الأربعاء، 04 نوفمبر 2026 القاهرة 18.9°C
رئيس التحرير مجدي شندي

ردا على إعلام يروج الأباطيل ويصدقه الناس: نعيد نشر "تنظيم بلا اسم.. طريق المبتدئين لاغتيال النائب العام"

ردا على إعلام يروج الأباطيل ويصدقه الناس: نعيد نشر "تنظيم بلا اسم.. طريق المبتدئين لاغتيال النائب العام"
استمع إلى المقال حوّل المقال إلى تجربة صوتية
مدة القراءة32:24

أغلقت السلطات المصرية منابر إعلامية محترمة، كان يمكن أن تكون سندا في نشر الحقائق، ولم يخطر ببالها أن إعلاما هزيلا مسيرا هو ضار بأكثر من نفعه.

كانت قضية توقيع عقوبة الإعدام على تسعة ممن شاركوا في اغتيال النائب العام نموذجا فجا، حيث أخذ الإعلام الدولي ووسائل الإعلام التابعة لجماعة الإخوان المسلمين يروج للأباطيل ويدعي براءة هؤلاء الشبان من حادث الاغتيال البشع وللأسف صدق الناس هذه الأباطيل وتعاطفوا معها، خلافا لحقيقة ماجرى، ولم يستطع المطبلون للنظام تقديم حجج دامغة تقنع المتعاطفين مع الجماعة والجمهور الجديد الذي لم يجد رواية مقنعة ، فسار في ركاب التصديق.

هذا تحقيق نشره الزميل محمد حمامة في موقع مدى مصر في 26 يوليو 2017 يكشف حقيقة ماجرى ، ويحشد أدلة حقيقية تكذب الأباطيل المنتشرة وسط قطاع عريض من الناس 

***

"ينتظر محمود اﻷحمدي إشارة مجموعة الرصد. على بُعد شارعين يترقبون النائب العام السابق هشام بركات عند منزله بحي مصر الجديدة شماليّ القاهرة. يتحرك الموكب في ثلاث سيارات رباعية الدفع قبل العاشرة بقليل من صباح اﻹثنين الموافق 29 يونيو 2015. يتسلم محمود اﻹشارة. يُصيبه توتر لحظي. يُرسل رسالة نصية إلى أخيه اﻷكبر محمد: «ادعي لي، أنا في خطر وممكن مرجعش». يبدأ الموكب في الدوران يمينًا في شارع مصطفى حجازي. تعبر السيارة الأولى. يستعد زميله أبو القاسم اﻷزهري بكاميرته. يقبض محمود على ريموت السيارة المفخخة على بعد خمسين مترًا. حين تظهر السيارة الثانية التي يستقلها النائب العام، يضغط الزر. ينتهي كل شيء في ثوانٍ تلتقطها الكاميرا. يتحركان سريعًا حيث تنتظرهما سيارة يقودها مسؤول مجموعة الرصد. يعطي أبو القاسم كارت ذاكرة يحوي تصوير العملية لمحمود. ينفصلان، مع تعليمات بالاختفاء لفترة حتى تهدأ اﻷمور. يُرسل محمود رسالة أخرى إلى أخيه: «يبدو أن النائب العام يُحاسب عند ربّه».

****

ترسم أوراق قضية اغتيال النائب العام قطعًا صغيرة من صورة أكبر. المشهد السابق كان واحدًا منها. شمل ملف القضية الذي أحالته نيابة أمن الدولة إلى محكمة الجنايات آلاف الصفحات من التحريات والمعاينات و«الاعترافات». إلى جانب الأقوال المنسوبة للمتهمين أمام النيابة، تحدث «مدى مصر» إلى عدد من المصادر لإنتاج نسخة مقاربة من الصورة وسياقاتها. تحكي النسخة طريق مجموعة من صغار المبتدئين من شباب الإخوان المسلمين أنشأوا تنظيمًا بلا اسم، انبثق عن تيار العنف داخل الجماعة، ونجح خلال شهور معدودة في تخطيط وتنفيذ أخطر عمليات الاغتيال السياسي في مصر منذ ربع قرن.

السبت ، 22 يوليو، أصدرت إحدى دوائر الإرهاب بمحكمة جنايات القاهرة حكمها في القضية. أدين جميع المتهمين الستة والستين، وحُكم على 28 منهم بالإعدام.

محمود اﻷحمدي حين يواجهه المستشار حسن فريد خلال إحدى جلسات المحاكمة باعترافاته، يتحداه بتعرضه للتعذيب الشديد ليُدلي بها. «اديني -قدام الناس كلها وقدام الكاميرات- صاعق وقعدني مع أي واحد تختاره ساعة كهربا، هخليه يقول لك أنا اللي قتلت السادات».

محمود هو المتهم الرئيسي قيد الحبس في القضية (ممن تم إعدامهم). يتحدث في ثقة، في تسجيل مصور له خلال إحدى جلسات المحاكمة التي بدأت في يونيو 2016. طويل القامة بعض الشيء. يلتفت بحدة ناحية من يقطع حديثه، ويوزع نظرات من نفد صبره. ينظر إلى سقف القاعة بينما يتكلم القاضي حسن فريد. يقابل ردًا برد. حين يواجهه القاضي باعترافاته، يتحداه بتعرضه للتعذيب الشديد ليُدلي بها. «اديني -قدام الناس كلها وقدام الكاميرات- صاعق وقعدني مع أي واحد تختاره ساعة كهربا، هخليه يقول لك أنا اللي قتلت السادات».

ولد عام 1994 في قرية كفر السواقي التابعة لمركز أبو كبير بمحافظة الشرقية. يكبره شقيقان وشقيقة واحدة. يدرس اللغتين العبرية والتركية بكلية اللغات والترجمة بجامعة اﻷزهر. التحق بجماعة اﻹخوان المسلمين في سن مبكرة، على خطى شقيقه محمد، الذي سبقه إلى الجماعة، ثم حصل معه هذا الأسبوع على حكم بالإعدام في القضية نفسها.

اندمج محمود في أنشطة الإخوان مع عامه الجامعي اﻷول. كان العام الدراسي 2012-2013. مع نهايته، أُطيح بحكم الرئيس السابق والقيادي بالجماعة محمد مرسي في 3 يوليو. اعتصم في ميدان رابعة. تلقى رصاصة في ظهره خلال عملية الفض، وتلقى أخوه محمد اثنتين.

