حين يحكم النفوذ وتسقط المؤسسات
ليست كل الهزائم تبدأ على الجبهة، بعضُها يولد بهدوء داخل الغرف المغلقة، حين تتآكل فكرة الدولة لصالح مراكز نفوذ لا تخضع إلا لذاتها. هكذا تخبرنا تجربة مارس 1962، لا كتجربة بعيدة، بل كإنذار لا يزال صالحًا لكل زمن. ما بدا آنذاك خلافًا بين الزعيم جمال عبد الناصر وعبد الحكيم عامر، كان في حقيقته اختبارًا لقدرة الدولة على فرض منطقها على مؤسساتها، أو الاستسلام لمنطق المصالح المتشابكة داخلها.
حين حاول الزعيم عبد الناصر إعادة ضبط العلاقة بين السلطة السياسية والمؤسسة العسكرية، لم يكن يسعى إلى انتزاع نفوذ شخصي، بل إلى استعادة مبدأ بسيط: لا مؤسسة تعلو على الدولة. لكن ما واجهه كان أكثر تعقيدًا، شبكة ولاءات صنعت كيانًا موازياً، يرى في أي إصلاح تهديدًا مباشرًا لبقائه. هنا لم يعد القرار إداريًا، بل صراعًا على من يملك الحق في الحكم فعليًا.
في هذا السياق، جاءت أحداث مارس 1962 - والتي يُشار إليها أحيانًا بـ"تمرد القيادة" - كواحدة من أكثر اللحظات حساسية في تاريخ العلاقة بين السلطة السياسية والمؤسسة العسكرية. فبعد تداعيات انفصال سوريا عام 1961، اتجه الزعيم عبدالناصر إلى محاولة تقليص تركّز السلطة داخل الجيش عبر طرح صيغ للقيادة الجماعية. إلا أن هذه الخطوة قوبلت برفض داخل دوائر نافذة رأت فيها تهديدًا مباشرًا لنفوذها. وبرزت في هذا الإطار أسماء قيادية مؤثرة، من بينها صلاح نصر وشمس بدران، ضمن شبكة مصالح متداخلة سعت إلى الحفاظ على التوازن القائم. وتشير بعض الروايات إلى أن رسائل حاسمة وصلت إلى القيادة السياسية تُحذّر من تداعيات إقصاء عامر بشكل مفاجئ، وهو ما وضع الزعيم عبد الناصر أمام معادلة شديدة التعقيد بين فرض السيطرة وتجنّب صدام داخلي قد يهدد استقرار النظام.
تراجع الدولة في تلك اللحظة لم يكن هزيمة معلنة، بل تأجيلًا للصدام. تم الحفاظ على شكل الاستقرار، بينما كان مضمونه يتآكل. وحين يُدار جهاز بحجم المؤسسة العسكرية بمنطق الولاء لا الكفاءة، فإن النتيجة لا تتأخر كثيرًا: قرارات مضللة، معلومات غائبة. الطريق إلى نكسة 1967 لم يبدأ في يونيو، بل كُتب مبكرًا حين سُمح للنفوذ أن ينتصر على منطق المؤسسة.
الخطر الحقيقي لا يكمن في وجود خلافات داخل الدولة، فهذا أمر طبيعي، بل في تحوّل هذه الخلافات إلى جزر منعزلة، لكل منها قواعدها وولاءاتها الخاصة. عندها، تصبح الدولة اسمًا جامعًا لكيانات متفرقة، لا يجمعها سوى الشكل، بينما القرار موزع، والمسؤولية ضائعة.
إذا نظرنا إلى الحاضر، فإن الدرس يفرض نفسه بقوة. أي دولة تسعى للاستقرار الحقيقي لا يمكنها أن تسمح بوجود مراكز قوة تعمل خارج إطارها أو فوقه. التماسك المؤسسي ليس رفاهية، بل شرط بقاء. والرهان على السيطرة الشكلية دون نفاذ حقيقي إلى عمق المؤسسات، هو رهان قصير العمر.
