الجمعة، 06 نوفمبر 2026 القاهرة 18.4°C
رئيس التحرير مجدي شندي
دراما السودان

دراما السودان

بعد مرور عامين على نشوب ثورة السودان الأخيرة فى 19 ديسمبر 2018 ، فلا صوت يعلو على صوت أزمات الاقتصاد الخانقة فى الخرطوم ، وهو ما يدفع الحكم الانتقالى القائم إلى نشر انطباع بأنه حقق إنجازا مدويا ، حين أصدرت حكومة واشنطن قرارها قبل أيام ، ورفعت اسم السودان رسميا من القائمة الأمريكية للدول الراعية للإرهاب ، وهو ما قد يسمح بإعادة دمج السودان فى النظام المالى العالمى ، وجذب تحويلات ملايين السودانيين بالخارج إلى البنوك ، وجلب الاستثمارات الأجنبية ، وتحسين الوضع البالغ التدهور ، إضافة لبعض المعونات الأمريكية العينية والمالية ، ربما كمكافأة على اتفاق تطبيع عقد أخيرا بين السودان وكيان الاحتلال الإسرائيلى .

وربما انطوت أفراح الحكام السودانيين ، سواء فى المجلس السيادى برئاسة الجنرال عبد الفتاح البرهان ، أو فى الحكومة المدنية برئاسة عبد الله حمدوك ، ربما انطوت على مبالغات فى تقدير وزن وأثر القرار الأمريكى ، فإدارة ترامب التى صنعت صفقة المقايضة ، ذاهبة مع الريح فى 20 يناير المقبل ، موعد تنصيب الرئيس الأمريكى الجديد جو بايدن ، ولا تزال المعلقات باقيات فى علاقة الخرطوم بواشنطن ، حتى فى المسألة المتصلة بتداعيات وادعاءات الإرهاب ، فلم تعط الحصانة كاملة بعد لإدارة السودان الجديدة من الملاحقات ، ولا تزال دعاوى قضائية أمريكية منظورة ضد السودان ، برغم دفعه لتعويضات بلغت 335 مليون دولار ، يعتبرها المدعون الأمريكيون غير كافية ، مقابل إنهاء اتهام السودان بالتورط فى تفجيرات إرهابية بأفريقيا عام 1998 ، بل جرت إضافة قضايا جزافية غير مسبوقة ، تتهم السودان أمام المحاكم الأمريكية بالتورط فى تفجيرات 11 سبتمبر عام 2001 ، وتطالبه بدفع 4 مليارات دولار تعويضات للأسر الأمريكية المتضررة ، استنادا إلى " تشريع جاستا" الأمريكى ، الذى يتيح فرصا قضائية لاتهام السودان إلى جوار السعودية وإيران .

وبافتراض إمكانية التوصل لحلول وسطى ، من نوع اقتراح ترامب الذاهبة أيامه ، خفض مبالغ التعويضات المطلوبة من السودان إلى 800 مليون دولار ، وهو ما لا يستطيع السودان توفيره بسهولة ، فوق كونه استمرارا لمسلسل الابتزاز الأمريكى ، يتواضع بمنسوب أحلام حكام السودان الحاليين ، الذين يريدون فتح الباب لإعفاء السودان كليا أو جزئيا من ديونه الخارجية البالغة 60 مليار دولار ، هى بعض تركة ثلاثين سنة من حكم المخلوع عمر البشير ، أورثت السودان انفصالا لجنوبه ، وفقدانا لنحو ثلاثة أرباع حقوله البترولية ، وخسارة لعوائدها بالعملة الصعبة ، وانهيارا فى قيمة الجنيه السودانى ، الذى تدنى إلى أكثر من 260 جنيها مقابل الدولار الواحد ، مع شلل شبه كامل فى نظام الخدمات الأساسية ، وعجز متفاقم عن توفير الاحتياجات اليومية الضرورية كالخبز والوقود ، وارتفاع  فلكى فى الأسعار ، وصل بمعدلات التضخم إلى ما يزيد سنويا على 250% .

