الثلاثاء، 03 نوفمبر 2026 القاهرة 28.3°C
رئيس التحرير مجدي شندي
حول (البوسطجية اشتكوا..)

حول (البوسطجية اشتكوا..)

أرسل الصديق أحمد أبو اليزيد، المخرج التليفزيوني الكبير، تعقيبًا على مقال (البوسطجية اشتكوا..)، جاء فيه أن الأغنية حققت شهرة كبيرة في فترة الأربعينيات والخمسينيات من القرن الماضي، حتى إذا ما قامت ثورة يوليو، رأى القائمون على الإذاعة منعها، خشية أن يظن الرئيس جمال عبد الناصر أن هناك تلميحًا إلى والده، الذي كان يعمل بمكتب بريد باكوس بالإسكندرية.

وبعد حرب السويس عام 1956، كانت الإذاعتان البريطانية والإسرائيلية تذيعان الأغنية كيدًا في الرئيس، وكذلك حذت الإذاعة العراقية حذوهما في فترة الخلاف بين الدولتين نهاية الخمسينيات، وعندما علم ناصر بالأمر ضحك ساخرًا، وأمر بإذاعة الأغنية يوميًا.

ولهذه القصة دلالتان، الأولى إقدام بعض الدوائر القريبة من كبار المسؤولين على اتخاذ قرارات باسمهم ومن دون علمهم. ويذكّرني ذلك بما رواه الدكتور حسام بدراوي، أستاذ النساء والتوليد بكلية الطب – جامعة القاهرة، وأحد أبرز الشخصيات العامة في بودكاست حديث، من اعتراض الوزراء صفوت الشريف (1933–2021) وكمال الشاذلي (1934–2010) على ترشحه لرئاسة لجنة التعليم في البرلمان، بحجة أن الرئيس مبارك غير موافق. فما كان من بدراوي إلا أن أعلن تمسكه بالترشح، مؤكدًا أن بإمكانهم إسقاطه عبر نواب الحزب الوطني. وبعد فترة عادوا إليه ليخبروه بموافقة الرئيس على ترشحه لرئاسة لجنة الصحة، فكرر رفضه وأصرّ على ترشحه لرئاسة لجنة التعليم، وبالفعل انتخب وفاز بها. وحين التقى الرئيس مبارك لاحقًا، اكتشف أن الأخير لم يكن على علم بالقصة من أساسها. ولا شك أن أمثال هذه الوقائع كثيرة وعلى مستويات متعددة.

أما الدلالة الثانية، فهي أن والد الزعيم عبد الناصر كان موظفًا شريفًا، يتشابه مع ملايين غيره من أبناء الوطن، حرصوا -ولا يزالون- على تربية أبنائهم وتنشئتهم وتعليمهم كأفضل ما تكون مثل هذه الأمور، من ثم لم يكن لدى عبد الناصر ما يجعله يخجل من والده.

يذكرني ذلك بعلي باشا مبارك (1823–1893) أحد رواد النهضة الحديثة في مصر، ويُلقّب بـأبي التعليم لدوره الكبير في تنظيم التعليم وتطويره، وتأسيس مؤسسات علمية مهمة مثل دار العلوم ودار الكتب، وترك مؤلفات بارزة في التاريخ والعمران، وتولى العديد من المناصب الوزارية، عندما زاره والده في مكتبه، وكان رجلاً ريفيًا رقيق الحال، أمسك علي بذراع والده ومر على مكاتب الموظفين بالوزارة يقدمهم له بمقولته الشهيرة "هذا أبي". 

علي مبارك الذي ترك قريته، برمبال، التابعة لمركز مدينة النصر، بمحافظة الدقهلية، طفلاً وعاد إليها شابًا يطرق باب بيتهم، فيأتيه صوت والدته الواهن يسأل عن الطارق، فيجيبها بالفرنسية مداعبًا، وعندما تبدي انزعاجها يخبرها بحقيقته، فتفتح الباب لتجد شابًا يافعًا يرتدي زي ضابط وقد زينت صدره نياشين التكريم والتفوق، فيرتمي في أحضانها.

وهو ذاته علي باشا الذي دخل عليه سكرتيره يومًا يخبره بأن شابًا بالباب يدّعي أنه ابنه. فتعجب وأذن له بالدخول، فدخل شاب وسيم أنيق وسلم عليه، فسأله الباشا: "كيف تدّعي أنك ابني وليس لي أولاد؟"، فأجابه بثقة: "حضرتك ناظر (وزير) المعارف العمومية، وبحكم هذا المنصب فأنت أب لكل الطلاب، وأنا طالب بالجامعة"، فابتسم علي باشا واستحسن رده، وسأله عن اسمه، فأجاب: مصطفى كامل، الذي صار لاحقًا أحد رموز الوطنية المصرية.

بالعودة للمقال، تساءل قارئ آخر، وماذا عن نجاح سلام وأغنيتها الشهيرة (عايز جواباتك)، تأليف الرائع حسين السيد، وألحان فليمون وهبه، وهي أحد أجمل أغانيها، وما زالت تتردد حتى الآن رغم مضي نحو سبعة عقود على غنائها، تقول فيها:

(عايز جوباتك

يعنى افترقنا خلاص

عايز ايامك

يعنى انتهينا خلاص

طويت صحايف عمرى معاك وبايدى لميتهم...)

