الجمعة، 06 نوفمبر 2026 القاهرة 20.5°C
رئيس التحرير مجدي شندي
حياة البسطاء مهمة

حياة البسطاء مهمة

هاتف والدتَه، فسمِعَ صوتًا غلّفه الشجنُ.. ماذا حدث؟ أجابت: جارُك وقريبُك ذهب "شقى" عمرِه يا "وِلداه"، إنه في الغُربة منذ ثلاث سنوات أو يزيد، رزقَهُ الله طفلاً خلالها لم يره حتى اللحظة، جُلُّ همِّه أن يؤمّنُ له وأخوته بيتًا أو جزءًا من مستقبلهم، متحملاً عناء كل عناء، لقاءَ عودته لوطنه، علّهُ يحقق بُغيته المنشودة..

ماذا جرى؟ مكررًا.. تابعت: الجيران كلهم في حالة حزن، هناك سيدات صوتن كما يصوتن على فقيد غالٍ، فارقهن وهو في ريعان شبابه، قبل أن يُكمل شهرًا في عُرسه تاركًا القلوبَ موجوعةَ، إلا أنها سرعان ما استدركت أنه مهما يحدث فلا وجهَ شبهٍ بينه وبين فقْدِ ولو ظافرَ ضَنى أو عزيزٍ..

اطمأنُّ قلبُه قليلاً، إلا أنه حاول أن يهدّئ من روعها، قبل أن تُكمل: "البيت الذي سافر من أجل بنائه، "على عيني" أصبح "كومة تراب"، جرت مساواته بالأرض بواسطة قوة شرطية بصحبة عدة عربات، و"لودر" أتى على ما تم من البناء، لم تُلقِ هذه القوة بالًا بما حلّ على ذوي المُصيبة، غير آبهةٍ بـ"الحسبنة" التي نطقت بها ألسنة كل من كان شاهدًا على الواقعةـ قريبًا كان أو غير قريب..

لم تسطع والدته إكمال الحديث، أخذتْ الهاتف شقيقته، مُردفةً: بمجرد السؤال عن وجود إذنٍ بالهدم، جاء الردُّ سريعًا بعبارة تحمل نبرة التعالي، تلك، المعهودة في بعض قيادات عدة على رأس مجالات عِدة أيضًا: "ألم تكفك كل هذه القوة؟".. حُررّ محضرٌ، واقتيد المتولي أعمال البناء سندًا لأخيه المشغول بجمع أقوات أبنائه الصغار خارج الوطن، داخل عربة الشرطة ترمقه عيون الواقفين، يرددُ لسانُ حالهم "هوّ موت وخراب وديار".. نعم هدم المسكن وضياع شقى العمر دون ردة فعل، ليس بالشيء الهيّن.

قال أخوه: "المجلس المحلي يعي بعملية البناء، ولم يحرر أحدٌ محضرًاـ أو حتى يحذرهم من هدم البناء، على اعتبار أن أهل القرية كلهم يعرفون بعضًا جيدًا، ويُعدون أهلًا، وأبناء عائلة واحدة، موضحًا أن الأرض التي كانت ستحمل مشروع البيت ضمن "كردون مبانٍ"، ولا حائل دون البناء، ولو كان، لِمَ تركوهم يبنون، ثم أتوا على ما بُني؟ هكذا فضفض.

أغلقَ الهاتفَ مُسترجعًا كل ما دار في المكالمة، وأصابعه تقلّب في موقع التواصل الاجتماعي فيس بوك، لتقع عيناه على الشجن نفسه وللسبب عينه، في أكثرَ من قرية، نساء باكيات تصرخ إحداهن أمام هدم بيت زوجها جاثيةً على ركبتيها، والدموع تغطّي وجهها، تحادثُ نفسها بأن ربيبها في الغُربة منذ ثلاث سنوات خلتْ حتى يبني هذا المسكن.. أناسٌ بسطاءٌ يقفون مستائين من هذه الطريقة التي يتم بهم الهدم، متسائلين، أما من أخرى بديلاً عما حدث ويحدث؟!.. لسان حالهم أنهم يتحملون كل شيء في سبيل رفعة ومساعدة وتقدم البلد، لا يبخلون عنه حتى بأبنائهم، فلمَ لا يكون للحكمة دورٌ قبل تنفيذ مثل هذه الإجراءات؟

جالت في خاطره تقاريرُ قرأها مراتٍ عدة، تصدر عن هيئة مقاومة الجدار والاستيطان الفلسطينية حول انتهاكات سلطات الاحتلال الإسرائيلي المستمرة عبر تنفيذ عمليات هدم بحق منشآت الفلسطينيين، لا سيما في مدينتي القدس والخليل.. نعم إن المحتل الغاصب يُرسل إخطاراتٍ لذوي المنشآت قبل إتمام عمليات الهدم، لكنه في الأخير يُفعّلها.. لكنه سرعان ما طرد هذه المقارنة بسرعة كبيرة من ذهنه، لا، لا، لا وجه شبه بين هنا وهناك، كيف يُعقلُ أن يُقارن مَن يغتصبُ الأرضَ وينتهكُ الحرماتِ ببني وطنٍ واحد، شركاء فاعلين في كل ترابه، لا يبخل أحد فيه على آخر حتى بنفسه وماله وولده..

