الأربعاء، 04 نوفمبر 2026 القاهرة 20.4°C
رئيس التحرير مجدي شندي
حين زغردت أم لا تعرف شيئاً عن كرة القدم

حين زغردت أم لا تعرف شيئاً عن كرة القدم

في الليلة الماضية، لم يكن المشهد الأكثر إثارة هو الهدف، ولا ركلات الترجيح، ولا صافرة النهاية.

المشهد الحقيقي كان في البيوت.

أم لم تحفظ أسماء اللاعبين يوماً، وقفت تزغرد من شرفة منزلها.. طفلة أمسكت بالألوان ورسمت علم مصر.. شباب لا يعرف بعضهم بعضاً تعانقوا في الشوارع.. وعلى مواقع التواصل، اختفت الأغاني المعتادة، وحلت محلها أغاني الوطن.

فهل كانت كل هذه الملايين تحتفل بكرة القدم؟

ربما لا.

حين يلعب المنتخب المصري، تتجاوز كرة القدم حدود الرياضة.. تصبح واحدة من آخر المساحات التي يشعر فيها ملايين المصريين أنهم قلب واحد، وتذوب فيها الفوارق: الغني والفقير، الكبير والصغير، الرجل والمرأة، ومن يعشق الكرة ومن لا يعرف عنها شيئاً. الجميع يصبح مشجعاً لشيء أكبر من النادي واللاعبين، يصبح مشجعاً لاسم مصر.

ولهذا كانت كرة القدم مجرد المناسبة، أما ما احتفل به المصريون فكان شيئاً أعمق بكثير: شعوراً نادراً بأنهم، ولو لساعات قليلة، ينتمون إلى شيء واحد.

يصف عالم الاجتماع إميل دوركايم هذه اللحظات بما يعرف بـ"الوهج الجمعي"، وهي الحالة التي يشعر فيها الناس بأنهم جزء من كيان أكبر منهم، فتتوحد مشاعرهم وتذوب الفوارق بينهم. في تلك اللحظة لا يعود السؤال: "هل أفهم كرة القدم؟"، بل يصبح: "هل هذا الانتصار يحمل اسمي أيضاً؟".

ولهذا زغردت الأم.

لم تكن تعرف كيف يحتسب التسلل، ولا لماذا احتسب الحكم ركلة جزاء، لكنها كانت تعرف شيئاً واحداً: أن اسم مصر انتصر.

وأحياناً، لا تحتاج القلوب إلى أن تفهم تفاصيل اللعبة، يكفيها أن تشعر بأن الوطن هو من فاز.

ورسمت الطفلة العلم، لأنها فهمت بالفطرة ما قد تعجز الكلمات عن شرحه: أن هناك لحظات يصبح فيها الوطن شعوراً يرى ولا يقال.

وهذا يفسر أيضاً لماذا امتلأت مواقع التواصل بأغاني الوطن.. ففي لحظات الفرح الجماعي، يبحث الناس عن أكثر الرموز قدرة على التعبير عن هويتهم، فلا يجدون أصدق من العلم، ولا أقرب من أغنية تحمل اسم الوطن.

لكن السؤال الأهم ليس: لماذا فرح المصريون؟

السؤال الحقيقي هو: لماذا كانت هذه الفرحة بهذا الحجم؟

لأن الإنسان لا يعيش على إنجازاته الفردية وحدها.. يحتاج، بين حين وآخر، إلى لحظة يشعر فيها أن نجاحاً ما يخصه، حتى وإن لم يشارك في صنعه. يحتاج إلى ما يذكره بأنه ليس وحده، وأن هناك ملايين القلوب تنبض بالإيقاع نفسه.

ولهذا كانت الفرحة أكبر من مباراة.

كانت لحظة نادرة اختفت فيها أسماء المحافظات، واختفت الانتماءات الصغيرة، ولم يبق إلا اسم واحد يردده الجميع: مصر.

لا أعلم إن كان مقدراً لنا أن نصل إلى أبعد من ذلك، وأتمنى من كل قلبي أن يحدث. لكنني أعلم أن ما حدث بالأمس كان انتصاراً من نوع آخر.

