ذكريات رمضانية من قلب الحلمية الجديدة
بين أزقة الحلمية الجديدة، حيث تتنفس الجدران تاريخًا وتفوح الشوارع بعبق الأصالة، نبتت طفولتنا. لم تكن مجرد منطقة سكنية، بل كانت مسرحًا للتاريخ وحكاياته التي سُطرت على جدران هذا الحي العريق، الذي تتلاحم فيه الكثير من الأزمنة والدول والممالك التي مرت على قاهرة المعز. عشنا في هذا الحي أجمل سهرات العمر، خاصة في ليالي رمضان وما تحمله من طقوس خاصة لم تقتصر على العبادة فحسب، بل كانت صلاةً في محراب المحبة والجيرة الطيبة.
أضواء الشمع وبركة "القرش صاغ"
لا يزال ملمس الفانوس الزجاجي الملون عالقًا في كفي؛ ذاك الفانوس الذي كان يحضره لي والدي — أطال الله في عمره — بألوانه المبهجة، والذي لم يعرف البطاريات أو الأغاني المسجلة، بل كان يحيا بقلبٍ من "شمع". كنا ننتظر بلهفة تلك اللحظة التي نشتري فيها علبة الشمع الملون بـ "خمسة تعريفة" (قرشين ونصف)، لننطلق بعد الإفطار كجيوش من الضوء الصغيرة، نجوب الشوارع المحيطة بالمنزل، نتبادل الضحكات تحت ظلال الفوانيس التي تتراقص نيرانها مع أنفاسنا المتحمسة.
وفي نهاية السهرة، يأتي مشهد "كوب الألومنيوم" الشهير، حين نذهب لابتياع الفول للسحور بقرشين أو ثلاثة على الأكثر. أما "بائع اللبن"، فكان ضيفنا اليومي الموقر؛ يمر علينا ليبادلنا الأواني الفخارية، يأخذ منا "الفوارغ" ويترك لنا زبادي طازجًا يفيض بالخير، كل ذلك مقابل "قرش صاغ" واحد، في زمنٍ كان فيه القرش يشتري بركة لا تنتهي.
طبلة المسحراتي.. حين ينطق الليل بأسمائنا
وكان المسحراتي واحدًا من أجمل ملامح ليالينا، صوتًا مألوفًا ينتظره الصغار قبل الكبار. كنا نرهف السمع لدقات طبلته وهي تقترب شيئًا فشيئًا، وما إن يصل أسفل البيت حتى تفتح أمي الشباك وتلقي له قرشًا أو اثنين مكافأة صغيرة، فيبادلها بصوتٍ جهوري وهو يردد: «اصحى يا نايم… وحد الدايم… اصحى يا فلان»، ويذكر أسماءنا واحدًا تلو الآخر.
كانت تلك اللحظة تمنحنا سعادة لا توصف، فنظل في اليوم التالي نتباهى أمام أقراننا بأن المسحراتي ذكر أسماءنا تحديدًا، وكأننا نلنا وسامًا من جوف الليل. وفي صباح العيد، كان يطرق الأبواب ثانيةً ليأخذ عيديته مع طبق "الكعك والبسكويت" الذي كانت أمي تحرص على رصه بعناية، ليمضي شاكرًا، تاركًا وراءه شعورًا دافئًا بأن رمضان لم يكن مجرد أيام، بل حكاية محبة تربط القلوب ببعضها.
سمفونية الكعك وصبر "أم عزة"
وحين ينتصف الشهر، تتبدل رائحة البخور برائحة السمن والدقيق؛ فلم نكن نعرف "الجاهز"، وكل بيت كان قلعة لصناعة الفرح. تجتمع السيدات والجارات لصناعته، وفي منزلنا كانت تجتمع أمي وزوجات أعمامي — رحمة الله عليهم جميعًا — حيث كنا نسكن في نفس المنزل، يتجمعن حول "الطبلية" في حلقة دائرية تضج بالثرثرة الودودة ونقش الكعك اليدوي، أو تدوير ماكينة البسكويت ورصها في "الصاجات".
وكان دوري أنا وبنات عمي هو الدور "اللوجستي" الأهم؛ كنا سفراء الفرح إلى "الفرن الإفرنجي"، نركض لنحضر الفران "عم عبده" ليأخذ الصاجات ويخبزها، ثم ننتظر عودتها بلهفة لنفوز بأول قطعة ساخنة تذوب في الفم.