شارك محمود في تظاهرات طلاب اﻹخوان بجامعة اﻷزهر في العام الدراسي التالي لفض الاعتصام. كانت جامعة اﻷزهر أكثر مسارح الصراع مع نظام ما بعد 3 يوليو سخونة. تعددت المواجهات بين الطلاب وقوات الشرطة داخل الحرم الجامعي وفي محيطه. كوَّن طلاب الإخوان «لجان اﻹرباك»، وهي مجموعات تختص بحماية المسيرات وتعطيل عمل الشرطة في تفريق المتظاهرين. استخدموا شماريخ، وعبوات مولوتوف، أو -في بعض اﻷحيان- بنادق خرطوش. لم يعرف أغلب المتظاهرين مصدرها أو القائمين عليها. تظهر فجأة وسط المظاهرات بعد بدء المواجهات مع الشرطة، وتختفي فجأة. أحد المتهمين في قضية اغتيال النائب العام يحكي خلال التحقيقات عن مسيرة يتذكرها في أوائل عام 2014 داخل الجامعة: «اتفاجئنا داخل المظاهرة بصوت ضرب نار». عرف بعدها أن اثنين من مجندي اﻷمن المركزي قُتلا ذلك اليوم.

لكن الملل أصاب الشباب، وأصبحت المسيرات تضييعًا للوقت بالنسبة للكثيرين. يطمح بعضهم لشيء أكثر تأثيرًا. تحولت لجان اﻹرباك من الدفاع إلى الهجوم، الذي لم يعنِ وقتها أكثر من قطع الطرق وحرق محطات الكهرباء وعربات الشرطة.

بدأت المجموعات الصغيرة في التشكُل. عمل بعضها بمبادرات فردية، والبعض اﻵخر بعلاقات تنظيمية شخصية. ضمت طلابًا وشبابًا من جماعة اﻹخوان بشكل أساسي، وحفنة من المتعاطفين القريبين.

محمود كان أحد طلاب الجماعة الذين انخرطوا في هذا النشاط «المقاوم» منذ بدايته. عاد إلى قريته في صيف 2014 بعد انتهاء العام الدراسي. طلب منه صديقٌ الانضمام إلى مجموعة إرباك بمركز أبو كبير، ثم تشكيل أخرى «الغرض منها إنهاك الشرطة» حسب أقواله.

خلال تلك الفترة كانت جماعة الإخوان تشهد صراعًا داخليًا حادًا بين أنصار الاستمرار على النهج السلمي من قيادات الجماعة التقليديين من ناحية، وأنصار التحول الاستراتيجي إلى استخدام العنف ضد النظام، وأغلبهم من شباب الجماعة. مع خريف 2014 أخذ أنصار العنف داخل الجماعة الأمور خطوة أبعد: أصبح كل شيء متاحًا «دون اﻷرواح»، بحسب وصف أحد المتهمين لطبيعة تلك الفترة خلال التحقيقات، بما في ذلك العبوات الناسفة والقنابل البدائية التي لا يخلف تفجيرها قتلى. وأصبحت عناوين مثل «اللجان النوعية» و«العمل النوعي» أوصافًا لكل مجموعات العنف المماثلة وعملياتها.

****

في البداية لم يعرف محمود على وجه التحديد تفاصيل المجموعة التي كان ينتمي إليها أو مسؤولها أو هيكلها. كان فقط يدرك بشكل عام ومبهم أنه ينتمي إلى الجبهة التي تدافع عن انتهاج الإخوان «المنهج الثوري» في «مقاومة –ما أسموه- الانقلاب»، أي العنف.

احتاج أفراد تلك الجبهة إلى حد أدنى من تدريب الكوادر. بحسب اعترافات عدد من المتهمين، كانت غزة موقع عدد مختلف من هذه التدريبات. يحكي محمود تفاصيل رحلته إلى غزة خلال التحقيقات. في سبتمبر 2014، تواصل معه أحد زملائه ليدعوه للحصول على دورة تدريبية على العمل النوعي. أخبره أن اﻷمر سيتطلب غيابه عن منزله فترة طويلة، ووافق محمود.

أوصله صديقه بعد يومين بآخر كلّفه بالتوجه لمدينة العريش. هاتفه أحد اﻷشخاص عبر رقم محمول غير مصري، ثم قابله. توجها معًا إلى الحدود مع قطاع غزة. تبدل مرافقه بآخرين. ساروا في بعض الدروب الصحراوية -وليس اﻷنفاق- وعبروا بعض اﻷسوار. في النهاية، وجد نفسه هناك.

لم يرَ وجوهًا ﻷيٍ ممن تعامل معهم. كلهم ملثمون طوال الوقت. ينتمون لكتائب القسام، الجناح العسكري لحركة حماس، طبقًا لأقواله أمام النيابة. لم يعرف سوى أنهم أبو الوليد، وأبو إبراهيم، وأبو عمر، وآباء آخرين. فقط سمع محمود بصدفة ما أن أبو عمر يعمل ضابطًا بجهاز مخابرات حماس.

لا يستبعد مصدر داخل الجماعة، على اطلاع وثيق بملف العلاقات بين مصر وحماس، أن يكون عدد من شباب الجماعة قد تدربوا في القطاع بمساعدة بعض مجموعات كتائب القسام. توترت علاقة مصر مع غزة بشكل كبير بعد عزل مرسي؛ لكن اﻷمر المؤكد بالنسبة له أن هذه المساعدة -في حالة حدوثها- قد تمت بمبادرات فردية أو ميدانية دون موافقة مركزية من حماس أو تنسيق رفيع المستوى مع قيادات الإخوان.

استغرق اﻷمر عدة سنوات لاستعادة التفاهم بين مصر وغزة. أعلنت وزارة الداخلية المصرية في مارس 2016 عن تورط عناصر من حماس في تدريب العناصر الإخوانية التي قامت باغتيال النائب العام. نفت الحركة تورطها، وقالت إن الاتهامات «لا تنسجم مع الجهود المبذولة لتطوير العلاقات بين حماس والقاهرة». بعد أيام من الاتهام الرسمي زار القاهرة وفد من حماس للمرة الأولى بعد انقطاع طويل.

يقول المصدر إن الوفد «صُعق» بعدما أطلعه الجانب المصري على تفاصيل التحقيقات في القضية والأدلة على تورط عناصر من القسام. وطلب الجانب المصري خلال المفاوضات -المستمرة حتى اﻵن- تسليم بعض المتهمين بالتورط في أحداث عنف، ضمن مطالب أخرى.

