الأربعاء، 04 نوفمبر 2026 القاهرة 21.5°C
رئيس التحرير مجدي شندي
حين تتطاول الرمال على الجبال.. أدبوا ألسنتكم عن مصر

حين تتطاول الرمال على الجبال.. أدبوا ألسنتكم عن مصر

حين يتطاول مستشار أو كاتب مأجور في عاصمة خليجية على مصر، ويصفها بالهشاشة أو يُلمّح إلى الاستغناء عنها، فإنه لا يُصدر حكماً سياسياً قابلاً للنقاش، بل يكشف عن جهل تاريخي مُقيم وعقدة نفسية مُزمنة. وهذه الكلمات ليست دفاعاً عاطفياً عن مصر، فمصر لا تحتاج إلى دفاع، بل هي نقاط فوق الحروف لمن أعماه بريق البترودولار عن رؤية الحقيقة.

سبعة آلاف سنة في مواجهة خمسين عاماً

مصر ليست دولةً نشأت بقرار أمريكي أو بترسيم استعماري على خريطة. مصر حضارة ضاربة جذورها في أعماق الزمن منذ ما يزيد على سبعة آلاف عام، حين كانت الجزيرة العربية بأسرها صحراء مجهولة لا اسم لها في سجلات التاريخ. الفراعنة بنوا الدولة والقانون والعلم والفن والهندسة حين لم يكن في الجزيرة العربية كلها ما يستحق التدوين. ثم جاء الإسلام فكانت مصر أول من حمل رايته وأعمق من استوعب روحه وأقوى من دافع عن وجوده، من صلاح الدين الذي حرر القدس إلى المماليك الذين كسروا المغول في عين جالوت وأنقذوا الحضارة الإسلامية من الفناء.

أما الكيانات التي تتطاول اليوم على مصر، فأعمارها في أحسن الأحوال لا تتجاوز خمسين إلى مئة عام، وأغلب هذا التاريخ القصير لا يخلو من تآمر وخيانة وارتهان للخارج. فأي ميزان هذا الذي يجعل من الوريث الشرعي لأعرق حضارة في التاريخ "دولة هشة"، ومن الطارئ أمس على خريطة الأمم حكماً على الآخرين؟

الحماية الوهمية والجزية المدفوعة

تُنفق دول الخليج مئات المليارات من الدولارات سنوياً على صفقات أسلحة لا تُشغّلها، وعلى قواعد عسكرية أمريكية لا تحميها. والحقيقة التي يعرفها الجميع ويتحاشى قولها هي أن واشنطن صريحة تماماً في تقييمها لجنودها الأمريكيون أثمن من عروش الخليج وأمرائه وشيوخه، وحسابات الحرب الأمريكية لا تضع حياة جندي واحد في كفة مع استمرار أي نظام خليجي.

ولعل المشهد الأكثر دلالةً هو ما رأيناه حين ضربت الصواريخ اليمنية منشآت أرامكو عام ٢٠١٩ ضربةً موجعة وسط صمت أمريكي مدوٍّ، ثم حين تقدمت القوات الإيرانية وحلفاؤها في محاور متعددة فلم تتحرك قاعدة أمريكية واحدة للدفاع بمبادرة ذاتية. المعادلة واضحة: الوجود العسكري الأمريكي في الخليج ليس لحماية الخليج، بل لحماية المصالح الأمريكية وورقة الضغط على النفط والممرات. أما العروش فهي من تدفع الجزية، لا من تستلم الحماية.

مصر في المقابل بنت قوتها بدمها. حروب خاضتها بجيشها الوطني لا بمرتزقة مستأجرين، وانتصارات حققتها بتضحيات شعبها لا بشيكات مكتوبة لواشنطن. وحتى في لحظات الهزيمة كانت مصر تنهض من تحت الركام بإرادة الأمة لا بإذن من سيد خارجي.

من فتح أبوابه لمن؟

حين هرب الكويتيون من الغزو العراقي عام ١٩٩٠، كانت مصر أولى من فتحت لهم الأبواب واستوعبت أعداداً كبيرة منهم. وحين نزح العراقيون بعد ٢٠٠٣ والسوريون بعد ٢٠١١، كانت مصر الملاذ الذي لجأ إليه مئات الآلاف دون شروط مسبقة أو فواتير مقدمة. والأغرب أن دول الخليج التي تتباهى بثروتها كانت الأشد تقتيراً في استقبال اللاجئين العرب من أبناء أمتها، حتى غدا المال الوحيد الذي يفتح أبوابها شرطاً لا يملكه المهجّر الفارّ بروحه.

مصر لم تفعل ذلك لأنها غنية، بل فعلته لأنها تمتلك ما لا تشتريه الأموال: قيماً راسخة تمتد عبر آلاف السنين من الحضارة والإنسانية. الكرم المصري ليس ترفاً يمارسه من يملك، بل هو طبع يمارسه من يعرف من هو.

