الأربعاء، 04 نوفمبر 2026 القاهرة 27.3°C
رئيس التحرير مجدي شندي
حزب للإيجار

حزب للإيجار

مبنى الحزب، أو مقرّه العام، الذي يحتلّ مساحة الطابق الأرضي كاملة، في "عمارة الفردوس المفقود" الواقعة في "شارع السلام"، بضاحية "العروبة"، بمدينة "رام بيرة"، يضمّ بهوَ الاستقبال المفضي لقاعة الاجتماعات، التي تتصدّر حائطَها صورةُ زعيم الحزب، وبجانبها مكتب الرئيس الوثير، وبضع غرف للسكرتاريا والنوّاب والأرشيف والمطبخ والحمّامات. ولطالما شهد المقرّ حشودا هادرة، وانزرعت أمامه رايات وأعلام وبوستارات ويافطات.. ويعدّ مَعْلَما من معالِم المدينة، التي كانت بلدة هادئة مطمئنّة، وصارت عاصمة صاخبة مزدحمة بصناديقها الحجرية المتشاهقة، وبسيّاراتها الفارهة اللامعة.

وعلى رغم مرور أكثر من ثلاثين سنة على هذا المبنى إلا أنه ما فتئ بهيّا عريقا، يسطع بأضوائه المتفشية بين الأقواس والمداخل.

وأمام ساحة المبنى ترى خطوطا بيضاء تحدد أماكن مركبات سكّان العمارة، لكنّ الحزب سيطر على الساحة وأغلقها وضمّها لأعضائه ونشاطاته الشعبويّة، ولم يجرؤ السكّان على الاعتراض!

غير أنّ المؤتمر الأخير للحزب، قبل أكثر من عام، كان إيذانا بنهايته وانفراطه، إذ أنه قدّم، وعلى مدار عقود منصرمة، نموذجاً سيّئاً للقيادة واستبداد السلطة واستغلالها، ما خلق رؤوساً ومراكز قوى وتيارات. وعلى مدار عقود من المركزّية والاستحواذ على القرارات والتبرّعات، فقد سيطر الارتباك والتردّد والشلليّة والضبابية والفساد في إدارة الحزب، تنظيمياً وجماهيرياً وسياسياً، لأنه -عملياً- وضع كلّ بيضاته في سلّة العملية التسووية الوَهْمية، والتي لم يلمس المواطن منها سوى الموت والإبادة والحواجز والفقر والحصار. حتى أن عضوا في لجنته المركزية قالها صراحةً: لقد غرقنا في التيارات والاستقطابات الإقليمية، ولم يستطع الحزب أن يحيّد نفسه تماماً، أو يجد مسافة متساوية بين المتناكفين من حوله.. ولهذا؛ فَقَد كثيراً من الشرعيتين اللتين كانتا تمدّانه بالحيوية والحضور والنفاذ، وهما الشرعية الانتخابية والشرعية الثورية. عداك عن أن كثيرا من اللقاءات والاجتماعات لهجت ،علانيةً، بأخطائه القاتلة، وأنّ الحزب قد يستقوي بقوى مختلفة لتثبيت أو انتزاع الشرعيتين أو إحداهما، وهاتان الشرعيتان لا يمكن الحصول عليهما أو إنجازهما إلاّ عبر الجماهير وبها. وأكّد قطبٌ غاضب في الحزب بأنّ اندفاعته، وعلى الأصحّ المكتب السياسي المُتنفّذ، ومكابدته نحو البقاء والسيطرة، دفعه نحو خيارات خطيرة جداً، تمثّلت في وضع نفسه في خدمة المخططات الإقليمية والدولية، بحيث تحوّل الحزب من إطارٍ ثوريّ إلى نُخبة سياسية أمنية، تنفّذ برنامجاً يصبّ في خدمة الرؤية الكبرى للقوى المتحكّمة ومصالحها المختلفة، لترتيب المنطقة واستلاب ثرواتها، ورسم سياسات بعيدة المدى. وبات معروفا للقاصي والدّاني أنّ الحزب عمل على نشر المقولات والدعوات الاجتماعية والفكرية والسياسية الجديدة، التي تفارق روح الحزب وحمولته ونظامه الأساسي، والذي سعى البعض، إلى تحويله من نظام سياسي جامع وأصيل، إلى نظام داخلي منزوع الأهداف والمبادئ والأساليب، التي تربّت عليها الأجيال. وأضاف كاتب سياسي، كان مؤيّدا: إذا أضفنا إلى ذلك كلّه هيكليات الحزب التي عفا عليها الزمن، وتجاوزتها الأحداث، فإنها لم تعد تستطيع إلا الحفاظ على مصالحها الصغيرة، فضلا عن بروز التيارات المختلفة والمرتبطة بأجندات متعارضة، صغيرة وكبيرة، ومكشوفة وغير مرئية، ما أدّى، مع المال السياسي، إلى أن يصطدم الحزب ومشروعه، الذي لم يبق منه شيء، في حائط من الفولاذ. وكلّ ذلك - كما قال صقر الحزب - على خلفية عدم الإنجاز السياسي والإخفاق الإداري، والتخشّب الفكري أو غياب الرؤية، وانعدام الكريزما الشخصية..