وقد كنت كلما سمعت هذه الأغنية تساءلت، وماذا عن جواباتها؟. أقامت الدنيا وأقعدتها لأنه طلب خطاباته بعد ما انتهت علاقتهما، أو هكذا قرر كما نفهم من سياق الأغنية، بينما ترى هي أن هذه الخطابات ليست مجرد حبر على ورق، بل هي روح، ومشاعر، وذكريات ما زالت دافئة، ولهذا تخبره:

(لا.. دول من حقي مش هبعتهوملك

لا.. دول حتة منى روح انت لوحدك

دول أجمل حاجة انكتب لى فى عمري

دول عمري امبارح وكمالة عمري

ح أقراهم تاني

يا ح قابلك فيهم

يا فضلت أحبك

يا كرهتك فيهم..)

ومع كل ما في الأغنية من شجن وكلمات رقيقة معبرة، مع صوت ملائكي، لم تسأل نجاح سلام حبيبها المزعوم عن خطاباتها التي أرسلتها إليه، وماذا فعل بها؟، أو تطالب بها.. ربما تركتها لتكون مثل شعرة معاوية، (لَا تَدْرِي لَعَلَّ اللَّهَ يُحْدِثُ بَعْدَ ذَلِكَ أَمْرًا).

على الجانب الآخر، فقد جابت فيروز بوجهها الصارم من الآخر، كما نقول في مصر، حين غنت من كلمات الأخوين رحباني وألحان فليمون وهبه:

(كتبنا وما كاتبنا ويا خسارة ما كتبنا 

 كتبنا مية مكتوب ولهلق (لدلوقتي) ما جاوبنا

 كنا نبعتله مكتوب  يبعت مكتوبين

 شو قالوا لك يا محبوب مغير من شهرين ..)

وعلى رأي المثل.. "خلي الكتابة تنفعك!"
---------------------------------
بقلم: د. م. محمد مصطفى الخياط
[email protected]

استمع إلى المقال حوّل المقال إلى تجربة صوتية
مدة القراءة04:29
تعليقات


الطقس
القاهرة مصر
27.2°C
توقعات الساعات القادمة
27.2°C
26.3°C
25.5°C
24.8°C
24.1°C
23.4°C
إقرأ أيضا
هاكان فيدان يشيد بموقف مصر المسؤول عقب استهداف سفينتي طاقة في دمياط

ثمن وزير الخارجية التركي هاكان فيدان، الموقف المصري المتزن والمسؤول الذي اتخذته مصر عقب الهجوم...

نبيل فهمي يبحث أمين عام مجلس التعاون الخليجي تطورات القضايا العربية والإقليمية

استقبل نبيل فهمي، الأمين العام لجامعة الدول العربية، اليوم الخميس، جاسم محمد البديوي، الأمين العام ل...

رئيس حزب الوفد يوجّه بالاستعانة بالكوادر القبطية والشباب في تشكيلات الحزب بالمحافظات

وجّه الدكتور السيد البدوي شحاتة رئيس حزب الوفد دعوة عاجلة لجميع الأعضاء واللجان المكلفة بتشكيل اللجا...

نقيب الإعلاميين: ملتزمون بميثاق الشرف الإعلامي وبقرار المحكمة بحظر النشر في قضية التجمع الخامس

أصدرت نقابة الإعلاميين، برئاسة الإعلامي الدكتور طارق سعده، نقيب الإعلاميين، بيانًا بشأن الخطاب الوار...

الاكثر قراءة
البابا تواضروس يحاول تقبيل يد الأنبا أمونيوس ورد اعتباره بعد 19 عاما من النفي

خمسة أساقفة و7 قساوسة بالأقصر ورجل اعمال شهير ورأء قرار أسبتعاده وأسقف شهير:"علي جثتي عودة الأنبا أم...

الصبي والبلطجي!!

قبل عدة عقود ظهرت ألغام بحرية في البحر الأحمر هددت مسارات الملاحة الدولية.. واضطرت شركات كثيرة لتوجي...

هل يقبل محمد الباز التحدي؟

في حلقة 6 أغسطس 2019 من برنامج 90 دقيقة على قناة المحور دعا الزميل محمد الباز مقدم البرنامج 3 من أعض...

"سوبيبور" عرض مسرحي في القاهرة يزيف التاريخ ويستجدي التعاطف مع يهود الهولوكوست

لا يوجد نص أدبي تأتي فكرته من الفراغ، فأي كاتب حتى من يكتب الكوميديا تكون لديه رسالة أو هدف مما يكتب...

أسعار الذهب اليوم

السعر بالجنيه المصري

عيار 24
7,000ج.م
عيار 21
6,125ج.م
عيار 18
5,250ج.م
الجنيه الذهب
49,000ج.م
عرض جميع الأسعار

تابعونا


جارٍ التحميل...