حارس الذاكرة يعود إلى ترابه: رحيل سليمان منصور وخلود الأثر
غيب الموت الفنان التشكيلي الفلسطيني الكبير سليمان منصور عن عمر يناهز ٧٩عاما؛ ليترجل أحد أهم حراس الذاكرة البصرية الوطنية بعد مسيرة حافلة سخر فيها ريشته لخدمة الهوية والأرض. ورحل الجسد اليوم، لكن الجذور التي غرسها في وجدان الفن العربي تبقى ممتدة لا تطويها السنون.
خلت الفنان سليمان منصور بعمر فلسطين. أعماله ممتدة للجذور وأعماق الأرض، تتنفس من طينها وريحانها، وتستمد بقاءها من صلابة الزيتون وأصالة العطاء. حين يتأمل المرء نتاجه الفني العريض، يشعر وكأنه أمام مؤرخ بصري لم يحمل القلم بل حمل الريشة والطين ليصوغ ذاكرة شعب، وينسج من الألوان والحبيبات الترابية هجائية الصمود وفلسفة البقاء.
رسام الذاكرة وأيقونة الصمود
تتجلى في تجربة الراحل القدرة الفريدة على تحويل الفن من مجرد تعبير جمالي عابر إلى وثيقة نضالية وتاريخية ناطقة. لم يكن منصور يوماً مجرد رسام يلتقط مشاهد واقعية، بل أسس لتيار بصري هوياتي يستند إلى رموز الوطن. ولعل لوحته الأيقونية "جمل المحامل"، التي اختزلت شقاء الشارع الفلسطيني وإصراره عبر شخصية العجوز الذي يحمل القدس على ظهره، تحولت إلى رمز عالمي يحاكي حكاية شعب صامد.

فلسفة الطين والارتباط بالأرض
في مراحل تطوره الفني، لم يكتفِ منصور بالخامات التقليدية كالألوان الزيتية أو الأكريليك، بل اتجه نحو خامة أكثر التصاقاً بفكرته: "طين الأرض". استطاع عبر خامة الطين الممزوجة بالخيش والصلصال أن يخلق بعداً فلسفياً وعميقاً؛ فالمادة نفسها هي التربة التي يُفاضل من أجلها. وعندما تتشقق لوحاته الطينية، لا تبدو كأنها تتلف، بل تعطي الانطباع بأنها تزداد عتقاً وأصالة كالأرض الجافة تماماً.
تتنوع موضوعات أعماله لتغطي تفاصيل التراث والشخصية الفلسطينية:
المرأة بالثوب المطرز: تجسد في أعماله الأمهات والرمز الحي للأرض والخصب والتجذر.
شجرة الزيتون والبرتقال: الحاضرة بدفئها وعناقها الوجداني، محاكية الثبات والصمود أمام العواصف.
العمارة القروية والأحياء القديمة: بيوت الطين الحافية والشبابيك الخشبية التي تروي قصص التاريخ والذاكرة الجمعية.
ريادة الحركة التشكيلية والتأسيس
كان لسليمان منصور دور محوري في تأسيس الحركة التشكيلية المعاصرة داخل فلسطين، لا سيما عبر مشاركته في تأسيس "رابطة الفنانين التشكيليين" ومبادرة استخدام الخامات المحلية الطبيعية كالقهوة والشمع والحناء والطين في فترة الثمانينيات كمسار فني مقاوم ومستقل.
تكمن قوة الفن عند سليمان منصور في قدرته على تحويل الحزن إلى كبرياء، وجعل البورتريه الفلسطيني مساحة تتلاقى فيها الملامح الإنسانية مع تضاريس الوطن. ورحل الراحل بجسده اليوم، إلا أن أعماله تبقى حية تشهد على أن الفن المبتكر من تراب الأرض لا يمكن أن يطويه النسيان، بل يزرع في روح المتأمل يقين الجذور الممتدة في عمق التراب.




الطقس
إقرأ أيضا
هاكان فيدان يشيد بموقف مصر المسؤول عقب استهداف سفينتي طاقة في دمياط
ثمن وزير الخارجية التركي هاكان فيدان، الموقف المصري المتزن والمسؤول الذي اتخذته مصر عقب الهجوم...
نبيل فهمي يبحث أمين عام مجلس التعاون الخليجي تطورات القضايا العربية والإقليمية
استقبل نبيل فهمي، الأمين العام لجامعة الدول العربية، اليوم الخميس، جاسم محمد البديوي، الأمين العام ل...
رئيس حزب الوفد يوجّه بالاستعانة بالكوادر القبطية والشباب في تشكيلات الحزب بالمحافظات
وجّه الدكتور السيد البدوي شحاتة رئيس حزب الوفد دعوة عاجلة لجميع الأعضاء واللجان المكلفة بتشكيل اللجا...
نقيب الإعلاميين: ملتزمون بميثاق الشرف الإعلامي وبقرار المحكمة بحظر النشر في قضية التجمع الخامس
أصدرت نقابة الإعلاميين، برئاسة الإعلامي الدكتور طارق سعده، نقيب الإعلاميين، بيانًا بشأن الخطاب الوار...
الاكثر قراءة
مقاول يوهم المسؤولين في قنا بالتبرع لإعادة بناء 3 مدارس ثم يهرب بعد هدمها والاستيلاء على مخلفاتها
شهدت مدينة نجع حمادى بشمال قنا واقعة غريبة، كشفتها تقارير رقابية، حيث تعرضت مديرية التربيه والتعليم...
هل يقبل محمد الباز التحدي؟
في حلقة 6 أغسطس 2019 من برنامج 90 دقيقة على قناة المحور دعا الزميل محمد الباز مقدم البرنامج 3 من أعض...
رسالة مفتوحة إلى فخامة الرئيس
سيدي الرئيس: "إنَّ الوصيةَ لو تُرِكَتْ لفضلِ أدبٍ، تُرِكَتْ لذلك منكم"، وإنَّ النصيحة لو ح...
زهايمر!
هل يمكن أن نضيف شيئاً ؟ .. فتح ، حماس ، فتح الإسلام .. يسار ، يمين .. ديمقراطية ، عسكرتارية ، أوتوقر...
أسعار الذهب اليوم
السعر بالجنيه المصري