تغيرت محظورات العنف مرة أخرى بالنسبة لهذه المجموعة. استخدم أحد المتهمين تعبير «العمليات النوعية المتقدمة» في وصف نشاط المجموعة الجديدة، وتعني له «استهداف شخصيات معينة في الشرطة والقضاء».

يضيف المصدر أن التفاهمات اﻷخيرة بين الطرفين تؤكد لديه اقتناع الجانب المصري بأن مساعدات غزة في العنف المصري لم تكن بقرار من الحركة. لهذا خفتت مسألة تسليم المطلوبين مع الوقت مقابل ملف أمني أكثر إلحاحًا هو ضبط حدود سيناء. ولم توجه النيابة اتهامات ﻷي فلسطيني في هذه القضية.

خلال شهر ونصف، تعلّم محمود هندسة وتصنيع المتفجرات واستخدام السلاح في منطقة بيت حانون شمال شرقي القطاع، حسب أقواله. استعد للعودة بحلول نهاية أكتوبر 2014، لكن هجومًا في الشهر ذاته على كمين كرم القواديس الأمني بمدينة الشيخ زويد شماليّ سيناء -راح ضحيته 30 جنديًا من الجيش المصري- تسبب في تشديد الحالة اﻷمنية. اضطر للانتظار لشهر ونصف آخرين كي يتمكن من عبور الحدود عائدًا لمصر.

نقل الخبرات

بعد عودته، اتصل به أحد المسؤولين التنظيميين وطلب منه ألا يتواصل مع رفاقه القدامى في لجان العمليات النوعية. أرسل له جهاز لابتوب جديد، وكلفه بنقل خبرات غزة لشباب بعض اللجان، عبر دورات تدريبية؛ اﻷولى كانت في الشرقية، بعدها في المنيا، والثالثة في مدينة 6 أكتوبر، طبقًا ﻷقواله. قابل في اﻷخيرة رفيقه «أبو القاسم». اسمه أبو القاسم يوسف لكنه يُعرف باسم «أبو القاسم اﻷزهري». شاب في أوائل العشرينيات، ولد في أسوان ويدرس في كلية الدعوة اﻹسلامية بجامعة اﻷزهر.

عرف محمود بعدها للمرة اﻷولى أنه ينتمي إلى مجموعة يتولى مسؤوليتها نفس القيادي الإخواني الذي تولى في السابق الإشراف على أنشطة الإخوان داخل جامعة الأزهر، والذي كان وقتها قد غادر البلاد. يقول إنه عرف أيضًا أن هذه المجموعة تأسست لتنفيذ «عمليات كبيرة في البلد مش زي العمليات بتاعة اللجان النوعية».

تغيرت محظورات العنف مرة أخرى بالنسبة لهذه المجموعة. استخدم أحد المتهمين تعبير «العمليات النوعية المتقدمة» في وصف نشاط المجموعة الجديدة، وتعني له «استهداف شخصيات معينة في الشرطة والقضاء». لم يعد العنف بالنسبة لهم يتوقف عند ما هو «دون الأرواح». يستدرك الشرط: أن تكون هذه الشخصيات «ارتكبت أفعالًا تستوجب القصاص منها». النائب العام السابق هشام بركات كان ضمن هؤلاء.

****

جاء قرار استهداف النائب العام في حدود شهر مارس 2015. قامت مجموعة الرصد بتتبع مسارات حركة موكبه بين منزله في حي مصر الجديدة وعمله بوسط البلد. بحسب أقوال عدد من المتهمين، استغرقت عملية الرصد شهرين كاملين.

في مايو، تسلم محمود موادًا كيماوية وفرتها مجموعة الدعم اللوجستي -يقودها أبو القاسم- في شقة سكنية بمدينة 6 أكتوبر. لم يكن أي منهم يعلم الهدف بعد. استشعر محمود خطر الانكشاف، فطلب نقل المواد إلى مكان بعيد. مخزن في مركز ههيا بمحافظة الشرقية استأجره متهم آخر في القضية (حُكم عليه أيضًا بالإعدام). صُنعت المواد في مزرعة بإحدى القرى هناك، بحسب أقوال ثلاثتهم.

بعدها تواصل محمود مع مسؤول التنظيم بشكل مباشر للمرة اﻷولى. كل المحادثات تتم عبر تطبيق لاين LINE ﻷنه يسمح بتشفير الرسائل ومسح المحادثات بشكل آلي. أخبره المسؤول المقيم خارج البلاد أنهم يستعدون لاستهداف شخصية كبيرة لم يحددها. وكلفه بإلقاء نظرة على موقع العملية المقترح. لم يعرف محمود أن هشام بركات هو هدف العملية إلا قبل أسابيع قليلة من التنفيذ.

استمرا في التواصل، ولاحقًا انضم لهما في المحادثات الفلسطيني أبو عمر، الذي كان محمود قد سمع في غزة أنه ضابط بمخابرات حماس. اقترح أبو عمر عليه أحد المواد لاستخدامها في صنع القنبلة. واجه محمود مشكلة في تصنيع المادة المحرضة للتفجير. اقترح أبو عمر بديلًا آخر هو نترات اﻷمونيوم. تقدم أقوال محمود أمام النيابة رواية تفصيلية مطولة ومعلومات دقيقة حول كيفية إتمامه تصنيع العبوة. تأخذه شهوة الحكاية فيستعرض «خبرته»: يتحدث عن مادة اسمها بروكسيد اﻷسيتون ويُلقي بملاحظة عابرة أن «اسمها عند الناس اللي بتصنع متفجرات (أم العبد)».

يتذكر محمود خلال التحقيقات تعرّض يده للكسر في الشهر ذاته، واحتفاظه بالجبيرة في يده حتى بعد إتمام العملية.

أنهى تجهيز المواد بمعاونة أحد رفاقه. نقلوها في حقائب سفر بواسطة القطار إلى القاهرة. طلب محمود من «أبو القاسم» استقباله في محطة قطار رمسيس لمساعدته في نقل المواد إلى شقة في مدينة الشيخ زايد.

إحدى العقبات كانت طريقة إتمام التفجير عن بُعد. كلف المسؤول شخصًا يًدعى أحمد محروس بهذه المهمة. ليس خبيرًا في تجهيز دوائر العبوات الناسفة، لكن دراسته الهندسية واهتمامه الشخصي كانا كافيين للاعتماد عليه.

يقول محروس خلال التحقيقات معه إنه صمم دائرة توصيل كهربية تعمل عبر جهاز إنذار سيارة. قابل شخصًا لا يعرفه -يده مكسورة- وأعطاها له.