وجاء، غير مرّة، في افتتاحيات الصحيفة المعارضة؛ بأنّ كلّ ما شهدناه من تراجع للصورة والنموذج، ورغبة البعض في أن يغسل يديه من قضيتنا، هو نتيجة لما وصل إليه الحزب، باعتباره رائد الكفاح والمقاومة! التي استمد شرعيته وتأثيره الغلاّب من مشروعه الكفاحي، الذي استعجل وتعجّل التاريخ، من أجل اتفاق غامض رسم مستقبلاً غامضاً، ندفع كلُّنا ثمن ضعفنا فيه، وهزيمتنا المدويّة.

ويقول المقرّبون بأنّ الحزب أدرك، متأخّراً، أنه أمام حقائق صادمة، أوّلها؛ أن تحقيق أهدافه بات كابوسا يزعق في وجهه! وأن الفصائل والأحزاب قد انفرطت أو انكمشت أو فَقَدَت تأثيرها المعهود، أو تسعى إلى خيارات، إنْ تمّت، ستقضي على مشروعنا الوطني والاجتماعي! ولم يستطع الحزب اجتراح أيّ شيء لإنهاض نفسه والقوى الوطنية واليسارية المرافقة له، في مسيرة التحرير! فدخل إلى فضاء التشظّي والبعثرة، وانفضّ الجمْع عنه ومن حوله..ولم يتبقَ غير قيادة الحزب الهَرمة المتحكّمة..التي نشهد غروبها الأكيد وسقوطها المدوّي.

ويضيف آخر، وهو يضرب كفّاً بكفّ: للأسف الشديد لم يدرك الحزب الكثير من الحقائق "الداخلية" التي أشارت إلى أزمات اقتصادية واجتماعية ووطنية وسياسية، شديدة الصعوبة والتعقيد والرجرجة، والخوف من الاقتلاع، وانعدام فرصة الحلّ السياسي، والأزمة الاقتصادية والاجتماعية، والهشاشة والتسطّح الفكري..إلى تعدد الخطابات. ولهذا؛ كان طبيعيا أن ينتهي الحزب، ولم يتبقَ منه غير مقرّه الوسيع، الذي ران عليه الغبار، وحطّت فيه الطيور لتعشّش في خزائنه الفارغة!

وها قد مرّ أكثر من عام، ولم يدفع الحزب أجرة المقرّ لصاحبه.

ومع إلحاف المؤجّر على رئيس الحزب ورفاقه، ووساطة العديد من الوجهاء، لإخلاء المبنى..فقد اضطر الرئيس إلى تسليم المفتاح لصاحب العقار، شرط أن يسامح الحزب عن أجرة عام ونصف..إذ أفلس الحزب، ولم يعد في حسابه أيّ مبلغ يُذكر. 

بعد يومين قام صاحب المكان وعلّق يافطة على بوابة المبنى كتب عليها: "الحزب للإيجار"! فسارع سكّان العمارة واستعادوا حقّهم في الساحة، وحمدوا الله تعالى على أنهم سيحظون بالهدوء، وأن المبنى سيستعيد سمعته الطيّبة..وهنا أستذكر ما كان يمتعض منه صاحب المبنى، ويتبرّم منه السكّان، لأنّهم اشتكوا واعترضوا على دخول نساء صغيرات إلى المقرّ ليلا؟ حتى اضطر المالكُ للاستعانة بمستشار الحزب الديني، الذي صدم المشتكي بجوابه! إذ أكّد المستشارُ المُلتحي، وهو يطقطق بالسبحة بين أصابعه؛ على أن الصبايا يلتحقن بدورات تثقيفيّة، حتى يعرفن حقوقهن الوطنية والاجتماعية، ولكي يتعلّمن مبادئ الثورات وأدبيات النضال، ويقرأن دوبريه والهرثمي وأنجلز والعكش وصن زو وأرسطو ولوبون.. وعندما استفسر المالكُ عن هذه الأسماء، ردّ عليه الشيخ المستشار: تؤجّر الحزب منذ ثلاثين سنة، ولا تعرفهم؟ هؤلاء الذين عبّدوا لنا الطريق.. 

