الجمعة، 30 أكتوبر 2026 القاهرة 23.3°C
رئيس التحرير مجدي شندي
حين يتكلم الألم: لماذا نعاني؟

حين يتكلم الألم: لماذا نعاني؟

اليوم في ظل الطفرة الشاملة يقف العقل برهة من الزمن ليتحدث مع نفسه ويطرح عليها سؤالا: لماذا نعاني؟ وهناك سؤال يراود فكري هل يمكن أن يصبح الألم سؤالًا فلسفيًا؟ ومن هنا يبدأ حديث المقال

أحيانًا لا يكون أكثر ما يؤلم الإنسان هو الألم نفسه، بل عجزه عن فهمه.

نقف أمام بعض لحظات حياتنا ونسأل: لماذا حدث هذا؟ لماذا فقدت هذا؟ لماذا فشلت؟ لماذا أشعر بهذا الفراغ رغم أن كل شيء يبدو على ما يرام؟

ومن هنا يبدأ السؤال الفلسفي الحقيقي لماذا نعاني؟

هذا السؤال لم يكن بعيدًا عن الفكر الفلسفي والنفسي فقد حاول كل من فرويد ونيتشه وسارتر أن ينظر إلى معاناة الإنسان من زاوية مختلفة، وكأن كل واحد منهم يضع يده على جزء  من هذا الألم من وجهة نظره.

ونبدأ في رحلة عابرة الي كل فيلسوف ونري الاختلاف في الآراء، ونبدا به فرويد الذي يري أن الإنسان ليس دائمًا سيد نفسه كما يتخيل.

فهناك عالم خفي داخلنا، مليء بالرغبات المكبوتة والذكريات والصراعات التي قد لا ندركها بوعي كامل.

وربما يكون بعض ما نعانيه اليوم امتدادًا لأشياء دفنناها بالأمس، ظنا منا أننا تخلصنا منها.

لكن ما يدفن في النفس لا يختفي بالضرورة، بل قد يعود في صورة قلق أو خوف أو اضطراب أو صراع داخلي.

أما نيتشه، فيتعامل مع المعاناة بطريقة مختلفة. فهو لا ينظر إليها باعتبارها مجرد شر يجب التخلص منه، بل يرى أن الألم قد يكون جزءًا من عملية تشكل الإنسان.

فالإنسان لا يصبح أقوى لأنه عاش حياة خالية من الصعوبات، وإنما لأنه واجه صعوباته وحاول أن يمنحها معنى.

ولذلك فإن السؤال ليس دائمًا: كيف أتخلص من الألم؟ بل ربما يكون السؤال الأعمق: ماذا يمكن أن أصنع من هذا الألم؟

وهنا نصل إلى سارتر، الذي يضع الإنسان أمام مسؤولية أكثر قسوة  الحرية.

فالإنسان عند سارتر محكوم بأن يختار، وحتى عدم الاختيار هو اختيار في حد ذاته.

وهذه الحرية قد تبدو في البداية شيئًا جميلًا، لكنها قد تتحول إلى عبء لأنك مسؤول عن قراراتك، وعن الطريق الذي تسلكه، وعن المعنى الذي تمنحه لحياتك.

ومن هنا يمكن أن ينشأ القلق: ماذا لو اخترت الطريق الخطأ؟ ماذا لو لم تكن حياتي كما أردتها؟

لكن ربما المشكلة الحقيقية أننا نريد حياة بلا معاناة، في الوقت الذي لا توجد فيه حياة إنسانية خالية تمامًا من الألم.

نحن نعاني لأننا نحب، ونفقد لأننا امتلكنا أشياء نخشى فقدانها، ونحزن لأننا منحنا الأشياء والأشخاص معنى داخل حياتنا.

بل إن جزءًا من معاناتنا يأتي من المقارنة المستمرة بين ما نحن عليه وما نعتقد أننا يجب أن نكون عليه.

وفي عصرنا الحالي، أصبحت المعاناة أكثر تعقيدًا فنحن لا نعاني فقط من واقعنا، بل نقارن واقعنا يوميًا بواقع الآخرين المعروض على شاشات الهواتف.

