الأربعاء، 04 نوفمبر 2026 القاهرة 26°C
رئيس التحرير مجدي شندي
حين تسقط راية حقوق الإنسان في عقر دارها

حين تسقط راية حقوق الإنسان في عقر دارها

قبل كل حرب، وقبل كل عقوبة، وقبل كل تدخل عسكري، تخرج الولايات المتحدة لتذكّر العالم بأنها "موطن حقوق الإنسان"، أنها لا تتحرك إلا دفاعًا عن القيم، حمايةً للضعفاء، وإنقاذًا للبشر من طغيان حكوماتهم، خطاب ألفناه لعقود، صار جزءًا من المشهد السياسي العالمي، حتى أن كثيرين يتعاملون معه كحقيقة ثابتة لا تُناقش وإلا اعتبرنا جهلة لا نستحق الحياة؛ رغم أن هذا المشهد انهار دفعة واحدة عدة مرات، آخرها عندما انفجر في قلب هذا النموذج المدّعى قضية إنسانية مدوّية، تتعلق باستغلال ممنهج، واعتداءات جسيمة على أطفال، رجال قبل النساء، وما خفي كان أعظم، جرائم لا يمكن تصنيفها إلا باعتبارها من أبشع ما عرفه سجل حقوق الإنسان الحديث، مع تداول أسماء شخصيات نافذة، ورموز سياسية واقتصادية وإعلامية، وصولًا إلى أعلى هرم السلطة.

هنا لا يعود السؤال متعلقًا بسمعة أشخاص، ولا حتى بمصير قضية جنائية، بل السؤال الأكبر:

كيف يمكن لدولة أن تنصب نفسها وصيًّا أخلاقيًا على العالم أن تحتوي، أو تتعايش، أو تُدار داخلها مثل هذه الكارثة؟

الصدمة لم تكن في وقوع الجريمة وحدها، فالمجتمعات كلها معرضة للانحراف، لكن الصدمة الحقيقية جاءت من التناقض الصارخ بين الخطاب والممارسة، نفس الدولة التي لا تتردد في انتهاز أي فرصة لإدانة دول أخرى تحت ذريعة انتهاكات ضد حقوق الإنسان، وجدت نفسها فجأة في موقع الدفاع، مستخدمة لغة التهدئة، والتشكيك، وتأجيل الحسم، والاختباء خلف الإجراءات القانونية، وهي أدوات مشروعة في ذاتها، لكنها تفقد معناها الأخلاقي حين تُستخدم بانتقائية فاضحة للدفاع عن شخصيات معينة، بل وتترك لهم المجال لادعاء بطولات زائفة لإشغال الرأي العام، ليصل الأمر في أحيان كثيرة حد شن الحروب؛ وإزهاق أرواح الأبرياء ستاراً وفداء لزعماء العالم المزعومين.

على مستوى العالم، تم تلقّي هذه القضية باعتبارها دليلًا جديدًا على ما يسميه كثيرون "نفاق المنظومة الحقوقية الدولية"، فليس من السهل إقناع الشعوب بأن الحروب التي شُنّت كانت من أجل الأطفال والنساء، بينما داخل الدولة القائدة ذاتها شبكات استغلال يُقال إنها استمرت سنوات تحت نظر مؤسسات يفترض أنها تحمي، الأخطر من ذلك أن ما يُتداول حول إعلان هذه الملفات لاستغلالها كورقة ضغط سياسي، أو وسيلة ابتزاز داخل صراعات السلطة، مأساة إنسانية تتحطم على جانبيها آخر قشرة أخلاقية للنظام الدولي: حين يصبح انتهاك الإنسان نفسه جزءًا من لعبة النفوذ.

تبعات هذا المشهد لا تتوقف عند حدود الولايات المتحدة، إنها تضرب مصداقية الخطاب الحقوقي العالمي، وتمنح أنظمة كثيرة ذريعة جاهزة للرد: "انظروا إلى من يُحاضرنا"، لتتآكل فكرة العدالة الدولية، ويُترك الضحايا بلا معنى حقيقي لمعاناتهم فلا أمل في عقاب الجناة، العالم اليوم لا يشاهد مجرد فضيحة، بل لحظة كاشفة، لحظة يسقط فيها القناع عن نظام بنى سلطته الأخلاقية على الوعظ، لا على الالتزام، ومع كل وثيقة، وكل شهادة، وكل اسم يُتداول، يزداد السؤال إلحاحًا:

إذا كانت هذه هي حال "موطن حقوق الإنسان"، فما الذي تبقى من العدالة حين تُرفع الشعارات وتسقط القيم؟
--------------------------------
بقلم: إنچي مطاوع

استمع إلى المقال حوّل المقال إلى تجربة صوتية
مدة القراءة02:54
تعليقات


الطقس
القاهرة مصر
25.1°C
توقعات الساعات القادمة
25.1°C
23.3°C
22.3°C
21.0°C
20.1°C
19.5°C
إقرأ أيضا
هاكان فيدان يشيد بموقف مصر المسؤول عقب استهداف سفينتي طاقة في دمياط

ثمن وزير الخارجية التركي هاكان فيدان، الموقف المصري المتزن والمسؤول الذي اتخذته مصر عقب الهجوم...

نبيل فهمي يبحث أمين عام مجلس التعاون الخليجي تطورات القضايا العربية والإقليمية

استقبل نبيل فهمي، الأمين العام لجامعة الدول العربية، اليوم الخميس، جاسم محمد البديوي، الأمين العام ل...

رئيس حزب الوفد يوجّه بالاستعانة بالكوادر القبطية والشباب في تشكيلات الحزب بالمحافظات

وجّه الدكتور السيد البدوي شحاتة رئيس حزب الوفد دعوة عاجلة لجميع الأعضاء واللجان المكلفة بتشكيل اللجا...

نقيب الإعلاميين: ملتزمون بميثاق الشرف الإعلامي وبقرار المحكمة بحظر النشر في قضية التجمع الخامس

أصدرت نقابة الإعلاميين، برئاسة الإعلامي الدكتور طارق سعده، نقيب الإعلاميين، بيانًا بشأن الخطاب الوار...

الاكثر قراءة
"سوبيبور" عرض مسرحي في القاهرة يزيف التاريخ ويستجدي التعاطف مع يهود الهولوكوست

لا يوجد نص أدبي تأتي فكرته من الفراغ، فأي كاتب حتى من يكتب الكوميديا تكون لديه رسالة أو هدف مما يكتب...

درجة قصة الذي تعلم لغة القطط من نبي الله سليمان

السؤال:ما صحة هذه الرسالة؟ قصة حلوة جدا ومؤثرة، كان من معجزات نبي الله سليمان أنه يكلم الطير والريح...

بالفيديو .. د. فادي نصر يشرح الجدول الزمني للإجراءات التجميلية

شرح الدكتور فادي نصر، مدير مركز غلامور الطبي بالرياض، الجدول الزمني للإجراءات التجميلية. حيث أكد أن...

حوار مع رضا المكي "المنظر والمنظم": إعادة اكتشاف الرئيس قيس سعيد

هذه أسرار نجاح قيس سعيد يرويها زميل دراسته أقرب معاونيه خلال حملته الانتخابيةيضع رفض برلمان تونس الل...

أسعار الذهب اليوم

بيانات أسعار الذهب غير متاحة حالياً.

تابعونا


جارٍ التحميل...