أما ملابس العيد، فكانت قصة تُحاك بالصبر عند الخياطة خالتي "أم عزة"؛ تلك السيدة الطيبة التي كانت تمتاز بروح طويلة وهدوء يستفز طفولتنا المستعجلة. كنا نذهب إليها أنا وبنات عمي شبه يوميًا لنستعجلها، وفي ليلة العيد، كان الأمر يصل إلى حد المبيت في بيتها وسط جبال الأقمشة، لا نتركها إلا والفستان في أيدينا مع خيوط الفجر الأولى، لنتسابق مع الوقت لننام ساعة أو ساعتين ثم نستيقظ لارتداء أحلامنا الجديدة.
جغرافيا السعادة.. من القلعة إلى "آخر ساعة"
كنت محظوظة حقًا، فمنزلي في الحلمية الجديدة جعلني ابنة التاريخ. كانت فسحتنا "القوية" في أيام العيد، وبعد امتلاك عشرات القروش من العيدية التي نحصل عليها من أبي وأعمامي وجدتي الطيبة، تبدأ من المنطقة السحرية بين مسجدي السلطان حسن والرفاعي، نصعد السلالم الحجرية العالية وننزلها كأننا نمسك بالسماء.
أما الذروة، فكانت السير حتى ميدان باب الخلق، والجلوس في كافيتريا "آخر ساعة" لنشرب العصير أو نأكل قطعة جاتوه؛ وهناك كانت تُنفق "العيدية" بقداسة تليق بصبر شهر كامل. عشت في الحلمية، والمغربلين، والغورية، وشارع المعز، والقلعة، والسيدة زينب، والحسين.. عشت سهراتٍ لا تنطفئ، وطقوسًا لا تموت. اليوم، أعيش على تلك الذكريات؛ فهي الزاد الذي يمنح الحاضر طعمًا، وهي الونس الذي لا يغيب.
ربما تغيّر الزمن، وتبدّلت العادات، لكن تلك الليالي الرمضانية القديمة ما زالت تضيء قلبي مثل فانوس زجاجي صغير، تحرس شمعته الدافئة حكايات الطفولة التي لا تنطفئ أبدًا.
----------------------------------
بقلم: سحر الببلاوي
الطقس
إقرأ أيضا
هاكان فيدان يشيد بموقف مصر المسؤول عقب استهداف سفينتي طاقة في دمياط
ثمن وزير الخارجية التركي هاكان فيدان، الموقف المصري المتزن والمسؤول الذي اتخذته مصر عقب الهجوم...
نبيل فهمي يبحث أمين عام مجلس التعاون الخليجي تطورات القضايا العربية والإقليمية
استقبل نبيل فهمي، الأمين العام لجامعة الدول العربية، اليوم الخميس، جاسم محمد البديوي، الأمين العام ل...
رئيس حزب الوفد يوجّه بالاستعانة بالكوادر القبطية والشباب في تشكيلات الحزب بالمحافظات
وجّه الدكتور السيد البدوي شحاتة رئيس حزب الوفد دعوة عاجلة لجميع الأعضاء واللجان المكلفة بتشكيل اللجا...
نقيب الإعلاميين: ملتزمون بميثاق الشرف الإعلامي وبقرار المحكمة بحظر النشر في قضية التجمع الخامس
أصدرت نقابة الإعلاميين، برئاسة الإعلامي الدكتور طارق سعده، نقيب الإعلاميين، بيانًا بشأن الخطاب الوار...
الاكثر قراءة
البابا تواضروس يحاول تقبيل يد الأنبا أمونيوس ورد اعتباره بعد 19 عاما من النفي
خمسة أساقفة و7 قساوسة بالأقصر ورجل اعمال شهير ورأء قرار أسبتعاده وأسقف شهير:"علي جثتي عودة الأنبا أم...
بالفيديو .. د. فادي نصر يشرح الجدول الزمني للإجراءات التجميلية
شرح الدكتور فادي نصر، مدير مركز غلامور الطبي بالرياض، الجدول الزمني للإجراءات التجميلية. حيث أكد أن...
رسالة مفتوحة إلى فخامة الرئيس
سيدي الرئيس: "إنَّ الوصيةَ لو تُرِكَتْ لفضلِ أدبٍ، تُرِكَتْ لذلك منكم"، وإنَّ النصيحة لو ح...
ميتشو: غياب شيكابالا عن مواجهة بطل السنغال مؤثر للغاية
كشف الصربي ميتشو المدير الفني لفريق الكرة الأول بنادي الزمالك عن أنه لا يشعر بأي ضغوط قبل مواج...
أسعار الذهب اليوم
السعر بالجنيه المصري