التحذير هنا ليس من تكرار التفاصيل، فالتاريخ لا يعيد نفسه حرفيًا، لكنه يعيد أنماطه. حين يُترك النفوذ لينمو بعيدًا عن الرقابة، وحين تُدار المواقع الحساسة بمنطق الثقة الشخصية لا الكفاءة المهنية، تبدأ الشروخ في التمدد، ولو بدت الصورة من الخارج مستقرة. أخطر ما في الأمر أن هذا النوع من الخلل لا يظهر فجأة، بل يتراكم بصمت، حتى تصبح معالجته أكثر كلفة من تحمله.
الدولة القوية لا تُقاس بقدرتها على فرض الهدوء، بل بقدرتها على ضبط مراكز القوة داخلها، ومنع تحوّلها إلى سلطات موازية. المؤسسات لا تسقط بضربة واحدة، بل حين تفقد قواعدها تدريجيًا، وحين يصبح القرار أسيرًا لمصالح ضيقة لا لرؤية عامة.
ما حدث في مارس 1962 لم يكن مجرد فصل من التاريخ، بل مرآة يمكن أن يرى فيها الحاضر مستقبله إذا لم ينتبه. السؤال ليس هل يمكن أن يتكرر السيناريو، بل هل توجد الإرادة الكافية لمنع شروط تكراره؟ هنا فقط يتحدد الفرق بين دولة تتعلم من ماضيها، وأخرى تعيد دفع الثمن ذاته، بأسماء مختلفة.
--------------------------------
بقلم: إبراهيم خالد
الطقس
إقرأ أيضا
هاكان فيدان يشيد بموقف مصر المسؤول عقب استهداف سفينتي طاقة في دمياط
ثمن وزير الخارجية التركي هاكان فيدان، الموقف المصري المتزن والمسؤول الذي اتخذته مصر عقب الهجوم...
نبيل فهمي يبحث أمين عام مجلس التعاون الخليجي تطورات القضايا العربية والإقليمية
استقبل نبيل فهمي، الأمين العام لجامعة الدول العربية، اليوم الخميس، جاسم محمد البديوي، الأمين العام ل...
رئيس حزب الوفد يوجّه بالاستعانة بالكوادر القبطية والشباب في تشكيلات الحزب بالمحافظات
وجّه الدكتور السيد البدوي شحاتة رئيس حزب الوفد دعوة عاجلة لجميع الأعضاء واللجان المكلفة بتشكيل اللجا...
نقيب الإعلاميين: ملتزمون بميثاق الشرف الإعلامي وبقرار المحكمة بحظر النشر في قضية التجمع الخامس
أصدرت نقابة الإعلاميين، برئاسة الإعلامي الدكتور طارق سعده، نقيب الإعلاميين، بيانًا بشأن الخطاب الوار...
الاكثر قراءة
"سوبيبور" عرض مسرحي في القاهرة يزيف التاريخ ويستجدي التعاطف مع يهود الهولوكوست
لا يوجد نص أدبي تأتي فكرته من الفراغ، فأي كاتب حتى من يكتب الكوميديا تكون لديه رسالة أو هدف مما يكتب...
هل يقبل محمد الباز التحدي؟
في حلقة 6 أغسطس 2019 من برنامج 90 دقيقة على قناة المحور دعا الزميل محمد الباز مقدم البرنامج 3 من أعض...
حكم رسم الأنمي وكيفية التخلص من إثمه
السؤال:أشكركم على هذا الموقع. سؤالي: أنا أحب رسم الأنمي كثيرا، فقد مضت سنة على رسمي له، لك...
تحت شعار "الدواء دون أضرار".. الاعتماد والرقابة الصحية تحتفل باليوم العالمي لسلامة المرضى
تنطلق غدا السبت فعاليات اليوم العالمي لسلامة المرضى، التي تنظمها الهيئة العامة للاعتماد والرقابة الص...
أسعار الذهب اليوم
السعر بالجنيه المصري