الثلاثاء، 03 نوفمبر 2026 القاهرة 23.2°C
رئيس التحرير مجدي شندي
حين يتعب القوي… أَصغِ إليه قبل أن يصمت

حين يتعب القوي… أَصغِ إليه قبل أن يصمت

هناك أناس لا تُرى دموعهم، ليس لأنهم لا يبكون، بل لأنهم تعودوا أن يقفوا دائمًا في موقع الصلابة ، أولئك الذين يُعتمد عليهم في كل شيء، الذين يعرفون كيف يتصرفون في أصعب اللحظات، وكيف يسدّون الفراغ، ويغلقون الأبواب التي تهدد بالانهيار. هم الذين لا يُخاف عليهم، لأنهم دائمًا واقفون متماسكين، حاضرون حين يغيب الآخرون.

ولكن القوة، حين تطول، تُرهق. والمسؤولية حين تُلقى كلها على كتف واحد، تُثقل الروح قبل الجسد. أن تكون قادرًا على المواجهة دائمًا لا يعني أنك لا تتمنى يومًا أن تهرب، أو أن تترك الحمل وتسند رأسك على كتف غيرك ، من منا لا يحتاج  إلى من  يأمن  عنده،  ويخلع  أمامه درع القوة، بل ويظهر ضعفه  دون خوف من الحكم أو الخذلان ، جميعا نحتاج  إلى من يكون ظهرًا لا عبئًا، وسندًا لا سؤالًا إضافيًا، وملاذًا نلوذ إليه حين تضيق بنا الطرق أن تكون ذكيًا، شاطرًا، حاضر البديهة، لا يعني أن قلبك لم يتعب من كثرة الحسابات والتدبير والتحمل.

فالقوة ليست صلابة دائمة، ولا قدرة لا تنفد، ولا قلبًا خُلق ليحتمل كل شيء دون أن يئن؛ بل القوة الحقيقية  في اعتقادي .. أن تواصل السير رغم التعب، لكن هذا لا يعني إنكار الألم ولا مصادرة الحق في الضعف.

القوي لا يتعب لأنه ضعيف  ولكن لانه تحمل فوق طاقته ، فما أثقل الأعباء حين  تحملها وحدك والتعب هنا ليس خللًا في الإيمان، ولا اعتراضًا على قدر الله، بل لحظة صدق مع النفس، واعتراف بأن القلب بلغ حد الاحتمال ، والرضا  لا يعني الصمت، والصبر لا يعني إنكار الحاجة، والبكاء لا ينقض الشكر، بل يوازيه في الإنسانية ، فالقلب الذي يُجبر على الوقوف طويلًا بلا استراحة، ينهك، حتى وإن ظل متماسكًا في أعين الآخرين.

والمفارقة أن هؤلاء الأقوياء هم الأصعب في طلب الدعم ممن حولهم، لا لأنهم لا يحتاجونه، بل لأنهم اعتادوا أن يكونوا هم الداعمين. يقدّمون المساندة دون أن تُطلب، يلتقطون وجع الآخرين من نظرة، ويسارعون إلى الاحتواء قبل أن تُقال الشكوى. ومع الوقت، يصبح طلب المساعدة فعلًا ثقيلًا على نفوسهم، كأنهم يخالفون الصورة التي رسمها الجميع لهم ، بل وما فطرو عليه طول حياتهم ويظنون أن ضعفهم قد يُربك من اعتادوا الاتكاء عليهم، فيختارون الصمت، ويتقنون التماسك، ويدفعون ثمن ذلك من أرواحهم من قلوبهم ونفسيتهم دون أن ينطقوا.

ولذلك، فهؤلاء هم أولى الناس بأن نحافظ على وجودهم في حياتنا ، لأنهم أحد أسباب توازن المجتمع، وأحد وجوه الخير التي تُبقي الإحساس بالرحمة حيًا ، بوجودهم نشعر أن الدنيا، رغم قسوتها، ما زالت قابلة للاحتمال، وأن العطاء لم ينقرض، وأن هناك من يحمل عن غيره دون انتظار مقابل ، وخسارتهم ليست خسارة فرد، بل خلل في ميزان الإنسانية كله.

فهذا القوي ليس معدنا او جمادا لا يشعر بل هو انسان داخله ضعف وكم تمنّى  لو كان أقل فهمًا للحياة، أقل وعيًا بما يجب فعله، أقل قدرة على التصرف؟ ليس كرهًا للقوة، بل شوقًا للراحة، ورغبة في أن يكون هناك من يقول له: “اترك الأمر عليّ هذه المرة”. فالمعافرة المستمرة دون مشاركة وجدانية تُحوّل القوة إلى استنزاف، والاعتماد على النفس إلى وحدة قاسية.