يحكي أبو القاسم في أقواله إن مسؤول التنظيم كلّفه في منتصف يونيو بشراء سيارة «شكلها نضيف». توجه إلى مكتب بريد وأقنع موظفًا أن بطاقة تحقيق شخصية مفقودة هناك تخص إحدى قريباته. اشترى سيارة اسبيرانزا موديل 2007 من سوق السيارات بمدينة القاهرة، واستخدم البطاقة المفقودة لتحرير العقد. سأله بائع السيارة عن اسمه فأخبره أنه يدعى إسلام.

مسؤول الرصد في مكمنه ﻹعطاء اﻹشارة. ركنوا السيارة على ناصية شارع سلمان الفارسي في تقاطعه مع شارع مصطفى مختار. كل شيء جاهز، لكن موكب النائب اختار مسارًا بديلًا. تعطل التنفيذ، وتركوا السيارة المفخخة في مكانها.

عرف أبو القاسم يوم 24 يونيو أن الهدف سيكون النائب العام. في اليوم التالي، اصطحبه محمود لتجربة ريموت الدائرة الكهربية ومعرفة مداه، بحسب أقوالهما. في 26 يونيو، طلب مسؤول التنظيم من «أبو القاسم» مغادرة الشقة ﻷن شخصًا -لا يريد كشف هويته- سينضم لمحمود، طبقًا لما يحكيه أبو القاسم خلال التحقيقات.

في هذا اليوم، يقول محمود إنه انتهى من تجهيز العبوة بصحبة أحد رفاقه. أخبرهم يحيى يوم 27 يونيو أن ساعة الصفر هي صباح اليوم التالي، اﻷحد 28 يونيو. ونقلوا العبوة إلى السيارة.

تقابل أبو القاسم ومحمود صباح اﻷحد أمام نادي السكة الحديد في طريق النصر. التقطتهما سيارة يقودها رجل في اﻷربعينات من عمره. يقول محمود وأبو القاسم إن السائق لم يكن يعرف ما هم بصدده.

السائق المقصود اسمه ياسر عرفات، تعرف عليه محمود اﻷحمدي في عرض صور أمام النيابة (لم يتمكن أبو القاسم من تأكيد أنه نفس الشخص الذي أقلهم). ضابط سابق بالقوات المسلحة أُحيل للمعاش المبكر في يناير 2014 بناءً على طلبه. يتعاطف مع جماعة اﻹخوان لكنه لا ينتمي لها.

قال ياسر في التحقيقات إن صديقًا له طلب منه خدمة شخصية: في طريق ذهابه إلى مكتبه في حي مصر الجديدة، سيلتقط شابين ﻹنهاء عمل يخصهما هناك قبل مغادرتهما القاهرة. يتذكر ياسر في أقواله جبيرة كانت تحيط ذراع الشاب الذي جلس بجواره. لم يعرف اسميهما لكنه تعرف على محمود و«أبو القاسم» خلال عرض الصور أمام النيابة. في الطريق، سألهما عن وجهتهما فأخبره ذو الجبيرة عن استهدافهما النائب العام. أصابه الرعب -بحسب أقواله- لكن غلبه الفضول. انتظر في أحد الشوارع بعدما غادراه.

مسؤول الرصد في مكمنه ﻹعطاء اﻹشارة. ركنوا السيارة على ناصية شارع سلمان الفارسي في تقاطعه مع شارع مصطفى مختار. كل شيء جاهز، لكن موكب النائب اختار مسارًا بديلًا. تعطل التنفيذ، وتركوا السيارة المفخخة في مكانها.

عاد محمود وأبو القاسم إلى سيارة ياسر، وابتعد بهما، بحسب حكاية ثلاثتهم. غادرا إلى الجيزة: محمود إلى منزل شقيقه محمد في بشتيل، وأبو القاسم إلى بيت عمه في المنصورية.

بعد عودته إلى منزله، طلب ياسر من صديقه -مسؤول التنظيم- ألا يورطه فيما يفعله مرة أخرى. جلس إلى ورقة وكتب فيها تفاصيل ما حدث خلال اليوم. «كنت بفكر جديًا بإبلاغ الشرطة»، يقول ياسر في التحقيقات، لكن خوفه من الانتقام منعه. في النهاية، أقنع نفسه: ليس معقولًا أن ينجح هؤلاء «العيال» في اغتيال النائب العام. كان تقديره خاطئًا. وكلفه ذلك حكمًا بالإعدام.

بحسب أقوال محمود و«أبو القاسم»، كلفهما مسؤول التنظيم بإعادة المحاولة في اليوم التالي، اﻹثنين 29 يونيو. قال لهما إن سائق أمس لن يصحبهما ﻷنه خائف. توجها صباح اليوم التالي مرة أخرى إلى موقع العملية. أنهى محمود تجهيز الوصلة اﻷخيرة في دائرة القنبلة. واستخدم موكب النائب العام هذا اليوم مسارهم. نجح «العيال» في محاولتهم.

توجه محمود إلى منزل شقيقه الأكبر محمد. أطلعه على تسجيل العملية المصور. طلب أن ينام وكلف شقيقه بالتخلص من جهازي ريموت إنذار السيارة المستخدمة في العملية. تخلص محمد من أحدهما وقرر الاحتفاظ باﻵخر في ميدالية مفاتيحه على سبيل ذكرى لحظة انتصار.

كان نجاحًا فائقًا: استهدفت مجموعة المبتدئين أحد أهم قيادات الدولة داخل العاصمة. رُصد بكفاءة. وتحركت كمية كبيرة من المتفجرات بسهولة عبر عدة محافظات حتى وصلت إلى هدفها. لم يكن ممكنًا تنفيذ ما هو أكثر دقة: قُتل النائب العام وحده بلا قتلى آخرين.

بعد نجاحه في هذه العملية الكبيرة، يقول محمود إنه حاز على ثقة مسؤوله بشكل كبير، فأصبح يكلفه بعملية إنتاج وتجهيز عبوات متفاوتة القوة وتوفيرها ﻵخرين.

في نوفمبر 2015 صنع محمود عبوتين ناسفتين، جهز سيارة بإحديهما، ووضع اﻷخرى في صندوق على دراجة نارية. عملية ستقوم بها لجنة تابعة للتنظيم، لكنه لا يعرف وجهتهم. سيعرف بعدها أن السيارة والدراجة انفجرتا برفاقهم قبل الوصول لوجهتهم. كان هذا ما حكاه محمود في أقواله. ما لم يعرفه أن مسؤول تلك اللجنة ومنسق العملية- وإن لم يكن من بين ضحاياها- كان شقيقه محمد.

