ تُبسَط، وخيام تُنشر، ومأكولات مخصوصة تصنع، وأغانٍ تصدح، فإذا سألت عن هذا "الفولكلور" قيل لك: "تقليد رمضان، وكل عام أنت بالخير"!
يا إخواننا، إن رمضان هذا الذى نحتفى به بمجالس اللهو والسمر، وبالشيشات والأُنس والخيام الرمضانية، وبالتوسع فى صنوف المأكولات والمشروبات- رمضان هذا ليس يعدو شهر "رهبنة إسلامية سمحة" لا شهر "فولكلور شعبى" فإن صيام شهر رمضان هو ركن من أركان الإسلام الخمسة، وأنت فى رمضان تصوم فتمتنع نصف يومك عن الطعام والشراب والشهوة فرضًا، ونصف يومك الآخر تتهجد فيه لله تطوعا، فليس لك فيه غير أكلتان فى يومك؛ لتقيمان أودك لا لإثقال بدنك، وأنت فيما بين صيام النهار وقيام الليل واعتكاف العشر تراقب ربك، وتسعى فى مرضاته، وتجتهد أن تؤدى عملك على الوجه الأكمل، وتجتهد أن تعين المحتاجين بما ينفعهم، وتجتهد فى مغالبة جوارحك لتلزم الصوم عن المعاصى وتتقرب بالطاعات، وتجتنب فيه فضول الكلام، وفضول السمع، وفضول النظر، وتُقبل على ما ينفعك من تلاوة، وذكر، وكلم طيب، أو تصمت صمت السالمين، فهل هذه إلا أعمال الرهبنة؟! فكيف استبدلنا "الفولكلور" بها؟! إن كل عمل من أعمال "الفولكلور" ندخله على رمضان باسم الابتهاج، أو الترويح، أو التسلية يختلس جزءا من "معنى الشهر"، ثم جزءا فجزءا حتى يكاد "معنى الشهر" أن يذهب، فلا يتبقى إلا "موسم فولكلورى" تتخلله ساعات صيام، والسلام!
-------------------------------
بقلم: محمد زين العابدين
[email protected]
الطقس
إقرأ أيضا
هاكان فيدان يشيد بموقف مصر المسؤول عقب استهداف سفينتي طاقة في دمياط
ثمن وزير الخارجية التركي هاكان فيدان، الموقف المصري المتزن والمسؤول الذي اتخذته مصر عقب الهجوم...
نبيل فهمي يبحث أمين عام مجلس التعاون الخليجي تطورات القضايا العربية والإقليمية
استقبل نبيل فهمي، الأمين العام لجامعة الدول العربية، اليوم الخميس، جاسم محمد البديوي، الأمين العام ل...
رئيس حزب الوفد يوجّه بالاستعانة بالكوادر القبطية والشباب في تشكيلات الحزب بالمحافظات
وجّه الدكتور السيد البدوي شحاتة رئيس حزب الوفد دعوة عاجلة لجميع الأعضاء واللجان المكلفة بتشكيل اللجا...
نقيب الإعلاميين: ملتزمون بميثاق الشرف الإعلامي وبقرار المحكمة بحظر النشر في قضية التجمع الخامس
أصدرت نقابة الإعلاميين، برئاسة الإعلامي الدكتور طارق سعده، نقيب الإعلاميين، بيانًا بشأن الخطاب الوار...
الاكثر قراءة
تحت شعار "الدواء دون أضرار".. الاعتماد والرقابة الصحية تحتفل باليوم العالمي لسلامة المرضى
تنطلق غدا السبت فعاليات اليوم العالمي لسلامة المرضى، التي تنظمها الهيئة العامة للاعتماد والرقابة الص...
درجة قصة الذي تعلم لغة القطط من نبي الله سليمان
السؤال:ما صحة هذه الرسالة؟ قصة حلوة جدا ومؤثرة، كان من معجزات نبي الله سليمان أنه يكلم الطير والريح...
في انتظار رد اﻷمن.. عن عوائق سفر أعضاء هيئة التدريس (دراسة خطيرة)
تحاول الدولة منذ سنوات فرض سيطرتها على الجامعات المصرية باستخدام قوانين وقرارات عدة أصدرتها خلال الس...
"سوبيبور" عرض مسرحي في القاهرة يزيف التاريخ ويستجدي التعاطف مع يهود الهولوكوست
لا يوجد نص أدبي تأتي فكرته من الفراغ، فأي كاتب حتى من يكتب الكوميديا تكون لديه رسالة أو هدف مما يكتب...
أسعار الذهب اليوم
السعر بالجنيه المصري