لم يحفظ صاحب العمارة أيّاً من تلك الأسماء، ولم يفهم ما قصده السيّد المستشار، لكنه نظر إلى السماء وخاطبها راجياً أن تنقذه من هؤلاء الظَلَمة. 

بعد يوم واحد من خروج آخر عنصر من المبنى، هبّ المالكُ، مع سكّان المبنى، وجَمعَوا كلّ مخلّفات الحزب وأوراقه وملفّاته وصوره..وألقوا بها في الحاوية، قبل أن يشعل أحدُهم النار فيها، ويصيح، وأوار اللهب يتلامع على وجهه: لقد خدعونا كلّهم، وكذبوا علينا..والشعب عاجز لا يعترض..ولهذا لم نحقّق إلا الكثير من الفاسدين..

***

وعلى بُعد أقلّ من ثلاثة كيلومترات؛ تصادت نداءات وصرخات، فيما لم يأبه المواطنون لها! إنهم استمرأوا، على ما يبدو، هجوم الغرباء على القرى المحيطة بهم، وإشعال النار في أشجارهم، وإطلاق الرصاص المجنون عليهم.. وكأنّ الأمر لا يعنيهم!
--------------------------
بقلم: المتوكل طه

استمع إلى المقال حوّل المقال إلى تجربة صوتية
مدة القراءة06:06
تعليقات


الطقس
القاهرة مصر
27.3°C
توقعات الساعات القادمة
27.3°C
29.0°C
30.3°C
30.9°C
30.9°C
30.4°C
إقرأ أيضا
هاكان فيدان يشيد بموقف مصر المسؤول عقب استهداف سفينتي طاقة في دمياط

ثمن وزير الخارجية التركي هاكان فيدان، الموقف المصري المتزن والمسؤول الذي اتخذته مصر عقب الهجوم...

نبيل فهمي يبحث أمين عام مجلس التعاون الخليجي تطورات القضايا العربية والإقليمية

استقبل نبيل فهمي، الأمين العام لجامعة الدول العربية، اليوم الخميس، جاسم محمد البديوي، الأمين العام ل...

رئيس حزب الوفد يوجّه بالاستعانة بالكوادر القبطية والشباب في تشكيلات الحزب بالمحافظات

وجّه الدكتور السيد البدوي شحاتة رئيس حزب الوفد دعوة عاجلة لجميع الأعضاء واللجان المكلفة بتشكيل اللجا...

نقيب الإعلاميين: ملتزمون بميثاق الشرف الإعلامي وبقرار المحكمة بحظر النشر في قضية التجمع الخامس

أصدرت نقابة الإعلاميين، برئاسة الإعلامي الدكتور طارق سعده، نقيب الإعلاميين، بيانًا بشأن الخطاب الوار...

الاكثر قراءة
مسيرة لـ" النهوض بالأزهر " تطالب بدمج أجهزة الدعوة

نظم " ائتلاف النهوض بالأزهر " مظاهرة انطلقت بعد صلاة الظهر من مسجد الفتح برمسيس إلى ميد...

حريق بسفينة في ميناء دمياط وجاري حاليا التعامل معه والسيطرة عليه عن طريق الحماية المدنية

صرح المركز الإعلامي لهيئة ميناء دمياط أنه بتاريخ اليوم الخميس، الموافق وفي تمام الساعة الواحدة والنص...

ميتشو: غياب شيكابالا عن مواجهة بطل السنغال مؤثر للغاية

 كشف الصربي ميتشو المدير الفني لفريق الكرة الأول بنادي الزمالك عن أنه لا يشعر بأي ضغوط قبل مواج...

في الجزء الثاني من حوار مطول.. مدحت الزاهد: قتل السياسة يفضي إلى انفجار

- الحياة السياسية، بعد أن تعرضت لحالة خنق، أشبه بعربة غرست فى الوحل.- مجتمع الصوت الواحد الذي يدار ب...

أسعار الذهب اليوم

السعر بالجنيه المصري

عيار 24
6,994ج.م
عيار 21
6,120ج.م
عيار 18
5,246ج.م
الجنيه الذهب
48,960ج.م
عرض جميع الأسعار

تابعونا


جارٍ التحميل...