نرى نجاحاتهم، سفرهم، علاقاتهم، لحظاتهم السعيدة، ثم نعود إلى حياتنا فنشعر أننا متأخرون عن الجميع، رغم أننا لا نرى إلا جزءًا صغيرًا من الحقيقة.

لذلك ربما لا يكون السؤال الأهم: لماذا نعاني؟

بل: كيف نفهم معاناتنا؟ وكيف نحولها من شيء يكسرنا إلى شيء يجعلنا أكثر وعيًا بأنفسنا؟

فالألم قد يترك جرحًا، نعم، لكنه قد يترك أيضًا معرفة لم نكن لنصل إليها بدونه.

وربما كانت الفلسفة في جوهرها محاولة الإنسان لأن ينظر إلى ألمه في عينيه، بدلًا من أن يهرب منه.

فليس المهم أن نعيش بلا ألم، وإنما أن نعيش حياة نستطيع أن نفهم فيها لماذا نتألم، وماذا نفعل بهذا الألم.
-------------------------
بقلم: أسامة محمد

استمع إلى المقال حوّل المقال إلى تجربة صوتية
مدة القراءة03:18
تعليقات


الطقس
القاهرة مصر
23.3°C
توقعات الساعات القادمة
23.3°C
22.3°C
21.3°C
20.5°C
20.0°C
18.7°C
إقرأ أيضا
هاكان فيدان يشيد بموقف مصر المسؤول عقب استهداف سفينتي طاقة في دمياط

ثمن وزير الخارجية التركي هاكان فيدان، الموقف المصري المتزن والمسؤول الذي اتخذته مصر عقب الهجوم...

نبيل فهمي يبحث أمين عام مجلس التعاون الخليجي تطورات القضايا العربية والإقليمية

استقبل نبيل فهمي، الأمين العام لجامعة الدول العربية، اليوم الخميس، جاسم محمد البديوي، الأمين العام ل...

رئيس حزب الوفد يوجّه بالاستعانة بالكوادر القبطية والشباب في تشكيلات الحزب بالمحافظات

وجّه الدكتور السيد البدوي شحاتة رئيس حزب الوفد دعوة عاجلة لجميع الأعضاء واللجان المكلفة بتشكيل اللجا...

نقيب الإعلاميين: ملتزمون بميثاق الشرف الإعلامي وبقرار المحكمة بحظر النشر في قضية التجمع الخامس

أصدرت نقابة الإعلاميين، برئاسة الإعلامي الدكتور طارق سعده، نقيب الإعلاميين، بيانًا بشأن الخطاب الوار...

الاكثر قراءة
زهايمر!

هل يمكن أن نضيف شيئاً ؟ .. فتح ، حماس ، فتح الإسلام .. يسار ، يمين .. ديمقراطية ، عسكرتارية ، أوتوقر...

مقاول يوهم المسؤولين في قنا بالتبرع لإعادة بناء 3 مدارس ثم يهرب بعد هدمها والاستيلاء على مخلفاتها

شهدت مدينة نجع حمادى بشمال قنا واقعة غريبة، كشفتها تقارير رقابية، حيث تعرضت مديرية التربيه والتعليم...

البحث عن «أمل» في "جمهورية الخوف"

لم يخطر ببال الشاعر الراحل سيد حجاب عندما صاغ ديباجة دستور 2014، أن مجرد التفكير في المشاركة السياسي...

ميتشو: غياب شيكابالا عن مواجهة بطل السنغال مؤثر للغاية

 كشف الصربي ميتشو المدير الفني لفريق الكرة الأول بنادي الزمالك عن أنه لا يشعر بأي ضغوط قبل مواج...

أسعار الذهب اليوم

السعر بالجنيه المصري

عيار 24
7,137ج.م
عيار 21
6,245ج.م
عيار 18
5,353ج.م
الجنيه الذهب
49,960ج.م
عرض جميع الأسعار

تابعونا


جارٍ التحميل...