****

كان محمد نموذجًا يحتذى به في مجتمع قريته. طبيب. متمرس في علوم الشرع، ويعطي دروسًا دينية لزملائه. كان مثلًا أعلى انضم بسببه أحد المتهمين من نفس قريته للجماعة. يتذكر المتهم في أقواله إنه تمنى أن يصبح «زي الدكتور محمد اﻷحمدي، الناس كلها بتحبه وتشكر فيه».

لا يعرف المتهم عن نشاط محمد سوى أنه عضو في جماعة اﻹخوان. كان مسؤول أسرته داخل التنظيم. يعلمهم القرآن والسنة واﻷحاديث وسيرة الرسول. يعلمهم أيضًا صفات الفرد المسلم: «سليم العقيدة، نافع لغيره، منظم في شؤونه، قادر على الكسب، حريص على وقته، صحيح العبادة». الهدف النهائي لدعوة الجماعة هو إقامة الخلافة الإسلامية ليحرز المسلمون بعدها «أستاذية العالم».

ولد محمد عام 1984. ككل شباب الأطباء، يوزع عمله بين وحدة صحية حكومية بمنطقة الوراق في الجيزة، وبين مستشفى خاص في التجمع اﻷول.

أصيب خلال فض اعتصام رابعة برصاصات أقعدته في الفراش بضعة شهور. يقول أمام النيابة إنه شاهد طائرة هليكوبتر تطلق النار على المعتصمين بشكل عشوائي أثناء الفض.

يعرف أخبار «العمل النوعي» فقط من شقيقه الأصغر محمود وعدد من أصدقائه. يحكي في أقواله عن سفر أخيه إلى مدينة العريش في سبتمبر 2014. بعدها بيومين تواصل معه من غزة وأخبره بما يفعله هناك. بعد ثلاثة شهور، عاد محمود إليهم. «كان متحفظ معايا في الكلام ومكنش بيحكي لي على أي تفاصيل».

في فبراير 2015 تلقى محمد رسالة من زميل دراسة سابق يقيم خارج البلاد طلب منه الانضمام لمجموعة عمل نوعي في القاهرة حيث يعمل. أوصله بشخص «غريب جدًا» بحسب وصفه: «شعره طويل ولابس سلسلة كبيرة». استغرب تقديمه لشخص «بالشكل ده». كان زميل الدراسة السابق هذا هو نفسه مسؤول التنظيم الذي أشرف لاحقًا على تخطيط وتنفيذ عملية اغتيال النائب العام التي نفذها شقيق محمد الأصغر، محمود.

قابل محمد صديقًا قديمًا من الجماعة، وحكى له ما حدث معه. أوضح له صديقه أن السيناريو ذاته تكرر معه. أبلغا «الشخص الغريب» برغبتهما في العمل سويًا في مجموعة القاهرة. لكن التكليف صدر لهما بالانفصال. يبقى صديقه لتأسيس مجموعة في منطقة مدينة نصر. ويعود محمد إلى محافظة الشرقية لتأسيس مجموعة أبو كبير هناك.

هدأ نشاط التنظيم بضعة أسابيع بعد نجاح عملية النائب العام. أصابهم النجاح الفائق بلعنة الطموح. رصدوا عددًا من اﻷهداف الكبيرة خلال الشهور التالية، من بينهم وزير الدفاع صدقي صبحي، والسفير اﻹسرائيلي في القاهرة (اسمه حاييم كورين، لكن أحدًا منهم لا يعرفه).

في هذه الشهور، اشتدت حملة الاعتقالات وسقط عدد كبير من أطراف التنظيم خصوصًا في الشرقية. يقول محمد اﻷحمدي أمام النيابة إن هذا دفعه للتفكير في تنفيذ عملية لتخفيف هذه الضغوط.

تواصل محمد مع مسؤول التنظيم المقيم خارج البلاد، وأخبره عما يفكر فيه. اقترح استهداف عربات اﻷمن المركزي التي تطارد المتظاهرين في مدينة أبو كبير. رصدوا حركتها وعرفوا أنها تعتاد الوقوف في أحد الميادين أيام الجمعة، موعد خروج المسيرات اﻷسبوعي.

الخطة معتادة: وضع سيارة ودراجة بخارية مفخختين في الميدان، وتفجيرهما صباح الجمعة 6 نوفمبر 2015. أرسل محمد اثنين من أعضاء مجموعته لاستلام السيارة والدراجة البخارية والانطلاق لتنفيذ العملية. في الطريق، انفجرت عبوتا السيارة والدراجة البخارية وقتلتهما. في صباح اليوم التالي، قُبض على محمد من مقر وظيفته كطبيب في الوراق. تحفظت قوات الأمن على تليفونه ومحفظته، لكنهم تركوا ميدالية مفاتيحه والذكرى التي تحملها. كان هذا ما حكاه محمد في أقواله. ما لم يعرفه أن من صنع وأرسل العبوات التي انفجرت برفاقه كان شقيقه محمود.

***

كان التنظيم الوليد على درجة من السرية والعنقودية تسمح بأن يشترك شقيقان في تنفيذ العملية نفسها دون أن يعرفا أو يلتقي أحدهما بالآخر. الفضل في ذلك يرجع لمسؤول التنظيم: يحيى موسى.

يبلغ يحيى من العمر 33 عامًا، ولد بدوره في محافظة الشرقية. عمل مدرسًا بكلية الطب جامعة اﻷزهر، كما عمل متحدثًا رسميًا باسم وزارة الصحة وقت حكم مرسي. لم يكن شخصية عامة من شخصيات الجماعة. عُرف فقط بمداخلة أجراها معه التلفزيون المصري بعد أحداث الحرس الجمهوري التي قُتل فيها 61 متظاهرًا في يوليو 2013 وقت اعتصام رابعة. وصف يحيى اعتداء قوات اﻷمن على المتظاهرين بـ «مجزرة متكاملة اﻷركان». بعدها أصدرت وزارة الصحة بيانًا نفت فيه تحدث يحيى باسمها، وأعلنت اعتزامها مقاضاته لانتحاله صفة المتحدث باسمها.