الفيلسوف الالماني نيتشه قال " من يملك سببًا للعيش، يستطيع تحمّل أي كيف " فالمعاناة في حد ذاتها لا تقتل، بل غياب المعنى والتقدير والدعم هو ما يقتل فعلا .

و الإنسان مهما بلغت قوته يحتاج أحيانًا إلى من يشاركه هذا العبء، لا أن يحمله وحده ، يحتاج إلى من يسمع تفاصيل يومه الصغيرة، تلك التي تبدو بلا أهمية، لكنها في حقيقتها محاولات للنجاة ، يحتاج إلى من يسأل عنه بصدق، لا بدافع الواجب، بل بدافع الحب وكما قال الشاعر جبران خليل جبران: «ليس العطاء أن تعطي مما تملك، بل أن تعطي مما تشعر به». والقوي، أكثر من غيره، يحتاج هذا النوع من العطاء؛ عطاء الاحتواء، والتخفيف، والمشاركة الصادقة.

وفي النهاية، يبقى الرضا بالقضاء أن نؤمن بأن الله يرى، ويعلم، ويقدّر، وأن التعب حين يُقال بصدق يتحول إلى دعاء، وأن الحاجة حين يعترف بها تصبح بابًا للرحمة.

فيا رب، نحن لا نعترض على قدرك، لكننا نعترف بتعبنا، ونطلب عونك، وسندًا يخفف عنا، وطمأنينة تجعلنا نكمل الطريق بقلوب أقل إنهاكًا، وأكثر سلامًا.

----------------------------------------

بقلم: سحر الببلاوي

استمع إلى المقال حوّل المقال إلى تجربة صوتية
مدة القراءة04:14
تعليقات


الطقس
القاهرة مصر
22.5°C
توقعات الساعات القادمة
22.5°C
21.7°C
21.0°C
20.4°C
19.8°C
19.3°C
إقرأ أيضا
هاكان فيدان يشيد بموقف مصر المسؤول عقب استهداف سفينتي طاقة في دمياط

ثمن وزير الخارجية التركي هاكان فيدان، الموقف المصري المتزن والمسؤول الذي اتخذته مصر عقب الهجوم...

نبيل فهمي يبحث أمين عام مجلس التعاون الخليجي تطورات القضايا العربية والإقليمية

استقبل نبيل فهمي، الأمين العام لجامعة الدول العربية، اليوم الخميس، جاسم محمد البديوي، الأمين العام ل...

رئيس حزب الوفد يوجّه بالاستعانة بالكوادر القبطية والشباب في تشكيلات الحزب بالمحافظات

وجّه الدكتور السيد البدوي شحاتة رئيس حزب الوفد دعوة عاجلة لجميع الأعضاء واللجان المكلفة بتشكيل اللجا...

نقيب الإعلاميين: ملتزمون بميثاق الشرف الإعلامي وبقرار المحكمة بحظر النشر في قضية التجمع الخامس

أصدرت نقابة الإعلاميين، برئاسة الإعلامي الدكتور طارق سعده، نقيب الإعلاميين، بيانًا بشأن الخطاب الوار...

الاكثر قراءة
حديث الإفك وكلاب السكك!

كان عم شمس ضابط شرف برتبة نقيب عندما كنت في مدرسة الصاعقة ، كان يشغل منصب قائد سرية كلاب حرب، وكنا ج...

حوار مع رضا المكي "المنظر والمنظم": إعادة اكتشاف الرئيس قيس سعيد

هذه أسرار نجاح قيس سعيد يرويها زميل دراسته أقرب معاونيه خلال حملته الانتخابيةيضع رفض برلمان تونس الل...

لماذا ينظر الرجل إلى شفتي المرأة أثناء حديثها إليه؟

إذا كانت فتاة او سيدة قد لاحظت أن الرجل ينظر إلى شفتيها عندما تتحدث معه، فربما تتساءل عن السبب وماذا...

آني أرنو - الفائزة بنوبل - ووجع الذنب والتمرد على الأب العامل والجد العربجي

"إن وظيفة الكتابة أو نتاجها ليست طمس جرح أو علاجه، وإنما إعطاؤه معنى وقيمة، وجعله في النهاية لا...

أسعار الذهب اليوم

السعر بالجنيه المصري

عيار 24
6,994ج.م
عيار 21
6,120ج.م
عيار 18
5,246ج.م
الجنيه الذهب
48,960ج.م
عرض جميع الأسعار

تابعونا


جارٍ التحميل...