الأربعاء، 04 نوفمبر 2026 القاهرة 25.4°C
رئيس التحرير مجدي شندي

رسالة من تحت الجليد

في بلاد لا تتحدث العربية، تنمو الوجوه المشربة بحمرة الخجل لتحدث طفرة في معدلات البؤس هناك. وفوق بياض التوابيت الثلجية في مدن يكسوها الضباب من كل أفق لا يمتلك أطفال المخيمات سيقانهم اليابسة ليلهوا بطابات الجليد كما فعل أباؤهم وأجدادهم ذات تاريخ.
فوق حدود لم تعد تكترث للقادمين من مدن الملح والبارود، يرسم الأطفال شهقاتهم الأولى فرحا بالانعتاق من مشيمة الأحقاد المتوارثة، لكن شقوق الخوف لا تلبث تتسع كل يوم آلاف الخنادق فوق وجوههم الغضة. فبين موت يقيني وموت محتمل، تتشابه القسمات الباردة والأمطار والثلوج. ويتحول الفارون من الأجداث سراعا إلى مشاريع تشرد فوق يابسة تزداد ضيقا بالأحلام والعصافير والأكف الصغيرة، وشيئا فشيئا، تتشابه براميل اللهب وزخات الثلج فوق الجماجم اليائسة.
لم تعد دول الجوار ودول المروءة قادرة على احتمال المزيد من الأقدام الوافدة عند الشاطئ. ولم يعد بوسع مراكب الصيد أو التهريب حمل المزيد من العظام النخرة فوق أخشابها المتهالكة. "وعلى الدول المانحة في مؤتمر مارس أن تفعل شيئا لإيقاف هذا النزيف البشري فوق الخرائط،" يقول مفوض الأمم المتحدة لشئون اللاجئين أنطونيو غوتيرس. فقد بلغ سيل الفوضى في بلاد العرب الزبى، ولم يعد بوسع الأمم المتحدة مواجهة أكبر كارثة إنسانية عرفها العالم على مر القرون. 
"وعلى دول أوروبا أن تصلح ما أفسد العرب، فتفتح حدودها أو ترسل بعثاتها الاستكشافية لانتشال من هلك في مياه داحس قبل أن تسبقها أسماك القرش إلى ولائم بشار،" يقول أنطونيو. الغريب أن الرجل الذي لم يبلغ سن اليأس من العرب بعد، قام على استحياء بدعوة دول الخليج إلى تخفيف العبء عن دول الشواطئ القريبة بعد أن امتدح ألمانيا والسويد على جهودهما المشكورة في إغاثة الملهوفين تحت الخيام الباردة.
اثنا عشر مليون مشرد وأربعة ملايين لاجئ، حصيلة غير دقيقة لما خلفته الحروب الفاجرة في تضاريس سوريا. وتحت خيام التشرد، يجلس مليونا طفل في انتظار مستقبل لا يجيء، بلا وقود للتدفئة، وبلا مدارس، وبلا أمنيات. جيل احترق في أتون السياسة، وغرق في وحل الخلاف المذهبي، فلم يدخله أمراء الحرب جنة الدنيا، ولم ييسروا له سبل دخولها في الآخرة. جيل سقط من التاريخ، ليتحول إلى قنابل آدمية مجمدة جاهزة للانفجار عند أول اختيار.
لكن البرد والصقيع، وأعشاش الجليد، لم تحرم مئة ألف صوص سوري من نقر بيوض الغربة وإطلاق الصرخات الغضة في الفضاء اللامبالي. وكأنهم يتحدون الفصول والمواسم وبراميل الخوف التي تتساقط فوق الرؤوس هناك. ومن حدود الغربة، تعلن الجماجم الصغيرة تمردها على زخات المطر والشقوق التي تتوزع فوق قماش الخيام كأغربة سوداء في حشايا الوطن. 
مضت أربعة أعوام عجاف على الربيع السوري الموعود، وكل يوم يضيف إلى الجرح السوري المزيد من الدمامل والقروح والتقيحات والخيام الممزقة والجماجم المهشمة وبراميل البارود. وعلى ضفاف سوريا، يوزع الفارون من الموت إلى الموت بقايا أنفاسهم في انتظار ما لا يجيء. وحولهم تقف الأسلاك الصدئة باردة كعادتها في انتظار أختام وتأشيرات الجوار. وحدها تركيا، تحملت من الأقدام العابرة للحدود ما لا تطيق لتصبح أكبر مأوى للاجئين على مستوى الفجيعة.
ويبقى الطفل عند الحدود، تحت خيمة لا تستر عريا، ولا تقي من غائلة برد لا يحتمل، وصقيع لا يطاق، شاخصا ببصره نحو الآفاق البعيدة، منتظرا أي هدهد يحمل في منقاره أي رسالة من أي سبأ، ليعود إلى لحمه وعظمه روحا كما شاء الله له أن يكون.
[email protected]