أُصيب يحيى مرة خلال أحداث الحرس الجمهوري وأخرى أثناء عملية فض اعتصام رابعة. حدث تحول كبير في شخصية يحيى وقناعاته بعد النهاية الدموية لاعتصام الجماعة في أغسطس 2013. بحسب التقديرات الرسمية، قُتل 624 مدنيًا أثناء الفض. كغيره، انغرست المذبحة وتوابعها بداخله واختلف كل ما تلاها. «قُتل إخواني وأصدقائي أمام عيني في الحرس والمنصة ورابعة ورمسيس والسادس من أكتوبر»، يقول يحيى لـ«مدى مصر» في مقابلة إلكترونية.

بحلول هذا الوقت، تحولت جماعة اﻹخوان تدريجيًا من الاعتصامات والمسيرات المحلية إلى ما أطلقوا عليه «الحراك الثوري»، لكن أبعاد هذا الحراك لم تكن واضحة ولهذا خضعت للأهواء والتفسيرات الفردية. شهدت جماعة اﻹخوان في نقاشها الداخلي ارتباكًا حول طبيعة «الحراك» وحدوده. تشكلت لجنة ﻹدارة الجماعة بعد انتهاء فترة مكتب اﻹرشاد في ديسمبر 2013. 

يشرح مصدر داخل جماعة الإخوان -على معرفة بالتفاصيل التنظيمية خلال السنوات السابقة ويعيش خارج مصر- أن حدًا أدنى من العنف كان محل قبول بين مختلف قيادات اللجنة: فقط عنف الدفاع عن النفس.

لكن انسداد اﻷفق السياسي واستمرار عنف الدولة ضد فاعليات الجماعة دفع لاستمرار إعادة طرح السؤال حول درجة العنف المقبولة. بدأت خلافاتٌ تدب بين قيادة لجنة اﻹدارة حول الحدود المقبولة للعنف بحلول منتصف عام 2014. خلال الشهور التالية، تسبب الخلاف في صدع انتهى بانشطار الجماعة إلى كيانين.

بدأ تيار العنف داخل لجنة إدارة الجماعة بقيادة محمد كمال -عضو مكتب اﻹرشاد- في تبني العنف بشكل مؤسسي بحلول سبتمبر 2014. يقول المصدر المطلع إن كمال ومؤيديه بدأوا في استمالة بعض المكاتب اﻹدارية للجماعة في المحافظات المختلفة لرؤيتهم. تركزت دائرة نفوذهم في محافظات الفيوم وبني سويف والمنيا والجيزة واﻹسكندرية، مع درجات متفاوتة من التواصل والتأثير مع مكاتب أخرى. وبحلول 24 يناير 2015 -ليلة ذكرى الثورة الرابعة- أعلن تيار العنف داخل الجماعة تأسيس مجموعتين لتبني استراتيجية «المقاومة» الجديدة، هما لجنة العقاب الثوري، وجبهة المقاومة الشعبية.

«يحيى عقلية تنظيرية وتنظيمية كبيرة وكان شايف إن اﻹخوان هيضيعوهم» خلال هذا الصراع الداخلي من أجل السيطرة على الجماعة. دفعه هذا لتأسيس «تيار ثالث، خارج التنظيم وخارج حتى تيار كمال»، طبقًا للمصدر.

لكن يحيى موسى قرر الانفصال بمجموعة ثالثة، تتمايز تنظيميًا وحركيًا عن غيرها، طبقًا للمصدر. كان يرى أن الانخراط في «العمليات النوعية» بشكل مركزي في ظروف مماثلة سيكون استنزافًا لا جدوى منه، وربما وجد أنه سيسهل سقوط المسؤولين والمنفذين في يد الأمن المصري. شرح رؤيته لـ «مدى مصر»: «التوحد حول الأهداف، مع اللامركزية والتخصص في الإدارة والتنفيذ».

يوضح المصدر أن يحيى اعتمد بشكل أساسي على مجموعة طلاب جامعة اﻷزهر التي تولى مسؤوليتها التنظيمية في السابق. «عيال قلبها ميت»، بحسب وصفه. «يحيى عقلية تنظيرية وتنظيمية كبيرة وكان شايف إن اﻹخوان هيضيعوهم» خلال هذا الصراع الداخلي من أجل السيطرة على الجماعة. دفعه هذا لتأسيس «تيار ثالث، خارج التنظيم وخارج حتى تيار كمال»، طبقًا للمصدر.

العلاقة الملتبسة بين مجموعة يحيى موسى من ناحية وجبهة العنف داخل الجماعة بقيادة محمد كمال من ناحية أخرى لم تظهر بوضوح إلا في أعقاب نجاح عملية اغتيال النائب العام هشام بركات. في نفس يوم تنفيذ العملية وبعد أن وجهت أجهزة الدولة أصابع الاتهام لجماعة الإخوان أصدرت جبهة كمال -على لسان متحدثها الرسمي في ذلك الوقت محمد منتصر- بيانًا شددت فيه على «رفضها القتل» وقالت إن مسؤولية الحادث تقع على عاتق «السلطة الحاكمة لأنها أسست للعنف وحولت الساحة المصرية من تجربة ديمقراطية واعدة إلى ساحات قتل جماعي وعنف ودماء» واعتبرت أنه «لا سبيل لوقف الدماء إلا بكسر الانقلاب العسكري والتمكين للثورة».

ليس واضحًا ما إذا كان يحيى موسى قد خطط ونفذ عملية الاغتيال الأهم من وراء ظهر الجماعة بما في ذلك جبهة العنف بقيادة كمال، أم أن تلك الجبهة علمت بمسؤولية يحيى ومجموعته عن تنفيذ العملية ولكنها أرادت النأي بنفسها عنها.

بالنسبة لهم، هم جزء من تيار العنف داخل الجماعة بقيادة محمد كمال. حين تسأل النيابة محمد اﻷحمدي عن قيادة الجماعة، يشرح أن القيادات بعد الانقلاب العسكري كانت سرية. «لكن المعروف في الجماعة إن الدكتور محمد كمال هو المسؤول عن لجنة العمليات النوعية على مستوى الجمهورية»، يقول محمد.

يضيف أن تكليفات العمل النوعي كانت تأتي بطريقة تنظيمية معتادة في المرحلة اﻷولى بعد الانقلاب. يستدرك: «في الفترة اﻷخيرة مكنش واضح التكليفات بتيجي منين».

شقيقه محمود الأحمدي، بالمثل، لم يكتشف أنه عضو في مجموعة يتولى يحيى مسؤوليتها إلا بعد أن عاد من فترة تدريبه في غزة، حسب أقواله.