وفي استذكاره لتعامل البعض بنوع يشوبه جزءٌ من العنصرية والتعالي، شطحت ذاكرتُه صوبَ جورج فلويد، ذاك المواطن الأمريكي من أصل أفريقي ذو البشرة السوداء بمدينة منيابولس الأمريكية، حيث قام ضابط الشرطة ديريك تشوفين بالضغط على عُنقه بركبته لمنعه من الحركة أثناء الاعتقال لما يقارب تسع دقائق حتى لفظ أنفاسه الأخيرة، أواخر مايو الماضي.. لكنه استفاق بسرعة، مستبعدًا هذه المقارنة بنفس درجة استبعاده، تلك، الفكرة التي ربط خلالها في لحظة تفكير طائشة بين تعامل بني صهيون مع أرباب الأرض الفلسطينية التاريخيين رغمًا عن أنوف المحتل.. إلا أنه تذكّر التأييد الكبير الذي عمّ معظم بلدان العالم، مُعْلِمًا كل الأجهزة الشرطية أن  حياة السود مهمة، لا فرق بين أسود أو أبيض، عندها وقر في قرارة نفسه أيضًا أن "حياة البسطاء مهمة".

-------------------

بقلم: عزت سلامة العاصي


استمع إلى المقال حوّل المقال إلى تجربة صوتية
مدة القراءة04:08
تعليقات


الطقس
القاهرة مصر
20.1°C
توقعات الساعات القادمة
20.1°C
19.6°C
19.3°C
19.0°C
18.8°C
18.6°C
إقرأ أيضا
هاكان فيدان يشيد بموقف مصر المسؤول عقب استهداف سفينتي طاقة في دمياط

ثمن وزير الخارجية التركي هاكان فيدان، الموقف المصري المتزن والمسؤول الذي اتخذته مصر عقب الهجوم...

نبيل فهمي يبحث أمين عام مجلس التعاون الخليجي تطورات القضايا العربية والإقليمية

استقبل نبيل فهمي، الأمين العام لجامعة الدول العربية، اليوم الخميس، جاسم محمد البديوي، الأمين العام ل...

رئيس حزب الوفد يوجّه بالاستعانة بالكوادر القبطية والشباب في تشكيلات الحزب بالمحافظات

وجّه الدكتور السيد البدوي شحاتة رئيس حزب الوفد دعوة عاجلة لجميع الأعضاء واللجان المكلفة بتشكيل اللجا...

نقيب الإعلاميين: ملتزمون بميثاق الشرف الإعلامي وبقرار المحكمة بحظر النشر في قضية التجمع الخامس

أصدرت نقابة الإعلاميين، برئاسة الإعلامي الدكتور طارق سعده، نقيب الإعلاميين، بيانًا بشأن الخطاب الوار...

الاكثر قراءة
زهايمر!

هل يمكن أن نضيف شيئاً ؟ .. فتح ، حماس ، فتح الإسلام .. يسار ، يمين .. ديمقراطية ، عسكرتارية ، أوتوقر...

مسيرة لـ" النهوض بالأزهر " تطالب بدمج أجهزة الدعوة

نظم " ائتلاف النهوض بالأزهر " مظاهرة انطلقت بعد صلاة الظهر من مسجد الفتح برمسيس إلى ميد...

الصبي والبلطجي!!

قبل عدة عقود ظهرت ألغام بحرية في البحر الأحمر هددت مسارات الملاحة الدولية.. واضطرت شركات كثيرة لتوجي...

في انتظار رد اﻷمن.. عن عوائق سفر أعضاء هيئة التدريس (دراسة خطيرة)

تحاول الدولة منذ سنوات فرض سيطرتها على الجامعات المصرية باستخدام قوانين وقرارات عدة أصدرتها خلال الس...

أسعار الذهب اليوم

السعر بالجنيه المصري

عيار 24
7,068ج.م
عيار 21
6,184ج.م
عيار 18
5,301ج.م
الجنيه الذهب
49,472ج.م
عرض جميع الأسعار

تابعونا


جارٍ التحميل...