##

 

استمع إلى المقال حوّل المقال إلى تجربة صوتية
مدة القراءة03:21
تعليقات


الطقس
القاهرة مصر
25.4°C
توقعات الساعات القادمة
25.4°C
27.3°C
29.0°C
30.3°C
30.9°C
30.9°C
إقرأ أيضا
هاكان فيدان يشيد بموقف مصر المسؤول عقب استهداف سفينتي طاقة في دمياط

ثمن وزير الخارجية التركي هاكان فيدان، الموقف المصري المتزن والمسؤول الذي اتخذته مصر عقب الهجوم...

نبيل فهمي يبحث أمين عام مجلس التعاون الخليجي تطورات القضايا العربية والإقليمية

استقبل نبيل فهمي، الأمين العام لجامعة الدول العربية، اليوم الخميس، جاسم محمد البديوي، الأمين العام ل...

رئيس حزب الوفد يوجّه بالاستعانة بالكوادر القبطية والشباب في تشكيلات الحزب بالمحافظات

وجّه الدكتور السيد البدوي شحاتة رئيس حزب الوفد دعوة عاجلة لجميع الأعضاء واللجان المكلفة بتشكيل اللجا...

نقيب الإعلاميين: ملتزمون بميثاق الشرف الإعلامي وبقرار المحكمة بحظر النشر في قضية التجمع الخامس

أصدرت نقابة الإعلاميين، برئاسة الإعلامي الدكتور طارق سعده، نقيب الإعلاميين، بيانًا بشأن الخطاب الوار...

الاكثر قراءة
في انتظار رد اﻷمن.. عن عوائق سفر أعضاء هيئة التدريس (دراسة خطيرة)

تحاول الدولة منذ سنوات فرض سيطرتها على الجامعات المصرية باستخدام قوانين وقرارات عدة أصدرتها خلال الس...

إبراهيم فتحي ...مؤسس العناوين الكبرى

رحل عن عالمنا منذ أيام، المثقف، المناضل اليساري، المترجم، الناقد الادبي، والمفكر ابراهيم فتحي،...

"سوبيبور" عرض مسرحي في القاهرة يزيف التاريخ ويستجدي التعاطف مع يهود الهولوكوست

لا يوجد نص أدبي تأتي فكرته من الفراغ، فأي كاتب حتى من يكتب الكوميديا تكون لديه رسالة أو هدف مما يكتب...

لماذا ينظر الرجل إلى شفتي المرأة أثناء حديثها إليه؟

إذا كانت فتاة او سيدة قد لاحظت أن الرجل ينظر إلى شفتيها عندما تتحدث معه، فربما تتساءل عن السبب وماذا...

أسعار الذهب اليوم

السعر بالجنيه المصري

عيار 24
6,994ج.م
عيار 21
6,120ج.م
عيار 18
5,246ج.م
الجنيه الذهب
48,960ج.م
عرض جميع الأسعار

تابعونا


جارٍ التحميل...