التطاول له ثمن

للذين يظنون أن المال يمنح صاحبه حق الحكم على الحضارات وتقييم الأمم، نقول بوضوح: التطاول على مصر له ثمن، ليس بالمعنى التهديدي الرخيص، بل بالمعنى التاريخي العميق. كل من حاول إضعاف مصر أو النيل من كرامتها أو تقليص دورها في محيطها دفع الثمن، لأن غياب مصر أو إضعافها لم يُفضِ يوماً إلى استقرار المنطقة، بل أفضى دائماً إلى فراغ ملأه الفوضى والتدخل الأجنبي والصراع الأهلي.

من يريد خليجاً مستقراً وأمةً محترمة وعالماً عربياً قادراً على حماية نفسه، يحتاج مصر قوية لا مصر مُستنزفة. ومن يعمل على إضعاف مصر بأمواله أو بقلمه المأجور أو بتآمره السياسي، إنما يحفر بيده قبره هو، لأن اليوم الذي تسقط فيه مصر لن يجد فيه أحد حائطاً يستند إليه في هذه المنطقة المضطربة.

الحضارة لا تُشترى

الفارق الجوهري بين مصر ودول تتطاول عليها اليوم ليس في الثروة ولا في القوة العسكرية المجردة. الفارق أن مصر تمتلك هوية متجذرة وعمقاً حضارياً وثقلاً إنسانياً لا يمكن شراؤه بالبترودولار ولا استيراده من واشنطن. الحضارة تبنيها آلاف السنين من العلم والقيم والتضحية، لا خمسون عاماً من الريع النفطي والولاء للسيد الأجنبي.

مصر كانت هنا قبل الجميع، وستبقى بعد الجميع. أما العروش المبنية على الرمال والمدفوعة بالجزية والمحمية بالأجنبي، فمصيرها ما يكشفه التاريخ دائماً لكل من راهن على الزوال بدلاً من البناء.

هذه ليست عاطفة، هذه جغرافيا السياسة وسنة التاريخ.
-------------------------------
بقلم: عز الدين الهواري


استمع إلى المقال حوّل المقال إلى تجربة صوتية
مدة القراءة04:37
تعليقات


الطقس
القاهرة مصر
20.6°C
توقعات الساعات القادمة
20.6°C
19.8°C
19.2°C
18.8°C
18.5°C
18.6°C
إقرأ أيضا
هاكان فيدان يشيد بموقف مصر المسؤول عقب استهداف سفينتي طاقة في دمياط

ثمن وزير الخارجية التركي هاكان فيدان، الموقف المصري المتزن والمسؤول الذي اتخذته مصر عقب الهجوم...

نبيل فهمي يبحث أمين عام مجلس التعاون الخليجي تطورات القضايا العربية والإقليمية

استقبل نبيل فهمي، الأمين العام لجامعة الدول العربية، اليوم الخميس، جاسم محمد البديوي، الأمين العام ل...

رئيس حزب الوفد يوجّه بالاستعانة بالكوادر القبطية والشباب في تشكيلات الحزب بالمحافظات

وجّه الدكتور السيد البدوي شحاتة رئيس حزب الوفد دعوة عاجلة لجميع الأعضاء واللجان المكلفة بتشكيل اللجا...

نقيب الإعلاميين: ملتزمون بميثاق الشرف الإعلامي وبقرار المحكمة بحظر النشر في قضية التجمع الخامس

أصدرت نقابة الإعلاميين، برئاسة الإعلامي الدكتور طارق سعده، نقيب الإعلاميين، بيانًا بشأن الخطاب الوار...

الاكثر قراءة
حكم رسم الأنمي وكيفية التخلص من إثمه

السؤال:أشكركم على هذا الموقع‎.‎ ‏ سؤالي‎:‎‏ أنا أحب رسم الأنمي كثيرا، ‏فقد مضت سنة على رسمي له، لك...

البحث عن «أمل» في "جمهورية الخوف"

لم يخطر ببال الشاعر الراحل سيد حجاب عندما صاغ ديباجة دستور 2014، أن مجرد التفكير في المشاركة السياسي...

الصبي والبلطجي!!

قبل عدة عقود ظهرت ألغام بحرية في البحر الأحمر هددت مسارات الملاحة الدولية.. واضطرت شركات كثيرة لتوجي...

حوار مع رضا المكي "المنظر والمنظم": إعادة اكتشاف الرئيس قيس سعيد

هذه أسرار نجاح قيس سعيد يرويها زميل دراسته أقرب معاونيه خلال حملته الانتخابيةيضع رفض برلمان تونس الل...

أسعار الذهب اليوم

السعر بالجنيه المصري

عيار 24
7,108ج.م
عيار 21
6,220ج.م
عيار 18
5,331ج.م
الجنيه الذهب
49,760ج.م
عرض جميع الأسعار

تابعونا


جارٍ التحميل...