يحيى موسى .. منفردا

كان يحيى قد بدأ في الاتصال بالكوادر وتجميعها في صيف 2014. سيعمل بهم منفردًا، ويديرهم من تركيا، حيث استقر بعد مغادرة مصر قبلها ببضعة أشهر. التنسيق مع المجموعات المماثلة داخل تيار العنف في الجماعة متاح، لكنه لم يخاطر باندماج تنظيمي. يتذكر محمود في أقواله أمام النيابة أن يحيى أرسل له خبرًا عن عملية تفجير أتوبيس مجندين في محافظة البحيرة في أغسطس 2015 (أسفر عن مقتل مجندين اثنين وإصابة 34 آخرين). استُخدمت في العملية عبوة ناسفة صنعها محمود. كان يحيى حريصًا على توضيح الفارق التنظيمي: «يحيى موسى قال لي إن اللي نفذها مجموعة زينا بتشتغل نوعي لكن مش المجموعة بتاعتنا»، يقول محمود. بعد يومين، قرأ أن مجموعة العقاب الثوري أعلنت مسؤوليتها عنها.

****

تشير أقوال المتهمين إلى أن محاولات يحيى بدأت في التحول إلى تنظيم في غضون شهر فبراير 2015. تخصصت لجان العمل: هناك مجموعة تصنيع العبوات المتفجرة، ومجموعة الرصد وجمع المعلومات، وأخرى لتقييم الرصد، إضافة إلى مجموعة الدعم اللوجيستي. تعمل هذه المجموعات بشكل مركزي، وتشكل معًا لجنة المهام الخاصة، من بينها كان اغتيال النائب العام.

إلى جانبها، تشكلت لجان جغرافية فرعية، تتفاوت في حجمها وقدرتها على النشاط. مجموعات في الفيوم والمنيا وبني سويف إلى جانب مجموعتي الشرقية والقاهرة.

ولأن يحيى لم يكن قيادة بارزة في الإخوان قبل أن يغادر مصر، فقد اعتمد فيما يبدو على دائرة معارفه المباشرة: محمد الأحمدي طبيب بشري وزميل دراسة سابق. ضابط الجيش المتقاعد ياسر عرفات هو زوج بسمة رفعت الطبيبة البشرية وزميلته في العمل. محمود الأحمدي وأبو القاسم الأزهري وأحمد محروس (الذي أعد دائرة التفجير الكهربية) من طلاب جامعة الأزهر الذين تولى تنظيمهم في السابق. وهكذا.

يلاحظ المصدر المطلع أن اعتماد يحيى موسى على طلاب جامعة اﻷزهر سهل له التمدد في نطاقات جغرافية أوسع. يأتي الطلاب إلى القاهرة للدراسة لكنهم يعودون إلى المحافظات المختلفة التي جاءوا منها. معظمهم تضرر بطريقة مباشرة أو غير مباشرة من العنف الرهيب خلال فض الاعتصام.

تعطي الاعترافات لمحة عن الهيكل التنظيمي. تتمثل القيادة في يحيى موسى. يعمل تحته شخص اسمه الحركي «فوكس»، لم يقابله أحد، ولم يُعرف اسمه الحقيقي.

إلى جانبها، يتفرع من القيادة عشرة خطوط تتوزع على خمسة قطاعات جغرافية. يحتوي كل خط على ثلاث مجموعات، في كل منها خمسة أفراد. «نظام عنقودي»، بحسب وصف عدد من المتهمين. لكل مجموعة مسؤول يتواصل بشكل مركزي عبر يحيى نفسه. كل الرسائل مشفرة، ولا يعرفون بعضهم البعض. يتبادلون كلمات سر حين يتقابلون للمرة اﻷولى. وفي حالة القبض على أحدهم، يُنصح بتحمل التعذيب لمدة 48 ساعة حتى يتمكن رفاق مجموعته من الهروب.

اعتبار السرية كان محوريًا بالنسبة ليحيى. بالغ في الحرص لدرجة عدم إعلانه تبني أي عملية قاموا بها. ربما لهذا لم يضطر -وقتها- لاختيار اسم يطلقه على التنظيم.

في إحدى المرات، أثار هذا التكتم شقيق زوجة يحيى، أحد أفراد التنظيم. أبدى ليحيى استغرابه: «احنا ما لناش أي ظهور في الواقع العملي وما بنعملش أي عمليات بخلاف واقعة أبو كبير اللي فشلت». اضطر يحيى ﻹخباره أنهم نفذوا عدة عمليات من بينها اغتيال النائب العام. كان شقيق زوجته قد شارك فعليًا في تحضيرات العملية قبل بضعة أشهر، حين استأجر -وفق الرواية الواردة بأوراق القضية- مزرعة ناهيا التي صنع فيها محمود مواد العبوة الناسفة.

في مقابلته مع «مدى مصر»، ينفي يحيى موسى صلته باغتيال النائب العام. «كنت فى تركيا يوم مقتله، فلا يُتصور أن أشارك فيه». من قتله؟ «هذا الرجل كان عليه ثأر لأكثر من 2000 أسرة مصرية قُتل أحد أبنائها بالقتل أو الحرق أو الإعدام أو التعذيب»، يقول يحيى، «وقد نالوا ثأرهم منه».

هل كان قتله مشروعًا إذن؟ يقول: «إن لم يكن لمثل هذا القصاص مشروعية فليس هناك مشروعية لشيء على هذه الأرض». يتمنى -ويتوقع- أن «يلقى جميع المشاركين في القتل والدماء مصائر مشابهة».

****

مع بداية العمل في الشهور اﻷولى من 2015، بدأ التنظيم تطوير إطار شرعي وفكري لنشاطه. التبرير الشرعي لطبيعة العنف الجديدة اسمه «دفع الصائل»، ويُقصد به الحق في رد العدوان على المعتدي بالمثل. تمثل هذه الفكرة حجر أساس لكل لجان العمليات النوعية لتبرير قيامها بعمليات قتل. بعد القبض عليه وخلال التحقيقات معه، حرص محمد الأحمدي على التأكيد على أن أعمال العنف لا تمثل منهج جماعة اﻹخوان: فقط لفترة مؤقتة سيرجع بعدها كل شيء كما كان.