وقد يؤدى قرار رفع اسم السودان من قائمة الإرهاب إلى انفراج محدود ، لا يخفى الطابع الابتزازى للقرار الأمريكى ، وكونه مصمما لتحقيق أهداف أخرى ، تريد جر السودان إلى دائرة النفوذ الإسرائيلى المتسع بالمنطقة ، فاتفاق التطبيع يبدو عاما وأوليا إلى الآن ، فلم يتم تبادل علاقات دبلوماسية كاملة بين الخرطوم وتل أبيب إلى اليوم ، ولا يزال الاتفاق نفسه بانتظار اختبار جدى ، حين يجرى عرضه على "مجلس التشريع الانتقالى"  ، الذى جرى الاتفاق على تكوينه فى الوثيقة الدستورية الحاكمة ، وكان مقررا تشكيله قبل نهاية عام 2019 ، ومن 300 عضوا ، تحوز "قوى الحرية والتغيير" ـ قائدة الثورة ـ على أكثر من ثلثيه ، ويحرم من عضويته حزب البشير المخلوع ، وحلفاء البشير من "الكيزان" بحسب التعبير السودانى الدارج ، فى إشارة إلى جماعة الإخوان وأخواتها ، وهو تصور لم يتم تنفيذه بعد ، فمحاكمات البشير لم تنته ، ولا يزال الخلاف ظاهرا حول تسليمه لمحكمة الجنايات الدولية ، وهو ما يصر عليه قادة الحركات المسلحة الخمس ، الذين وقعوا اتفاق سلام "جوبا" مع حكام الخرطوم ، ناهيك عن حركتى "عبد العزيز الحلو" و"عبد الواحد نور" وغيرهم ، الذين لم ينضموا بعد إلى اتفاق السلام ، ولا يكتفون بإجراءات توزيع السلطة والثروة المتوافق عليها ، وكل هؤلاء يريدون طبعا مشاركة بنصيب الربع على الأقل فى المجلس التشريعى الانتقالى ، إضافة لمطالب المشاركة بنسبة أكبر فى الحكومة ، وهو ما دفع البرهان إلى تشكيل ما أسماه "مجلس شركاء المرحلة الانتقالية" ، الذى يضم ممثلين للحركات المسلحة الشريكة فى اتفاق السلام ، فيما بدا أن حكومة حمدوك تعارضه ، بدعوى عدم النص عليه فى الوثيقة الدستورية ، وسط خلافات متصاعدة بين أطراف جبهة "قوى الحرية والتغيير" ، وانسلاخ بعضها ، مع انشطارات وانشقاقات متوالية فى "تجمع المهنيين" ، دينامو الحركة الأساسى فى شهور الثورة ، وكلها عقبات تعطل عملية تشكيل مجلس التشريع ، فى مرحلة الانتقال الممتدة حسب الوثيقة الدستورية إلى نهايات عام 2022 ، المقرر أن تجرى عندها انتخابات عامة ، تقود كما هو مفترض إلى "دولة برلمانية تعددية لا مركزية" بحسب نص وثيقة الاتفاق بين العسكريين والمدنيين شركاء الثورة الأخيرة .

وبالطبع ، فلا أحد يجادل فى الحيوية السياسية الهائلة للشعب السودانى ، وقد تعددت ثوراته منذ استقلال السودان أول يناير 1956 ، واستطاع خلع ثلاث نظم حكم عسكرية قمعية ، بثورات 1964 و1985 و2019 ، لكن فترات الحكم المدنى بعد الثورات كانت قصيرة العمر ، سنتان قبل انقلاب إبراهيم عبود ، وخمس سنوات بين حكمى الجنرالين عبود و جعفرالنميرى ، وأربع سنوات بالكاد قبل حكم الجنرال البشير ، مدعوما بإخوان حسن الترابى ، بينما كانت أغلب سنوات السودان المستقل الخمس والستين تحت حكم الجنرالات ، مع عدم وجود فوارق ايجاب ظاهرة لصالح نظام بعينه ، ومع آلام لم تتوقف طوال الوقت فى حروب أهلية شرسة ، بلغت ذروة اتساعها وضراوتها  فى سنوات البشير الثلاثين ، وراح ضحيتها الملايين قتلا وتشريدا ، فيما بدا كوباء متصل مهلك ، قد ينتهى بالشروع فى اتفاقات سلام أخيرة ، لم تكتمل بعد ، ومن دون الوصول لجواب نهائى عن صيغة الحكم الأمثل للسودان ، البلد فائض الغنى بموارده الطبيعية ، وفائض البؤس بأقداره السياسية ، فما من بلد فى المنطقة ، أغنى بموارده من السودان ، الذى كان الأكبر مساحة عربيا وأفريقيا ، قبل ضياع ربعه بانفصال الجنوب ، ثم صار فى المركز الثالث من حيث المساحة ، بعد الجزائر والكونغو الديمقراطية أفريقيا ، وبعد الجزائر والسعودية عربيا ، وصارت مساحته أكثر من مليون و 800 ألف كيلومتر مربع ، وبعدد سكان معقول يجاوزالثلاثة والأربعين مليونا ، لديهم موارد مياه النيل والأمطار الموسمية الكثيفة ، ومخزون وافر من البترول والذهب والمعادن النفيسة ، وإطلالة كبرى على البحر الأحمر ، وجوار ممتد لسبع دول ، وكل ذلك وغيره ، جعل السودان مطمعا لآخرين ، شاركوا بنشاط  فى إشعال حروبه الداخلية المدمرة ، ومن وراء دعاوى التناقض بين عناصر "العروبة"  و" الزنوجة" ، برغم أن أغلب أهل السودان يدينون بالإسلام ، وبين الإسلام والتعريب صلات "عروة وثقى" ، عملت أطراف خارجية على تفكيكها ، وساعدتها أطراف داخلية ، أثقلت التسامح والتنوع السودانى بتشدد طبعات وخطابات وتفاسير صحراوية وسياسية للإسلام ، جرى التخفف منها جزئيا بعد الثورة الأخيرة ، لكن مشهد الختام لم يستقر بعد ، برغم التوافق المتعثر على حكم انتقالى عسكرى ومدنى معا ، ربما من غير ضمان لدوام الانسجام ، ولا وصوله المأمون إلى غايته ، فقد تكون "اللامركزية" المتوافق عليها من الحلول المناسبة لحكم السودان ، لكن التخوف يظل قائما من المصائر "الفيدرالية" الواردة ، وتجاربها المؤلمة عربيا وأفريقيا ، فقد كانت أسهل وصفة لإضعاف وإفناء الدول ، وعلى نحو ما جرى للعراق ، وما جرى ويجرى فى أثيوبيا المجاورة للسودان ، والمرشحة لنهايات التفكيك اليوغسلافى ، وما لم تتوازن أى "فيدرالية" قامت أو تقوم فى السودان ، مع سلطة اتحادية مركزية قوية جامعة ، قد يكفلها النظام الرئاسى أكثر من البرلمانى ، ما لم يكن التوازن الدقيق ممكنا ، سواء بحكم مدنى أو عسكرى أو مختلط ، مع تفضيل الحكم الديمقراطى طبعا ، ما لم يحدث التوازن المحكم ، فربما يعود السودان إلى مرابع التيه والعجز من جديد ، وتكرار الخيبات التى لا تنتهى ، والفشل المزمن فى تنمية البلد فائق الثراء بموارده الأولية ، فليست القصة فى إعادة دمج السودان بالنظام المالى الدولى ، ولا فى معونات تأتى وتتبخر ، ولا فى صلاح وأمان نسبى بالتعددية الضامنة للتنوع ، بل أصل القصة فى توفير حكم قوى وديمقراطى معا ، يبلور شخصية وطنية أكثر تجانسا ، ويقود عملية تنمية زراعية وصناعية كبرى ، تنهى دراما البؤس والعوز متكرر الحلقات ، وتحول السودان إلى بلد غنى ومتطور كما يستحق .
---------------------------
بقلم: عبد الحليم قنديل
[email protected]