انتصاراً أعاد إلينا شعوراً نفتقده كثيراً؛ أن نفرح معاً، لا بجوار بعضنا فقط.

فالأمم لا تبنى بالاقتصاد والسياسة وحدهما، رغم أهميتهما الكبيرة، بل تبنى أيضاً بالذكريات المشتركة، واللحظات التي يشعر فيها الملايين أنهم يروون القصة نفسها، ويهتفون للهتاف نفسه، ويحلمون بالحلم نفسه.

قد تنتهي البطولة، وقد تتغير النتائج، وقد تُنسى تفاصيل المباراة بعد سنوات...

لكن سيبقى في الذاكرة أن هناك ليلة خرجت فيها أم لا تعرف شيئاً عن كرة القدم لتزغرد، ورسمت طفلة علم مصر قبل أن تتعلم أسماء اللاعبين، وشعر ملايين المصريين، ولو للحظات، أن الوطن ليس مجرد مكان نعيش فيه، بل شعور يوقظه أحياناً هدف، ويحييه دائماً اسم مصر.
-----------------------------------
بقلم: أسماء حامد


استمع إلى المقال حوّل المقال إلى تجربة صوتية
مدة القراءة03:14
تعليقات


الطقس
القاهرة مصر
20.4°C
توقعات الساعات القادمة
20.4°C
19.8°C
19.3°C
18.9°C
19.0°C
20.6°C
إقرأ أيضا
هاكان فيدان يشيد بموقف مصر المسؤول عقب استهداف سفينتي طاقة في دمياط

ثمن وزير الخارجية التركي هاكان فيدان، الموقف المصري المتزن والمسؤول الذي اتخذته مصر عقب الهجوم...

نبيل فهمي يبحث أمين عام مجلس التعاون الخليجي تطورات القضايا العربية والإقليمية

استقبل نبيل فهمي، الأمين العام لجامعة الدول العربية، اليوم الخميس، جاسم محمد البديوي، الأمين العام ل...

رئيس حزب الوفد يوجّه بالاستعانة بالكوادر القبطية والشباب في تشكيلات الحزب بالمحافظات

وجّه الدكتور السيد البدوي شحاتة رئيس حزب الوفد دعوة عاجلة لجميع الأعضاء واللجان المكلفة بتشكيل اللجا...

نقيب الإعلاميين: ملتزمون بميثاق الشرف الإعلامي وبقرار المحكمة بحظر النشر في قضية التجمع الخامس

أصدرت نقابة الإعلاميين، برئاسة الإعلامي الدكتور طارق سعده، نقيب الإعلاميين، بيانًا بشأن الخطاب الوار...

الاكثر قراءة
حكم الإفرازات البيضاء التي يميل لونها إلى الصفرة

السؤال:كنت قد سألتكم منذ مدة طويلة عن هذا الموضوع، والآن أسال في نفس الموضوع، ولكن بعد بحث طويل فيه...

فيديو .. د. فادي نصر خبير التجميل: 9 أشياء يجب معرفتها قبل الفيلر

أكد الدكتور فادي نصر خبير التجميل ومديرمركز غلامور الطبي بالرياض أن هناك 9 أشياء يجيب معرفتها قبل عم...

حوار مع رضا المكي "المنظر والمنظم": إعادة اكتشاف الرئيس قيس سعيد

هذه أسرار نجاح قيس سعيد يرويها زميل دراسته أقرب معاونيه خلال حملته الانتخابيةيضع رفض برلمان تونس الل...

درجة قصة الذي تعلم لغة القطط من نبي الله سليمان

السؤال:ما صحة هذه الرسالة؟ قصة حلوة جدا ومؤثرة، كان من معجزات نبي الله سليمان أنه يكلم الطير والريح...

أسعار الذهب اليوم

السعر بالجنيه المصري

عيار 24
6,994ج.م
عيار 21
6,120ج.م
عيار 18
5,246ج.م
الجنيه الذهب
48,960ج.م
عرض جميع الأسعار

تابعونا


جارٍ التحميل...