لكن يحيى موسى يستخدم خطابًا سياسيًا -وليس دينيًا- في تحليله للموقف. يقول لـ «مدى مصر» إن كافة أجهزة الدولة فقدت شرعيتها الدستورية والقانونية منذ «خطف رئيس جمهورية منتخب» -محمد مرسي- في 3 يوليو 2013. يمتد الخط على استقامته: بالنسبة إليه «صار حقًا للشعب أن يسترد سيادته وإرادته المهدرة وإزاحة ورد أي معتدي يمنعه من ذلك»، وأصبحت «القوة مشروعة بكافة أشكالها».

لكن يحيى لا يكتفي بحل السؤال الأخلاقي فيما يتعلق بمشروعية العنف (يسميه قوة). هناك أيضًا سؤال سياسي. لهذا، وعلى الرغم من «المشروعية»، إلا أن «تقدير وقت وكيفية وحجم» استخدام هذا العنف يخضع لقراءة المشهد السياسي وتقديراته، بحسب رؤيته.

وسط هذا التحليل، لا أهمية لسؤال كُفر الحاكم أو إسلامه كما يفكر فيه أنصار النشاط الإسلامي المسلح تقليديًا. بحسب أقوال محمد اﻷحمدي خلال التحقيقات معه، «لما نستهدف شخص بنستهدفه عن أفعاله وليس عقيدته». المهم أن «يكون فيه أدلة على الشخص [المستهدف] إنه قتل أو إنه يكون اشترك في فض رابعة»، يقول محمد. كان هذا هو إطار عملهم.

أكّد محمد على هذا ﻷن مجموعة كبيرة من الشباب الغاضب «بدأت تكفَّر رجال الشرطة». لهذا حرص متهم آخر على التوضيح: «أنا مش زي داعش». وتداولوا بينهم كتيبًا اسمه «شبهات تنظيم الدولة اﻹسلامية وأنصاره والرد عليها» للمساعدة على رسم هذا الخط.

لم يتهم أي منهم النظام الحاكم بالكفر حين سُئلوا عن دوافع تورطهم. فقط قالوا إن النائب العام هو من أصدر قرار فض الاعتصام. على اﻷقل كان هذا هو ما سمعوه من مكبرات الصوت بينما تقوم قوات اﻷمن بالفض. هذا السبب كافٍ بالنسبة لهم كي يستحق القتل. بحسب تعبير يحيى لـ «مدى مصر»: «قتلُ الهالك المقبور [هشام بركات] بنفس واحدة من آلاف الأنفس التي شارك في قتلها».

لكن الانتقام لم يكن دافعًا وحيدًا. طبقًا لرؤية محمد خلال التحقيقات، فإن الغاية اﻷكبر هي «إسقاط الانقلاب العسكري وعودة الشرعية، أو الوصول [بالبلاد] إلى وضع متردي». لذا فإن النجاح في استهداف أحد أهم رموز الدولة المصرية في قلب العاصمة إنجاز كبير على طريق تحقيق الهدف.

لديهم تصور بسيط عن طريقة عمل الدولة والمجتمع. على سبيل المثال، يتخيل أحد المتهمين أن «الجيش مثلًا لو قُتل منهم خمسين واحد من القيادات بتاعته الموضوع هينتهي ﻹن احنا -كشعب- بنصقف للقوي». يؤكد في أقواله إن «الجيش مجرد إنه يشوف قياداته اتقتلت هيعرف إن احنا أقوياء وهيخاف مننا ويعمل حسابنا».

تمتلئ الفجوات الذهنية بافتراضات نظرية حول طبيعة المقاومة المسلحة تسطرها كتب وأوراق تنظيمية مختلفة. «حرب العصابات» تثير الخيال. بحسب أوراق تم ضبطها، تنقسم حرب العصابات إلى ثلاث مراحل. اﻷولى هي مرحلة الاستنزاف أو الدفاع الاستراتيجي. الثانية هي مرحلة التوازن الاستراتيجي النسبي أو «سياسة

تعليقات


الطقس
القاهرة مصر
20.4°C
توقعات الساعات القادمة
20.4°C
23.0°C
25.5°C
27.5°C
29.2°C
30.4°C
إقرأ أيضا
هاكان فيدان يشيد بموقف مصر المسؤول عقب استهداف سفينتي طاقة في دمياط

ثمن وزير الخارجية التركي هاكان فيدان، الموقف المصري المتزن والمسؤول الذي اتخذته مصر عقب الهجوم...

نبيل فهمي يبحث أمين عام مجلس التعاون الخليجي تطورات القضايا العربية والإقليمية

استقبل نبيل فهمي، الأمين العام لجامعة الدول العربية، اليوم الخميس، جاسم محمد البديوي، الأمين العام ل...

رئيس حزب الوفد يوجّه بالاستعانة بالكوادر القبطية والشباب في تشكيلات الحزب بالمحافظات

وجّه الدكتور السيد البدوي شحاتة رئيس حزب الوفد دعوة عاجلة لجميع الأعضاء واللجان المكلفة بتشكيل اللجا...

نقيب الإعلاميين: ملتزمون بميثاق الشرف الإعلامي وبقرار المحكمة بحظر النشر في قضية التجمع الخامس

أصدرت نقابة الإعلاميين، برئاسة الإعلامي الدكتور طارق سعده، نقيب الإعلاميين، بيانًا بشأن الخطاب الوار...

الاكثر قراءة
ميتشو: غياب شيكابالا عن مواجهة بطل السنغال مؤثر للغاية

 كشف الصربي ميتشو المدير الفني لفريق الكرة الأول بنادي الزمالك عن أنه لا يشعر بأي ضغوط قبل مواج...

مقاول يوهم المسؤولين في قنا بالتبرع لإعادة بناء 3 مدارس ثم يهرب بعد هدمها والاستيلاء على مخلفاتها

شهدت مدينة نجع حمادى بشمال قنا واقعة غريبة، كشفتها تقارير رقابية، حيث تعرضت مديرية التربيه والتعليم...

حكم الإفرازات البيضاء التي يميل لونها إلى الصفرة

السؤال:كنت قد سألتكم منذ مدة طويلة عن هذا الموضوع، والآن أسال في نفس الموضوع، ولكن بعد بحث طويل فيه...

زهايمر!

هل يمكن أن نضيف شيئاً ؟ .. فتح ، حماس ، فتح الإسلام .. يسار ، يمين .. ديمقراطية ، عسكرتارية ، أوتوقر...

أسعار الذهب اليوم

السعر بالجنيه المصري

عيار 24
6,994ج.م
عيار 21
6,120ج.م
عيار 18
5,246ج.م
الجنيه الذهب
48,960ج.م
عرض جميع الأسعار

تابعونا


جارٍ التحميل...