استمع إلى المقال حوّل المقال إلى تجربة صوتية
مدة القراءة08:41
تعليقات


الطقس
القاهرة مصر
17.7°C
توقعات الساعات القادمة
17.7°C
17.1°C
16.6°C
16.3°C
16.1°C
16.3°C
إقرأ أيضا
هاكان فيدان يشيد بموقف مصر المسؤول عقب استهداف سفينتي طاقة في دمياط

ثمن وزير الخارجية التركي هاكان فيدان، الموقف المصري المتزن والمسؤول الذي اتخذته مصر عقب الهجوم...

نبيل فهمي يبحث أمين عام مجلس التعاون الخليجي تطورات القضايا العربية والإقليمية

استقبل نبيل فهمي، الأمين العام لجامعة الدول العربية، اليوم الخميس، جاسم محمد البديوي، الأمين العام ل...

رئيس حزب الوفد يوجّه بالاستعانة بالكوادر القبطية والشباب في تشكيلات الحزب بالمحافظات

وجّه الدكتور السيد البدوي شحاتة رئيس حزب الوفد دعوة عاجلة لجميع الأعضاء واللجان المكلفة بتشكيل اللجا...

نقيب الإعلاميين: ملتزمون بميثاق الشرف الإعلامي وبقرار المحكمة بحظر النشر في قضية التجمع الخامس

أصدرت نقابة الإعلاميين، برئاسة الإعلامي الدكتور طارق سعده، نقيب الإعلاميين، بيانًا بشأن الخطاب الوار...

الاكثر قراءة
حوار مع رضا المكي "المنظر والمنظم": إعادة اكتشاف الرئيس قيس سعيد

هذه أسرار نجاح قيس سعيد يرويها زميل دراسته أقرب معاونيه خلال حملته الانتخابيةيضع رفض برلمان تونس الل...

زهايمر!

هل يمكن أن نضيف شيئاً ؟ .. فتح ، حماس ، فتح الإسلام .. يسار ، يمين .. ديمقراطية ، عسكرتارية ، أوتوقر...

البحث عن «أمل» في "جمهورية الخوف"

لم يخطر ببال الشاعر الراحل سيد حجاب عندما صاغ ديباجة دستور 2014، أن مجرد التفكير في المشاركة السياسي...

د. فادي نصر: هذه طرق الوقاية من أضرار الشمس

أكد الدكتور فادي نصر أن هناك طرقا للوقاية من أضرار الشمس ومنها اسمرار البشرة وحروق الجلد وكذلك سرطان...

أسعار الذهب اليوم

السعر بالجنيه المصري

عيار 24
7,074ج.م
عيار 21
6,190ج.م
عيار 18
5,306ج.م
الجنيه الذهب
49,520ج.م
عرض جميع الأسعار

تابعونا


جارٍ التحميل...